المسلمون والعمل السياسي

فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الخالق


تعريف بالكتاب

يختلف الدعاة اليوم حول العمل السياسي، وخاصة ما يتعلق منه بمجالس التشريع في الدول (الديمقراطية)، وتكوين الأحزاب السياسية من منطلق ديني، وتكوين الاتحادات والنقابات والهيئات، والتجمعات، وكذلك حول دخول الدعاة والعلماء في المعترك السياسي من حيث نقد الحكام، وتوجيه مسيرة الأمة، وكذلك قد وصل الاختلاف بين الدعاة إلى تولي المناصب القيادية في الحكومات الإسلامية المعاصرة ومدى موافقة هذا أو مخالفته للإسلام الصحيح.. الخ.

وهذه الرسالة على صغر حجمها تجيب الإجابة الشافية بحول الله وتوفيقه على كل ذلك.

إنها منطلق جديد للدعوة إلى الله.


المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

وبعد،

فإن شباب الدعوة الإسلامية يختلفون فيما بينهم اختلافاً كثيراً في كيفية الدعوة إلى الله في الوقت الحاضر، وخاصة حول الوسائل الحديثة للدعوة، وكيفية الاستفادة منها، والدخول إليها، وتطويعها للإسلام ومن هذه الوسائل التي كثر حولها الاختلاف، الحزب السياسي، ومجالس التشريع، (البرلمانات، ومجالس الأمة..، الخ). والنقابات، والاتحادات، والتجمعات، والجامعات والمدارس والمعاهد، وكذلك يختلف الدعاة حول تولي المناصب القيادية في الدول الإسلامية المعاصرة، أو الدول الأجنبية الكافرة، وهل مثل هذا العمل مشروع أم لا، وهل هو طريق موصل إلى تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية أم لا..

وقد رأيت من واجبي حسم هذا الخلاف بحول الله وقوته، وإزالة الشقاق في ذلك، وبيان الرأي فيه مع الحجة والدليل آملاً من الله سبحانه وتعالى وراغباً إليه أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه، وأن يجعل منه فاتحة خير على الأمة الإسلامية بأسرها، وأن يجعل منه منطلقاً لأبناء الأمة ودعاة الإسلام ليحققوا لأمتهم العز والنصر والتمكين، وأن يعملوا لإزالة سلطان الكافرين وتصدر المنافقين المبطلين، ليتولى أمور الأمة أهلها، وتعود الأمانة إلى أصحابها، والأمور إلى نصابها. تحقيقاً لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}.

وأرجو ألا يبخل إخواني علي بالنصح والتسديد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، فلنعمل جميعاً على سد ثغور الإسلام، ورتق الفتق في ثوبه، وجمع صفوف أبنائه، والانطلاق نحو العمل الجاد، والجهاد بكل أنواعه وأساليبه حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.

والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

عبد الرحمن عبد الخالق

الكويت في الثاني من ربيع الآخر سنة 1406هـ

الموافق 14 من ديسمبر سنة 1985م


الباب الأول: مقدمات في العمل السياسي

تعريفه، حكم العمل السياسي، السياسة النبوية، سياسة الراشدين،

حال المسلمين بعد سقوط الخلافة، واقعنا اليوم، اختلاف الدعاة في العمل السياسي

تعريف:

المقصود بالسياسة في العرف والاصطلاح الشائع اليوم هو: (قيادة الناس والاهتمام بالأمور العامة، وشؤون الحكم، وعلاقات الدول بعضها ببعض).

أولاً: السياسة من صميم الدين:

ومما لا شك فيه أن موضوع السياسة من صميم الدين، ومن تكاليف رب العالمين لأمة خير الأنبياء والمرسلين. والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، بل هذا من المعلوم من الدين ضرورة، فكل مسلم لا يجوز له أن يجهل أن الإسلام قد جاء لإنشاء أمة، وإقامة نظام ودولة، تقيم العدل، وتحارب الكفر والفساد وتطبق الأحكام، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لعله الرسول الوحيد بين الرسل الذي جمع في حياته بين مهمة الدعوة وواجبات الحكم والسيادة، فقد كان هادياً ومبشراً ونذيراً (كان هناك بعض الأنبياء ممن جمعوا بين ذلك كداود وسليمان، وأما الرسل فلم يتمكن رسول من الحكم الكامل والرسالة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم)، وكذلك قد كان حاكماً وقاضياً، وقائد جيش، بل قد جعله الله مرجعاً للمسلمين في كل شجار وخلاف، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} ولم يجعل الله له مندوحة من ترك تطبيق أحكام الدين حيث يقول له: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} وأمره بتكوين الجيوش والخروج للغزو والقتال ولو بنفسه فقط حيث يقول له: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} (سورة النساء:84).

بل إن الله أمر المؤمنين ألا يغادروا أماكنهم إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جامع غزوة أو غيرها إلا باستئذان كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} (سورة النور:62)، وهذا بالطبع يتنافى تماماً مع القول بأن الرسول مبلغ فقط أو مجرد مرشد أو موجه بل هو قائد مسؤول محاسب أمام الله على تصرفاته في قيادته، ومما يدلك على هذا عتاب الله له لأنه أذن لمجموعة من المسلمين أو المنافقين استأذنته قبل أن يعرف عذرهم، وهل هم صادقون أم كاذبون. قال تعالى: {عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى تعلم الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} (سورة التوبة:43) وكان هذا في غزوة تبوك.

والخلاصة أن النبي كان قائد أمة، وحاكم جماعة، وإمام دولة مع كونه نذيراً للعالمين، وبشيراً للمؤمنين، ومبلغاً للناس أجمعين، ولا شك أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ترك الناس على هذا الأساس، أعني أنهم أمة قائمة بأمر الله، وأنه لا بد وأن يكون فيهم خليفة يقوم بالأمر من بعده، بل توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عقد راية لحرب الروم، وعين القائد على ذلك وهو "أسامة بن زيد" وكذلك أمر بإخراج اليهود من جزيرة العرب فقال: [أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب] (رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انظر صحيح الجامع (231)).

وعين رسول الله صلى الله عليه وسلم من يؤم المسلمين بالصلاة بعده فقال: [مروا أبا بكر فليصل بالناس] (رواه البخاري وأحمد والترمذي وابن ماجة (صحيح الجامع (5742))، وكان هذا منه إعلاناً بأنه الإمام والخليفة بعده، لأن الصلاة هي ركن الدين الأعظم بعد التوحيد.

كل هذا يدلك على أن إقامة الأمة والدولة والحكم من صلب الدين ومن واجباته الأساسية ولذلك أجمع المسلمون على ذلك في كل عصورهم. وأنه يجب تولية إمام وخليفة وجاء القرآن بذلك، والسنة كذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: [من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية] (رواه مسلم)، وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (سورة النساء:58)، والمقصود هنا أمانة الحكم.

ثانياً: هل مارس رسول الله العمل السياسي قبل الهجرة؟!

وقد يظن ظان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمارس العمل السياسي إلا بعد الهجرة وإقامة الدولة وهذا خطأ فاحش، لأن العمل السياسي أوسع من مفهوم الحكم، فقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم منذ أول يوم لدعوته يدعو إلى عقيدة مغايرة للمعتقد السائد، ويجمع الناس حول هذا المعتقد، وهذا في حقيقته عمل سياسي حسب مفهوم الناس وعرفهم اليوم، وكذلك أوجد النبي الجماعة السرية، ثم الجماعة العلنية التي تدعو إلى تغيير نظم المجتمع، وعقيدته، وتستخدم كل وسائل الإعلام المتاحة من الاتصال الفردي، والخطبة، والمناداة، والمشاعر الخاصة، والحرب الإعلامية المضادة للفكر والعقيدة الجاهلية السائدة، وهذا كله عمل سياسي، وكذلك لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلب الحماية والنصرة من بعض الكفار كما فعل مع نفر من أشراف الطائف (هم أخوة ثلاثة:عبد ياليل، ومسعود، وحبيب أبناء عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف) في "الطائف" والنجاشي في "الحبشة" حيث كتب له الرسول صلى الله عليه وسلم التماساً بأن يؤوي المسلمين الفارين بدينهم، وكذلك عاهد الرسول الأنصار بعد إسلامهم في "العقبة الثانية" على النصرة، وهذه كلها أعمال سياسية بالمفهوم المعاصر. وكل هذه الأمور صنعها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر، وبهذا يتبين أن النبي مارس العمل السياسي بالمفهوم العصري لكلمة "سياسة"، ولكن بالطبع حسب الضوابط الشرعية، والسياسية الربانية الإلهية وليس بمسلك السياسة الجاهلية اللادينية.

بل إن أعداءه مارسوا معه أيضاً سياستهم الجاهلية، وتجبرهم وغطرستهم، فقاتلهم الرسول بسياسة الإسلام الربانية المثلى.

والخلاصة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته كان داعياً إلى الله نبياً ورسولاً. ممارساً للسياسة الربانية الإلهية.

ثالثاً: نتائج السياسة النبوية:

وكلنا يعلم اليوم النتائج الباهرة للسياسة النبوية الإسلامية، فقد استطاع في عشرين عاماً من دعوته صلى الله عليه وسلم أن يتغلب على جميع العقبات التي اعترضت طريقه، وقد تغلب على المشركين الذين ناوؤه وأخرجوه، وحاربوه، والمنافقين الذين تآمروا ضده، وأفرغوا وسعهم في تعويق حركته وشل رسالته، واليهود الذين حاربوه بالإشاعات والأكاذيب ثم بدسائسهم، ومؤامراتهم، وسيوفهم. وتغلب أيضاً على القبائل الجاهلية، والأعراب والانتهازيين. واستطاع أن يحدث انقلاباً لا مثيل له في التاريخ قط في عقيدة أمة فينقلها من الشرك إلى التوحيد، ويخلقها -بفضل الله- خلقاً آخر في الأخلاق والصفات والمسلك، والعقيدة، وأن يقضي على آفات عظيمة كانت تتهددهم، كالفرقة، والخمر والميسر والزنا ومئات الشرور الأخرى. وهذه شهادة (دائرة المعارف البريطانية) عن الآثار والنتائج المذهلة التي حققها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في حياته:

"جاء محمد بدعوة جديدة هي دعوة الإسلام، وكان هذا الرسول صلى الله عليه وسلم أوفر الأنبياء والشخصيات الدينية حظاً من النجاح، فقد أنجز في عشرين عاماً في حياته ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود المصلحين من اليهود والنصارى رغم السلطة الزمنية التي كانت تساند هؤلاء، ورغم أنه كان أمام الرسول صلى الله عليه وسلم تراث أجيال من الوثنية والخرافة والجهل والبغاء والربا والقمار ومعاقرة الخمر واضطهاد الضعفاء، والحروب الكثيرة بين القبائل العربية" أ.هـ (مادة قرآن: دائرة المعارف البريطانية).

بل وأن يهيئ هذه الأمة التي كانت بتلك المثابة لتكون خير أمة أخرجت للناس، وتخرج من هذه الجزيرة لتحطم عروش الطواغيت جميعاً، وتقيم أعظم أمة عرفتها الأرض على مدى ثلاثة عشر قرناً من الزمان بل على مدى الزمان كله إلى قيام الساعة عقيدة ومنهجاً وأخلاقاً وديناً.

ومثل هذا النجاح لا مثيل له في التاريخ قط، ولا شك أن ذلك كان بفضل الله أولاً ثم بالسياسة الحكيمة التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وأعدائه.

ولا شك أن شرح السياسة النبوية أمر يطول. ولكن المهم هنا أن نذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مارس سياسة شرعية كان من نتائجها هذا النجاح العظيم الذي شرحنا بعض أبعاده وآثاره.

رابعاً: السياسة في عهود الخلافة:

ومعلوم أن شؤون المسلمين السياسية تولاها الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة إثر خليفة -قرباً وبعداً من الدين- وسياساته المثلى.

فكانت الخلافة الراشدة أعظم فترات التاريخ إشراقاً ثم "بنو أمية" و"بنو العباس" و"بنو أيوب" و"بنو عثمان" وغيرهم من حكم باسم الله، وتحت راية القرآن وسنة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

ومعلوم أيضاً أن المسلمين حكاماً ومحكومين في كل هذه الفترات مارسوا السياسة الشرعية حسب مفاهيمهم واجتهاداتهم وكل ذلك في إطار التحاكم إلى الكتاب والسنة مرجعاً للجميع، وحاكماً على الإمام والرعية، وهادياً لكيفية التعامل مع غير المسلمين في أرض الإسلام والسلام، وفي أرض الكفر والحرب، وكان الجميع حكاماً ومحكومين يمارسون سياساتهم الشرعية أو التي ظنوها شرعية.

خامساً: الوضع الشاذ بعد سقوط الخلافة:

ولكن بعد سقوط آخر سلاطين (آل عثمان) (1345هـ/ 1927م) سقطت الخلافة الإسلامية التي استمرت ثلاثة عشر قرناً من الزمان. وقابل المسلمون بذلك في بلادهم الإسلامية أوضاعاً شاذة (الحق أن هذه الأوضاع الشاذة لم تبدأ بسقوط الخلافة وإنما بدأت بوقوع أقاليم العالم الإسلامي إقليماً بعد إقليم تحت سيطرة الاستعمار. فقد ابتدأ الاقتطاع من جسم الدول الإسلامية قبل سقوط الخلافة بكثير. ولكن المسلمين في كل إقليم كانوا يعللون أنفسهم أنهم ما زال لهم خلافة وسلطان) لم يكن لها شبيه طيلة القرون السابقة. وأهم أوجه الاختلاف ما بين الأوضاع المعاصرة والماضي ما يلي:

(1) قسمت أمة الإسلام إلى أقاليم جغرافية متعددة.

(2) كانت معظم هذه الأقاليم واقعة تحت سلطان العدو الكافر (إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وهولندا، وروسيا).

(3) أقام الكفار في كل إقليم حكومة تابعة لهم من أهالي البلاد ممن يطيع أمرهم ويستطيع أن يضبط الأوضاع في بلده.

(4) بدأ الكفار باستبدال القوانين والنظم الإسلامية المطبقة في حياة الناس بقوانين ونظم كافرة من عندهم.

(5) عمد الكفار إلى تغيير مناهج التعليم لإخراج أجيال جديدة تؤمن بالمفهوم الغربي للحياة، وتعادي العقيدة والنهج والشريعة الإسلامية.

(6) ألغيت الخلافة الإسلامية نهائياً، وأصبح العمل لاستردادها والدعوة إليها جريمة يعاقب عليها القانون.

(7) تحولت مقدرات المسلمين، وأموالهم، وثرواتهم نهباً للمستعمر الكافر الذي استغلها أسوأ استغلال واستذل المسلمين أعظم الذل.

ومعلوم أن المسلمين في كل مكان جاهدوا لتغيير هذه الأوضاع، وثاروا على الاستعمار والكفار في كل مكان إلى أن تحقق الاستقلال السياسي لكثير من أقاليم العالم الإسلامي، ولكن هذا الاستعمار لم يخرج من بلاد المسلمين وأقاليمهم إلا بعد أن ترك واقعاً مغايراً للدين يستحيل تغييره إلا بجهاد طويل. وهذا الواقع المخالف للدين يتمثل فيما يأتي:

سادساً: واقعنا اليوم:

(1) قيام حكومات من أبناء المسلمين أنفسهم، يتكلمون بلغتنا، وهم من بني جلدتنا، ولكنهم ورثوا واقعاً خلفه الاستعمار يتمثل في النظم والقوانين الغربية، والأجيال التي ربيت وفق الثقافة والمنهج الغربي.

(2) الحكومات التي خلفها الاستعمار بوجه عام كانت قد صنعت على عين الاستعمار ووفق تربيته، ومناهجه، وميوله، وقد أصبحت مصالح الاستعمار ببقاء هذه الحكومات وهددت هذه الحكومات بالإزالة عند أي محاولة للتغيير والتوجه إلى الشريعة الإسلامية أو العودة إلى نظام الخلافة. هذا مع ارتباط مصالح هؤلاء الحكام أنفسهم بالبقاء بالحكم الذي جعل لهم امتيازات هائلة، وسلطات مطلقة يصعب التفكير في التنازل عنها. فضلاً عن التخلي عن شيء منها.

(3) كان هم المستعمر الأول منذ وطئت قدماه أرض الوطن الإسلامي أن يعمل على تأصيل احتلاله، وتنفيذ مآربه ومخططاته في الحيلولة النهائية بين المسلمين والعودة إلى الدين من جديد، ولذلك فكر في وضع عقبات يصعب أو يستحيل إزالتها مع الزمان، تكون هذه العقبات حائلاً بين المسلمين والعودة إلى دينهم، وكان أعظم ما توصل إليه في ذلك، هو استبدال التشريع الإسلامي والقوانين الإسلامية، بدساتير وقوانين منقولة من دساتير وقوانين الكفار، وبذلك أقصيت الشريعة عن الحكم، وأعطيت مهمة التشريع لسلطة الحاكم الفرد، أو الحزب الحاكم، أو المجالس النيابية ولم تقيد سلطة التشريع هذه بكتاب أو سنة أو بمصادر التشريع الإسلامية فقط بل جعل التشريع من أي مصدر كان يستوي في هذا القرآن أو الإنجيل والتوراة أو القانون الإنجليزي والفرنسي، أو العرف والعادة أو أي مصدر من مصادر التشريع فالقرآن والسنة ليسا أكثر من مصدر من هذه المصادر لأفضل لهما على غيره. ومعلوم أن هذا هو الكفر بعينه لقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النساء:65)، ولقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} (المائدة:49)، ولقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} (البقرة:85) الآية.

(4) نظام اقتصادي يقوم على غير الإسلام، فإما نظام رأسمالي يبيح الربا، والامتيازات، ويسيء توزيع الثروة، ويقسم الناس إلى طبقات متفاوتة، وإما نظام شيوعي اشتراكي يهدر الطاقات، ويهدم الحافز، ويقتل كل إبداع، ويحرم الفرد من أهم حرياته وغاية وجوده.

(5) نظام تربوي يخرج أشباه المتعلمين ممن يتكلمون كثيراً ولا يفقهون إلا قليلاً، وممن يحملون شهادات عليا ولكن لا يمكن الاعتماد عليهم في دين أو دنيا وهكذا تعتمد البلاد الإسلامية اليوم في كل ميادين حياتها على خبراء من غير المسلمين حتى في النظافة والقضاء على الفئران والحشرات ناهيك بالبناء والصناعة والطرق، والحرب.. الخ.

(6) ازدواجية كاملة في الحياة حيث تعليم ديني ولا ديني، وقضاء شرعي، وقضاء مدني إسلام وكفر، ومطالبة بالشريعة، وعداء للشريعة، هذا إلى تخبط سياسي واقتصادي وتربوي واجتماعي لا مثيل له في كل دول العالم التي نجد فيها نسبة ما من التجانس والتقارب إلا في العالم الإسلامي حيث الاختلاف هو اختلاف الضد مع الضد.

هذا هو باختصار شديد الواقع الجديد الذي آلت إليه حال الأمة بعد سقوط الخلافة. وقد نشأ تبعاً لذلك التفكير في كيفية العمل السياسي والدعوة إلى الله في مثل هذه الأوضاع.

سابعاً: اختلاف الدعاة اليوم حول المفهوم السياسي:

وعندما نشأت هذه الأوضاع الشاذة اختلف المسلمون في العمل السياسي اختلافاً بيناً وكان اختلافهم في بعض نواحيه راجعاً إلى الاختلاف حول الحكم على الحكومات القائمة والحكام الموجودين: هل هم مسلمون أو كفار؟ فمن رأى أنهم كفار أفتى بأنه لا يجوز موالاتهم، ونصرهم، وطاعتهم، وتولي الولايات (الوظائف) لهم، وطلب الإذن بالدعوة منهم بل رأى أنه يجب حربهم والقضاء عليهم، وأنه يجوز بل يجب الخروج عليهم، بل اشتط بعض الناس فرأى أن توثيقهم لعقود الزواج والطلاق باطل كذلك، وأن الصلاة في مساجدهم التي يعينون لها الأئمة غير جائزة، لأنه لا يجوز للكافر أن يتولى مساجد المسلمين، أو يشرف عليها.

وطائفة أخرى من علماء المسلمين ودعاتهم رأوا أن هؤلاء الحكام وإن كانوا يحكمون بغير ما أنزل الله فهم مسلمون يصلى وراءهم، ويطاع أمرهم في غير معصية، ويقاتل معهم، ولا يجوز الخروج عليهم، ويطلب إذنهم وسماحهم في الدعوة والجهاد، وكل عمل سياسي.. الخ.

والحق أن في هذه المسألة تفصيل وقد شرحنا هذا التفصيل في مواضع كثيرة من كتابنا "فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله" و "الدعوة إلى الله".

والمهم هنا التذكير بأن دعاة الإسلام يختلفون اليوم حول كيفية الدعوة إلى الله اختلافاً بيناً. فمع إيمان الجميع تقريباً أن الإسلام نظام شامل للحياة كلها، وأنه لا فرق فيه بين العبادة والسياسة والمعاملة والأخلاق، وأنه لا يجوز الفصل بين أحكامه، إلا أن كثيرين يرون من الحكمة ترك الاشتغال بالسياسة إلى أقوال أخرى لعلماء ومرشدين وقادة كلها تدعو إلى الانخراط في كل عمل يعز الأمة وينصرها، وأن الإسلام لا يوجد فيه الفرق بين الدين والسياسة، ولا الدين والمعاملة، ولا الدين والأخلاق والنظم والقوانين. فالدين جاء لتنظيم الحياة كلها، والدعوة إلى الله لا بد وأن تكون بالوسائل المكافئة لوسائل الأعداء.

والخلاصة: أن هناك في الدعوة الآن قولان رئيسيان: قول يرى وجوب قصر الدعوة إلى الله على الطرق القديمة التقليدية والوسائل السابقة كالخطبة والتأليف والاتصال الفردي، والدروس والمحاضرات، والمدارس والجامعات، ونحو ذلك، وقصر الدعوة كذلك في أبواب العلم والتوحيد والعبادة، والأخلاق وبعض المعاملات الخاصة. وقول آخر يرى وجوب استخدام الوسائل الحديثة كالحزب، والوظيفة القيادية، والأجهزة الحكومية والجمعيات، والنقابات، والاتحادات الطلابية والعمالية، والمهنية، ووسائل النشر الحديثة، كالمذياع، والتلفاز، والمجلة، والصحيفة. ولو أدى استخدام هذه الوسائل إلى الصراع مع أهل الباطل فكرياً وعملياً لأنه من المعلوم أن امتلاك مثل هذه الوسائل واستخدامها سيؤدي بالضرورة إلى الصدام الفكري والحركي والعملي مع الأحزاب والتنظيمات الأخرى والعقائد المضادة التي تحاول أيضاً هي بدورها الوصول والاستيلاء على هذه الوسائل، والتي تستطيع من خلالها التشريع، والتقنين، والتربية، وصبغ الشعب بالصبغة التي يريدون، وتوجيهه إلى المنهج الذي يحبون.

ولا شك أيضاً أنه يوجد بين هذين الرأيين الرئيسيين آراء أخرى منها: وجوب العزلة عن هذا المجتمع كلياً، وبناء مجتمع آخر بعيد عن هذه المجتمعات، ومنها: القول بأن الوسائل السلمية في الدعوة لا تجدي نفعاً وأنه لا بد من تحطيم المجتمع القائم بالقوة تمهيداً لقيام مجتمع آخر على أنقاضه.. إلى أقوال كثيرة ليس المجال مجال بسطها وشرحها. والرد عليها، وخاصة بعد أن أثبتت التجارب المريرة خيبتها الذريعة وجهلها المطبق.

ولذلك فلن نناقش هنا القول بالعزلة والخروج من المجتمع ولا القول بأن الوسائل السلمية لا تجدي نفعاً، وقد ناقشنا هذه الأقوال في مواطن أخرى.

وإنما سنهتم فقط بمناقشة القولين الرئيسين الأوليين وهما:

(أ) القول بأن الدعوة يجب أن تكون بالوسائل التقليدية السابقة وأنه لا يجوز أو لا يستحسن استخدام الوسائل الحديثة (الأحزاب، والجمعيات، والنقابات، والاتحادات.. الخ) وأن الدعوة يجب أيضاً أن تقتصر على تطهير المعتقد، وتصحيح العبادة، وتربية الأخلاق، والبعد بالنفس عن المعاملات المحرمة.

(ب) والقول الثاني الذي يرى وجوب استخدام كل وسيلة ما دام أنه لم يأت نص بتحريمها وسلوك كل طريق يؤدي إلى هدف من أهداف الدعوة كهداية الناس أو إقامة الحجة. أو نصر دين الله في الأرض، ونقل السلطان من أيدي الكفرة والظلمة والفسقة إلى أيدي المؤمنين.

وأنت إذا نظرت إلى كل قول من هذين القولين رأيت فيه جوانب من الصواب لا يجوز إغفالها وجوانب من الخطأ يجب التنبه إليها.

فالقول الأول: فيه من الصواب أنه يأمر بالتأني في تربية الجيل المسلم، وتنشئته نشأة صالحة طيبة، وتطهير عقيدته، وأخلاقه ومعاملاته، وتأخير الزج به في المعترك السياسي، الذي يكون من مستلزماته الظهور، والفتنة والغرور، وقسوة القلوب، والاستعانة بالحطمة من الناس، وطلاب الدنيا، ممن يحبون ركوب الموجة، وأن تحملهم الدعوة إلى المناصب والوجاهات، والمراكز ثم تكون الدعوة بعد ذلك في آخر أولوياتهم بل قد يتنكرون للدعوة عندما يصلون إلى مبتغاهم وأهدافهم، وهكذا تكون الدعوة سلماً لهم ومطية إلى أهدافهم. وكذلك قد يدخل ميدان الصراع والجهاد مع الباطل أناس من عامة الناس لم يتربوا على عقائد الدين وأخلاقه، فيمارسون صراعهم السياسي بأخلاق الجاهلية من كذب وغش وخيانة أمانة، ونقض عهد، وإخلاف وعد.. فيكونون بممارساتهم السيئة وأخلاقهم الردية دعاية سيئة للدين، وسبة على الإسلام والمسلمين، وتنفيراً عن رسالة رب العالمين. وقد يموت هؤلاء في جهاد وفتنة وهم بعد لم يصححوا عقيدتهم، ولم يؤمنوا الإيمان الواجب بربهم وإلههم، ولم يصححوا -أيضاً- عباداتهم، ومعاملاتهم فيموتون على شرك أو بدعة، أو ضلالة أو إثم.. وهم أمام الناس والعالم دعاة مجاهدون!!.

ثم إن من صواب "الرأي الأول" أيضاً أن المتعجلين للدخول في المعترك السياسي قد يدخلون بقوى صغيرة، وبمجموعات ناشئة غضة، لا تقوى على مواجهة قوى جاهلية متمرسة، حاقدة، فتكون النتيجة بالطبع إحباط هذه القوى الإسلامية الناشئة، وتشتيتها وتضييعها.. الخ.

ولا شك إن هذه انتقادات صحيحة، ومخاطر واقعة بالفعل، وليست متوهمة أو مظنونة ولكنها مع ذلك ليست دليلاً شرعياً على عدم جواز استخدام هذه الوسائل العصرية أو ما يسمى بالوسائل السياسية في الدعوة إلى الله. بل هذه محاذير يمكن تجاوزها، والاحتياط لها، والاستفادة من الثغرات والتجارب التي مر بها الآخرون في هذا السبيل، ولا يجوز بتاتاً أن تكون هذه المخاوف سبيلاً إلى ترك الساحة السياسية نهباً لأعداء الإسلام وحدهم، ومسرحاً ومراحاً لكل عقائد الكفر، وأن يبقى الإسلام بعيداً عن الاتصال بالناس والتأثير فيهم، وتوجيه مسارهم.

ولا شك -أيضاً- أن من أخطاء المنهج الأول أنه يفرض أقوالاً في الدين لا دليل عليها كتحريم الجماعة والحزب، والجمعية، والنقابة.. الخ، ومثل هذه الأمور الأصل فيها الإباحة ولكنها تكون واجبة أحياناً كجماعة المسلمين، وجماعة الدعوة القادرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة فعالة من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وقد تكون مستحبة كالجمعية والهيئة التي تتعاون على فتح جامعة أو مدرسة، أو نشر كتاب، ونحو ذلك. وقد تكون مباحة فقط إذا كان تجمعاً همه نفع دنيوي لأصحابه، ولا شك أيضاً أن هذه التجمعات قد تكون إثماً أو حراماً إذا كان تجمعها على باطل وشر وزور من باب قوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة:2).

ثم إن من أخطاء "المسلك الأول" تحجير الدين، وتأخير الإسلام والمسلمين، والاكتفاء بوسائل بدائية لحرب أعداء الدين، ففي الوقت الذي يحارب الكفار المسلمين بالمؤسسات والأحزاب والنقابات والجمعيات والهيئات والدول والأنظمة، ووسائل الإعلام الفتاكة المؤثرة نريد أن نحاربهم بالأعمال الفردية المتناثرة، وبتأليف رسالة، وخطبة جمعة.. الخ فيصبح الشأن كمن يريد أن يواجه الطائرة بالرمح، والدبابة بالحصان، والصاروخ بالقوس والنشاب.. الخ.

ولا شك أن هذه معركة خاسرة، وضلال في الفهم والعمل، وأنه مهما استخدمت هذه الوسائل التقليدية في الدعوة والجهاد فإنها يستحيل أن تؤدي إلى نصر الدين، وإعزاز المسلمين، وتحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العظمى التي نص الله عليها بقوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً} (الفتح:28). فكيف يظهر الإسلام على الأديان كلها وهو لا يستخدم وسائل مكافئة وأساليب مناسبة للقضاء على الأديان الباطلة؟!.

ولكننا من خلال مناقشة الرأيين السالفين، وبيان جوانب الصواب والخطأ في كل منهما على وجه الإجمال لا التفصيل نحب هنا أن نضع (الضوابط الشرعية) التي يجب سلوكها والالتزام بها في أي عمل سياسي من أعمال الدعوة إلي الله.


الباب الثاني

الضوابط الشرعية في العمل السياسي الإسلامي

أولاً: لا تفريط في شيء من الحق:

الأصل الأول للسياسة الشرعية الإسلامية في مجال العمل السياسي أنه لا يجوز للمسلم أن يتنازل عن شيء من الحق، أو أن يخلط الدين الذي أنزله الله بباطل المشركين. وذلك أن الدين من الله -سبحانه وتعالى- وهو الحكيم فيما يشرع. وهذا يعني أنه كله حق وأنه لا يجوز اعتقاد نقصه أو خطئه. قال تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} (المائدة:50) وقال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (الأنعام:121). وهذا بشأن تحليل "الميتة". وقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون} (الكافرون:1-2) الآيات، وهذا عندما عرض الكفار على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة ثم ينظروا أي السنوات أعظم بركة وخيراً..!!

فعقيدة الدين لا يجوز خلطها بغيرها، وشريعة الإسلام لا يجوز كذلك خلطها بغيرها، والانتقاء منها حسب الهوى والمصلحة المزعومة. بل لا إسلام إلا لمن أسلم قلبه وعمله ووجهه لله -سبحانه وتعالى-.

ومعنى ذلك أنه لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف التنازل الاعتقادي عن شيء من الدين والرضا القلبي بأن نأخذ من الإسلام ومن غيره. وأما الرضوخ والجبر لشيء مخالف من الدين، في ظرف من الظروف فهذا أمر آخر. كما جاء في "صلح الحديبية" مثلاً حيث قبل الرسول صلى الله عليه وسلم برد المسلمين إلى الكفار، مع ما فيه من قبول بالذل وإسلام المسلم لأعدائه. وقد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، لما كان في هذه الاتفاقية من بنود تتحقق معها عزة الإسلام مستقبلاً، كالسلم وفتح مكة أمام الدعوة الإسلامية، واعتراف قريش بأن للمسلمين دولتهم وكيانهم، ودينهم، وفتح المجال لدخول القبائل حلفاء للرسول وغير ذلك من أمور كانت في صالح المسلمين، وأما ذلك الشرط فإن الرسول أجاب عنه: بأن الله سيجعل للمسلمين المضطهدين بمكة فرجاً ومخرجاً. وقد كان.

وليس المجال بيان المصالح العظيمة، والفتح الكبير في شروط "الحديبية"، ولكن المقصود هو التنبيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا العمل السياسي قد رجح جانب المصالح العظيمة في هذا المصلح، ولا شك أن ذلك كان بوحي من الله -سبحانه وتعالى- والمهم أن هذا ولا شك للتشريع (أي الدائم)، ليستفيد المسلمون من ذلك في ظروف مشابهة.. وعلى كل حال ليس هذا من التنازل عن شيء من الحق لأن هذا ليس تغييراً للتشريع، ولا للأحكام لأن أصل النصرة ظل موجوداً في الدين، بل هو من أصول الإسلام كما قال صلى الله عليه وسلم: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه] (متفق عليه). ومعنى يسلمه: يخلي بينه وبين أعدائه، وكما قال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذي يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً} (النساء:75). فالآية آمرة بوجوب نصر المؤمنين إخوانهم ممن يعذبهم من الكفار ويستذلونهم. ولكن الله -سبحانه وتعالى- استثنى من هؤلاء من يكونون تحت كفار معاهدين للمسلمين. كما قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} (الأنفال:72).

ومن الأمثلة أيضاً عقد الرسول صلى الله عليه وسلم مع تميم أن يرجعوا برجالهم في (الخندق) ولهم ثلث ثمار المدينة. ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب العهد بينه وبينهم ولم يوقعه إلا أن الأنصار رفضوا العهد وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أهذا شيء أمرك الله به فنطيع أم شيء تحبه أم شيء تصنعه لنا؟! فقال: [بل رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأحببت أن أنفس عنكم إلى حين] فقالوا: والله يا رسول الله لا نعطيهم إلا السيف!! (ذكره ابن إسحاق بالتحديث عن عاصم بن عمر عن الزهري إلى عينية ابن حصن، والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان، انظر البداية ص104 ج4).

والمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هم وشرع في إرضاء هؤلاء الكفار بضريبة عظيمة وذلك حتى ينفس عن المسلمين بعد أن رأى كل قوى الشر في الجزيرة: اليهود، وقريش، وغطفان، وتميم، قد اجتمعت عليهم دفعة واحدة.وأن همهم كان استئصال المسلمين، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع مفسدة أعظم بمفسدة أقل، فسار في هذا الصلح. وهذا يدل في التشريع على "جواز ارتكاب أخف الضررين"، و"دفع المفسدة العظمى بمفسدة أخرى أقل منها ضرراً".

ولكن الله برحمته وإحسانه برسوله تولى بنفسه الدفاع عن المسلمين حيث يقول: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها..} (الأحزاب:8) الآيات. وقال تعالى: {وكفى الله المؤمنين شر القتال} (الأحزاب:25) وظل المسلمون يرددون في هتافهم بعد ذلك: "الله أكبر، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده".

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً. والمهم البيان أن مثل هذه المواقف ليست تنازلاً عن عقيدة أو شريعة من الدين، ولكنها قبول بموقف تفرضه الظروف وتحتمه الملابسات، ومثل هذا ليس تبديلاً للدين، ولا تغييراً للتشريع، ولا رداً لأحكام الله، وإنما هو موقف يقابل فيه المسلم ظرفاً وضرورة.

ثانياً: لا تحريم لوسيلة إلا بنص أو استدلال شرعي صحيح:

يجب التفريق في الدين بين الحقيقة الثابتة، والوسائل المتغيرة، فعقائد الدين، وشرائعه، وعباداته، وأخلاقه، حقائق ثابتة لا يجوز فيها التغيير ولا التبديل، ولا الإضافة (البدعة) ولا الحذف.. الخ.

ولكن الوسائل تتغير فالقرآن مثلاً كلام الله حق ثابت محفوظ بحفظ الله وعنايته والمسلمون مأمورون بحفظه وصيانته من كل تحريف أو تغيير أو تبديل. ولكن وسائل نقل القرآن وتعهده، وحفظه ودراسته، وتدريسه متغير، فبعد أن كان صحائف متفرقة، وسوراً محفوظة في الصدور، جمع في عهد الراشدين في مصحف واحد، وبعد أن كان خطاً غير منقوط ولا مشكول، أعجم وقسم ووضعت له ضوابط كثيرة لتسهيل النطق به وتعلمه وحفظه. واستفاد المسلمون بعد ذلك من معطيات العصر، فطبع ثم سجل على أشرطة صوتية، ومرئية،.. الخ.

وهذا الباب يسمى بـ "المصالح المرسلة" وهو باب عظيم في "أصول الفقه" مفاده: أن كل أمر لم تأت الشريعة بإلغائه، أو بإيجابه، ورأينا فيه مصلحة ما جاز لنا فعله بشرطين:

(1) ألا يفوت ما هو أعظم منه مصلحة ونفعاً.

(2) ألا يؤدي إلى ضرر مماثل له أو أكبر منه.

وهذا الباب إذا استعملناه في مجال الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- والجهاد في سبيله وفق أصوله وشروطه فتح لنا أبواباً عظيمة في الدعوة، واستطعنا الاستفادة من معطيات العصر العظيمة، ووسائله المتقدمة كالصحف والإذاعة، والتلفاز، والجامعات، والمؤسسات، والجمعيات، والتجمعات، والأندية، والنقابات، والأحزاب.. الخ.

فهذه المؤسسات الجديدة والوسائل المستحدثة ليست شراً في ذاتها، ولم يأت نص شرعي بإلغائها، ولا جاءت نصوص كذلك بوجوب الأخذ بها، فهي إذن من باب "المصلحة المرسلة". ولا شك أن بعضها يندرج تحت نصوص عامة كقوله تعالى مثلاً: {وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة:2).

وقد ذهب بعض الناس إلى عدم جواز استخدام الحزب السياسي، والجمعية الخيرية، والتجمع أو التكتل السياسي، والجمعيات الطلابية أو المهنية بحجج كثيرة منها:

(أ) أن في استخدام هذه الوسائل إقرار بالأنظمة القائمة وهي مخالفة للإسلام، وتقرير للتشريع الجاهلي، وطلب إذن للدعوة، ولا يجوز طلب الإذن لأن الله قد أمر المسلمين بذلك، وأوجب عليهم أن يدعو إلى سبيله، فلا معنى لطلب إذن من بشر كائناً من كان.

(ب) أن في هذه الوسائل مخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ما دعا بهذه الطرق، ولا اتخذ هذه الوسائل.

(ج) ومنها: أن الدخول في هذه الوسائل واستخدام هذه المؤسسات يلزم منه ارتكاب مخالفات شرعية كثيرة.

(د) ومنها: أنه لم تتحقق مصالح شرعية من وراء استخدام هذه الوسائل بل تخلى كثير ممن استخدموها عن مبادئ الدين الأساسية، وعن كثير من أحكامه الشرعية.. الخ.

والجواب على هذه الحجج بما يلي:

(1) أولاً يجب الإقرار بأن هذه المؤسسات والوسائل ليست حراماً وإثماً بذاتها، بل هي مصالح مرسلة لم يأت نص شرعي بإلغائها. وهذه واحدة.

(2) ومنها: أن إقامة أحزاب أو جمعيات أو تجمعات في أي نظام "ديمقراطي" يسمح بتعدد الآراء والاتجاهات لا يعني بالضرورة إقرار المخالفين، ولا الرضا بما هم عليه من الباطل. وإنما يعني فقط الرضا بالطريق السلمي، والدعوة العلنية سبيلاً ومنهجاً للتغيير، والتخلي عن سياسة العنف والسرية. وهذا في حد ذاته محمود في الدين، بل الأصل في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- هو السلم والإعلان، وأما السرية في الدعوة فإنما هي للحالات الاستثنائية، والظروف الشاذة التي يضطهد فيها المسلمون فلا يجدون مفراً عند ذلك من أن يبلغوا دعوة الله سراً. وأما القتال في الإسلام فله أصوله ومناهجه، وهو لا يجوز إلا بأمير معلن، وإنذار ودولة، وعلم وجهاد، وسياسة وصراط واضح جلي، أو في دفاع عن النفس وفق ضوابط وشروط خاصة كذلك وليس هذا مجال تفصيلها. وإنما المهم هنا بيان أن الطريق السلمي للدعوة هو الأساس، ولو أن الكفار لم يحاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاربهم، ولو سمحوا لدعوته أن تصل وتبلغ ما قام في وجوههم.. وهذا مع الكفار، فكيف مع المسلمين؟!.

وبالتالي فالنظام الذي يسمح للرأي المخالف أن يعلن، ويسمح للمسلمين بأن يؤلفوا حزباً لدعوتهم، أو جمعية لتحقيق بعض أهداف دينهم كنشر العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنشاء الجامعات والمدارس والمعاهد، والعناية باليتامى والمساكين.. الخ. أقول: النظام الذي يسمح بذلك يجب التمسك به والحرص عليه، لأن بديل هذا النظام هو الحكم الاستبدادي عسكرياً كان أو غيره وهذا يضطر المسلمين إلى الدعوة سراً، وفي هذا من العسر والمشقة ما فيه.

وإذا كان النظام "الديمقراطي" الحر يسمح كذلك لأعداء الدين، ومخالفي الإسلام بإظهار مخالفاتهم ومعتقداتهم، وآرائهم، وتغيير المجتمع بوسائلهم فإن الحق دائماً أقوى، والمسلمون في بلاد الإسلام بوجه عام يستندون إلى قاعدة عريضة من البشر وعقيدة قائمة في النفوس، وواقع طيب في كثير من جوانبه، ولا شك أنهم إذا استطاعوا أن يستخدموا إمكانياتهم بشكل طيب فإنهم سيصلون إلى أهدافهم في صبغ الحياة بصبغة الإسلام في وقت قليل جداً، ولكن المشكلة لا تكمن في النظام "الحر" هذا، وإنما تكمن في أن أعداء الإسلام دائماً وأبداً يقطعون الطريق على المسلمين عندما يقتربون من أهدافهم، ويقاربون الوصول إلى تطبيق الإسلام فتثور ثائرة أعداء الدين في داخل الوطن الإسلامي وخارجه، ويعمدون إلى تغيير النظام "الديمقراطي" الحر برمته وكليته ويلجئون إلى الحكم الاستبدادي العسكري كما حدث في مصر، وتركيا، والسودان وأماكن كثيرة أخرى من العالم الإسلامي.

وللأسف فالنظام "الديمقراطي" يظل نظاماً مرضياً عنه ومرعياً من قبل أعداء الدين طالما أن الموجة لهم، والدولة معهم، والناس في ركابهم، ولكن يوم تتحول الموجة للدين، وينشط الدعاة إلى الله، وينصرف الناس عن الباطل إلى الحق، هنا يكشر أعداء الدين عن أنيابهم ويكفرون بالديمقراطية التي يتشدقون بالإيمان بها، وينقلبون فوراً إلى الاستبداد والتجبر.

وهذا ديدنهم منذ الرسالات الأولى، ألا ترى أن "فرعون" سمح لـ "موسى" بمقابلته ومناظرته، وكان فيما قال له: {ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين* وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين..} وأن موسى رد برد أفحم فرعون وأسكته ثم سأل فرعون موسى عن ربه فأخبره وأقام عليه الحجة وأسكته، فلجأ فرعون رأساً إلى التسلط والتجبر، بعد هامش الحرية الذي سمح له لموسى. حيث قال له: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} (الشعراء:29). ثم لما أقام موسى له برهاناً آخر أعجزه وحيره وأقام حاشيته عليه. اضطر فرعون ثانية إلى التنازل عن السجن، وحشد ما حشد من سحرته وكهنته، ثم لما كانت الهزيمة الماحقة لفرعون وسقوط كل حججه وبراهينه عمد إلى القمع والتعذيب والنكال. فاتهم السحرة زوراً أنهم متآمرون وأنهم دبروا هذه المكيدة مع موسى، واستثار حب المواطنة عند قومه، فزعم أن هذه المؤامرة يراد بها إخراج المصريين من وطنهم، وإحلال بني إسرائيل والسحرة مكانهم.. وفي غمرة هذه الأكاذيب فعل ما فعل بالمؤمنين، ثم لما خرج موسى بقومه من مصر مكذباً بذلك دعايات فرعون، ما كان من فرعون إلا أن تعقبهم، وأراد اللحاق بهم إمعاناً في الانتصار لنفسه الذليلة وكرامته المجروحة، وألوهيته التي كذبتها الأحداث فأهلكه الله.

والشاهد من هذا الاستطراد هو بيان النظام الحر "الديمقراطي" الذي يعطي المسلمين نوعاً من الحرية لدعوتهم، لا شك أنه يستبدل فوراً ويلجأ أعداء الإسلام إلى العنف والتنكيل والظلم عندما يشعرون أن امتيازاتهم الظالمة، ومصالحهم الخسيسة، وشهواتهم الدنيئة قد هددت من قبل المسلمين، وأن أهل الإسلام أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من تطبيق الشريعة، وحينئذ يلجئون إلى سلوك سبيل فرعون.

ومهما يكن من أمر فإن المسلمين مأمورون بالدعوة بكل حال، وحرية الدعوة أرفق بهم، وأحسن لهم، وأمكن لدعوتهم، ويجب على المسلمين الاستفادة من هامش الحرية المسموح به في أي دولة من دول العالم نشراً للدين، ودعوة إلى الله، فإذا ركب أعداء الله رؤوسهم ولجئوا إلى أسلوب فرعون وسياساته فإن هذا لحكمة يريدها الله من البلاء والابتلاء، ولا بد في النهاية أن تحل لعنة الله بالمكذبين، وأن تكون العاقبة للمؤمنين الصالحين: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء:105).

ونعود فنقول: إن الحزب السياسي، والجمعية الخيرية، والتجمع والنقابة والاتحاد، هذه المؤسسات التي يسمح بها النظام الحر (الديمقراطي) يجب على المسلمين المبادرة إليها، واتخاذها سبيلاً، وطريقاً لنشر دينهم وتمكين عقيدتهم، وتجميع قواهم، وتدريب وتعليم عناصرهم، بل يجب على المسلمين أن يسعوا إلى مثل هذا التشريع الذي يسمح بذلك لو كان النظام القائم لا يسمح له، لأن هذا حق من حقوقهم، بل واجب من واجباتهم، أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يكونوا جمعيات وجماعات، وأحزاب تدعو إلى الله وتنشر دينه، وتعلي كلمته.

ونستطيع أن نستدل من واقع السيرة النبوية جواز استصدار مثل هذه الجمعية أو الحزب أو حتى مجرد الأمان والعهد، والحماية لفرد أو مجموعة بأن تنشر الدين وتدعو إلى الله. وأن استصدار هذا التشريع جائز في ظل دولة كافرة قلباً وقالباً، فكيف بدولة تعلن الإسلام في بعض جوانب حياتها. ومما يدل على ذلك:-

* أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من بعض الكفار الحماية ليتمكن من تبليغ دين الله بعد أن منعته قريش وآذته. فقد جاء في (الصحيحين) عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: [ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم أن عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت] (رواه الشيخان).

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على كافر ليحميه حتى يبلغ رسالة ربه، فإذا جاز هذا فمن باب أولى -والله تعالى أعلم- أنه يجوز الحصول على إذن بالدعوة إلى الله، وتأسيس مؤسسة هدفها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الدين والخير.

وقد يقول قائل: إن ما حدث للرسول صلى الله عليه وسلم كان شيئاً فرداً عابراً؟ وهذا خطأ أيضاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما فتئ في مكة يطلب من يحميه ليبلغ رسالة الله، فقد عرض نفسه كذلك على "الأخنس بن شريق"، و"سهيل بن عمرو"، فأبيا أن يجبراه ثم لما عرض نفسه على "المطعم بن عدي" أجابه لهذا، ومعلوم أن "المطعم بن عدي" مات مشركاً، ومع ذلك حفظ له الرسول صلى الله عليه وسلم جميله، وقال يوم أسارى بدر:

[لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له] (رواه البخاري وأحمد وأبو داود عن جبير بن مطعم، وهو في صحيح الجامع رقم: (5159)). ويعني الرسول بـ "النتنى": أسارى بدر.

ومن أجل ذلك رثى "حسان بن ثابت" "المطعم" بشعر بليغ كان منه:

فلو كان مجد مخلد اليوم واحدا ... من الناس نحى مجده اليوم مطعما

أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ...عبادك ما لـبى محل وأحـــرما

فإذا جاز مثل ذلك في وقت ضعف من المسلمين فلا شك أنه جائز ما وجد هذا الضعف. ومعلوم ما آلت إليه حال المسلمين اليوم والتي أصبحوا يحتاجون معها إلى من يناصر دعوتهم، وقضيتهم، وإلى أي مظلة يحتمون بها، ويجتمعون تحتها، فإذا اتفق الناس -محقين أو مبطلين- أن كل أحد يجوز له أن يؤسس ما يشاء من تجمعات أو أحزاب أو جمعيات أو هيئات ليدعو إلى ما يريد، فلا شك أن المسلمين هم أولى الناس باقتناص هذه الفرصة، والاستفادة من هذه الفسحة، وسواء كان ذلك في ديار الإسلام أم في ديار الكفر. ولا شك أيضاً أن المؤسسات والهيئات الإسلامية التي أسست في ديار الكفر في أمريكا وأوروبا كانت ملجأ وملاذاً للمسلمين، وطريقاً لنشر الدعوة، ومحصناً للحفاظ على المغتربين. ولا شك أيضاً أن مثل هذا حصل للمسلمين. في عهد النبوة عندما لجأت طائفة منهم إلى بلاد الحبشة فراراً من ظلم قريش، وقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه من النجاشي أن يضيف المسلمين ويقربهم، ويحسن جوارهم، وذلك حال كفر النجاشي، ثم دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم وكتم إسلامه عن قومه.. وقد كان المسلمون هناك مجتمعين على رئاسة جعفر بن أبي طالب بن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا من الأدلة على جواز إنشاء تجمعات في ديار الكفر حال ضعف المسلمين وعدم وجود خلافة إسلامية تجمع شملهم وكذلك علي جواز طلب اللجوء، والحماية من الكافر، فكيف إذا كان المسلم مضطهداً بوطنه وطالب بحقه الشرعي بأن يؤسس جماعة، أو ينشئ حزباً يقر بوجوده الحاكم والمحكوم ويزاول نشاطه في الدعوة إلى الله بحرية ودون مصادرة، ومطالبة وإرهاق.

ولا شك أن هذا حق مشروع لكل مسلم، وأن المطالبة بذلك من أي دولة وحكومة كانت مقرة بالإسلام أو غير مقرة هو عمل شرعي لا يجوز حوله الخلاف.

ومعلوم أن بديل الإذن العلني بتكوين حزب وجماعة للدعوة، وتجمع على البر والخير هو الدعوة السرية، ولا خيار عند المسلم إذا منع من الدعوة علناً أن يدعو إلى الله سراً، وأن يؤسس ما شاء من أحزاب أو جماعات للدعوة إلى الله لأنه مأمور بذلك، وحيث أن أهداف الدين لا تتحقق إلا من خلال جماعة وتعاون وتعاضد، ولذلك فالجماعة واجبة لأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً.

والخلاصة في هذا الصدد: أن أخذ الترخيص لحزب إسلامي أو جماعة أو جمعية للدعوة إلى الله حق مشروع للمسلم، ولا يضير المسلم أن يطلب هذا الحق ممن تولوا مقاليد الأمور في الحكم على أي صفة كانوا مقرين بالإسلام أو غير مقرين به أو كفاراً أصليين، وأن الدعوة إلى الله سراً إنما هي بديل للدعوة العلنية، وأن اللجوء إليها إنما هو في حالات الاستثناء والضرورة.

* وأما تحريم إنشاء الأحزاب السياسية، بدعوى أنه لم يتحصل للمسلمين نفع من ورائها، وأنه يخشى على الداخلين فيها أن يجرفهم تيار الحياة السياسية، وأن يفسدوا هم بدل أن يصلحوا غيرهم، فقول باطل أيضاً، لأن التجارب القليلة التي جرب بها المسلمون هذا الطريق قد أثبتت أن وراء ذلك منافع عظيمة: في إعلان اسم الإسلام، وإنكار المنكر، والأمر بالمعروف والدفع عن المسلمين، والقيام في وجه الباطل. وعدم تخلية الساحة السياسية للعقائد الفاسدة، ولولا تمالؤ الشرق والغرب على حرب الأحزاب الإسلامية، والتوجهات السياسية لرجالات الإسلام ووقوف الحكومات الاستبدادية في وجه هذا التوجه لكانت الدولة اليوم كلها للإسلام، ولكان الذين يتسلمون زمام الأمور في كل بلاد المسلمين هم رجال الدعوة والإسلام، ولكن في كل بلد إسلامي كان هم أعداء الإسلام الأول هو قتل الزعامات الإسلامية القادرة على قيادة الجماهير، وتوجيه الأمة ومحاولة تشويهها بكل سبيل، وقطع الطريق عليها، ومنذ سقوط الخلافة وإلى يومنا هذا تحاول معظم الحكومات جاهدة أن تحول بين المسلمين وبين سلوك هذا السبيل لأنها تعلم تمام العلم، وتوقن تمام اليقين أن قيام حزب إسلامي معناه توجه جماهير الأمة كلها إلى الدخول فيه ومساندته وبذلك تسقط كل الأحزاب، وتنهار كل العقائد والمبادئ الباطلة. ولذلك فإن حكومات السوء تعمل بكل جهدها ألا يقوم حزب علني في بلاد المسلمين يحمل شعار الإسلام ويدعو إلى الله لأن هذا معناه بروز قيادة إسلامية، ووصول الإسلام إلى سدة الحكم في سنوات معدودات.

* وللأسف أن الذين يفتون اليوم بعدم جواز الأحزاب السياسية الإسلامية يقدمون خدمة جليلة لأعداء الدين من حيث لا يدرون، لأنه بذلك يجعلون الدعوة إلى الله محصورة في إطار وسائل ضعيفة، ويظهرونها دائماً بمظهر الخارج على الشرعية والقانون، ويجعلونها تسلك الطرق الجانبية الخفية السرية، ويدعون الطريق الواسع اللاحب لأعداء الدين، ليقودوا الأمة، كما يريدون ويوجهوها إلى حيث يشاءون.

وأما أن بعض من اشتغل بالسياسة من الدعاة فتنته المظاهر، وتنازل عن بعض الحق، وجامل على حساب الدين، وباع شيئاً من دينه لإرضاء الناس. فالعيب في ذلك ليس في السبيل السياسي ولكن العيب في الأشخاص، وإلا فكثير من علماء الدين قد باعوا دينهم من أجل الدنيا، وأفتوا بما يرضي السلاطين، وأهواء الناس، وكتموا الحق إرضاءً للعامة وحفاظاً على مناصبهم، والعيب ولا شك ليس في المنصب الديني، ولا في المشيخة نفسها، وإنما هو في النفوس والقلوب والتربية السيئة.

ولا يخفى أن كثيراً من الدعاة المسلمين، خاض التجربة السياسية، وغشي الحكام ونصحهم في الله، وحاول تأسيس الأحزاب الإسلامية، وكان في كل ذلك مجاهداً صابراً محتسباً ملتزماً. بل المؤمن الحق لا يزيده العمل من أجل الله في أي ميدان من الميادين إلا قوة وعزيمة وإخلاصاً، ووفاءً لدينه، وحفاظاً على حدود الله -سبحانه وتعالى-.

وأما الجمعيات الدينية فلا ينكر فضلها إلا جاحد، فالجمعيات الدينية التي قامت بعد سقوط الخلافة قد جددت شباب الدين، وقامت بتربية الشباب المسلم والدعوة إلى الله، وبناء المساجد، والخدمة العامة في كل صورها تقريباً، وسدت الخلل الهائل بترك الحكومات للواجبات الدينية فقامت هي بهذه الواجبات ولولا أن الله قيض للدين هذه الجمعيات والمؤسسات الدينية الكثيرة لانتهى الإسلام من الأرض إلا قليلاً.

ولا شك أن الحزب "السياسي" هو مرحلة متقدمة -في العمل السياسي- من الجمعية الدينية، فالحزب السياسي يستطيع أن يقوم بما تقوم به الجمعيات الدينية مضافاً إلى ذلك المشاركة في صنع القرار السياسي أو الوصول إلى صنع القرار السياسي نفسه، وكذلك التشريع، ولا شك أن الحزب السياسي الإسلامي بما له من إمكانيات: إصدار الصحف وتأسيس الشعب، وإقامة المؤتمرات العامة، والدعوة إلى العضوية، وشرح برامجه الإصلاحية، وأهدافه، وعقيدته، يستطيع أن يحطم كل دعوة مخالفة، وأن يستحوذ على سواد الناس، وبالتالي أن يهيمن على القرار السياسي.

والخلاصة: أن هذا الأسلوب من أساليب الدعوة أسلوب تفرضه وقائع الحال، وضرورات العصر، وهو سبيل وإن لم يكن منطبقاً تماماً على الأسلوب النبوي، إلا أن له من الشواهد والأدلة في عصر النبوة ما يؤيده، ويثبت مشروعيته، والعبرة إنما هي في تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية، والوصول إلى تطبيق شرع الله في الأرض وليست العبرة بالوسائل والكيفيات التي تخضع للظروف المتغيرة، والذين يفرضون نفس الوسائل النبوية في تحقيق الأهداف عليهم أن يقولوا بوجوب الدعوة السرية ثم العلنية، ثم الهجرة، ثم الدولة ثم الجهاد.. وهذا ما لا أعلم أحداً من أهل العلم يفتي به.. فلا شك أن هذه أساليب مشروعة لممارسة الرسول لها، ولكن قد يبدأ داع دعوته بالعلنية لا بالسرية ولا يكون بذلك مخالفاً نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد لا يضطر إلى الهجرة من بلده إلى بلد آخر، وقد يضطر، وقد يستطيع إقامة الدولة الإسلامية وقد يموت دون تحقيق هذا الهدف، وقد يجد أنصاراً وقد لا يجد، وقد يتحول الحكام بأنفسهم إلى الدين بمجرد الدعوة، وقد يتحولون بتحول الشعوب وسواد الناس ويحكمون بالإسلام حفاظاً على مراكزهم وسلطاتهم، وقد يختارون العداوة للدين وأهله ويطول الامتحان بأهل الدين والدعوة.. فالظروف متغيرة، وبالتالي يجب أن تكون الوسائل متطورة متغيرة والمسلم الداعي عليه أن يسير في حدود المستطاع {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} (البقرة:286) ولا يجوز رفض وسيلة مستطاعة بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعملها.

ثالثاً: المصالح والمفاسد هي الأساس والطريق للحكم على الوسائل:

ولا شك أن طريق الحكم على وسيلة ما بأنها صالحة أو لا هو بمقدار ما تحققه من المصالح الشرعية، أو تخلقه من الأضرار والمفاسد. فالنظر في العواقب، وتدبر الأمور، وحساب الأرباح والخسائر الدينية، هو ما يجب النظر إليه، والتعويل عليه. بل إن الوسائل المشروعة نفسها في نشر الدعوة، وحرب الباطل لا يجوز الإقدام والإحجام عن شيء منها إلا بالنظر في العواقب، وحساب الأرباح والخسائر الدينية والشرعية، فالهجرة ليست مطلوبة لذاتها وكذلك الحرب ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما بما تحققانه من مصالح ومنافع للمسلمين كرد عدوان، وكسر عدوان، وفرار بالدين، وتفويت فرصة على الكافرين بخنق الدعوة، وإسكات صوتها، وهكذا تطلب الهجرة لمنافعها الشرعية، وتركب الحرب لآثارها الشرعية ومنافعها العظيمة وخيرها العميم، وما الشر الجزئي الذي يوجد في الحرب والهجرة، إلا تضحيات واجبة في سبيل منافع عظيمة، فهو من باب بذل القليل لحصول النفع الكثير. كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة:216)، وقد أثبت سبحانه أن في القتال حياة للأمة الإسلامية ونشراً لعقيدتها وتمكيناً لها، وما الشهادة في سبيل الله إلا إتلاف للجزء من أجل حياة الكل وبذل القليل من أجل الحصول على الكثير ولذلك قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} (الأنفال:24)، وهذا في الدعوة إلى الجهاد، والقتال، فالقتال حياة وإن كان فيه موت وشهادة للبعض إلا أن فيه حياة للكل الباقي.

وهكذا يجب أن يكون النظر في كل خطوة من خطوات الدعوة، ووسيلة من وسائلها، وأسلوب من أساليبها.. كم يحقق من المنافع للأمة والدين والإسلام والمسلمين، وكم يحقق من المفاسد الشرعية، فإن كان النفع أعظم، والتضحيات والمفاسد أقل، كان العمل مشروعاً بل واجباً أحياناً، وأما إن كانت المفسدة أكبر والأضرار أعظم من المنافع فإن الواجب الإحجام. ومما يدلك على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه في قتال قريش في بدر أو الرجوع دون قتال عندما علم أن الهدف الذي خرج من أجله وهو اللحوق بعير أبي سفيان قد فاته بهرب العير من طريق آخر، ومجيء قريش لاستنقاذ تجارتها، فاضطر الرسول صلى الله عليه وسلم لاستشارة أصحابه ولو كان الأمر مجرد قتال أيا كانت النتائج، وكأنه أمر تعبدي صرف لا دخل للنتائج فيه لما استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ولقال لهم: قاتلوا أيا كانت النتائج، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم استشارهم وكل منهم بدأ يزن الأمور، ويقابلها: هل يقاتلون أم لا حتى تحقق لهم برأي أغلبيتهم أن القتال أولى من الفرار، فسر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك. ومع ذلك أخذ الحيطة والحذر واستحسن رأي سعد بن معاذ الذي رأى ألا يباشر الرسول صلى الله عليه وسلم القتال بنفسه وأن يكون له عريش في مؤخرة الجيش وعنده ركائب جيدة يستطيع بها الرجوع إلى المدينة إن حصلت هزيمة للمسلمين، وذلك حفاظاً على شخص النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة أن هناك في المدينة مسلمون كثيرون لم يخرجوا في الغزوة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان متعجلاً للخروج ولم يخرج معه إلا من كان ظهره حاضراً.

والشاهد من هذه الواقعة أنه يجب النظر في الأمور وتقدير العواقب، وحساب الأرباح والخسائر الشرعية قبل ركوب أي أمر من الأمور، والإقدام على أية وسيلة من الوسائل.

وعندما نقول الأرباح والخسائر، والمصالح والمفاسد، فنحن نعني بالمصالح والمفاسد الشرعية، والأرباح والخسائر التي تمس الدين والعقيدة والمسلمين، ولا يجوز هنا النظر إلى أهواء النفوس ورغبات الدنيا، وإلا فالتكاليف الشرعية، وتكاليف الدعوة والجهاد خاصة تكرهها النفس كما قال تعالى في القتال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} (البقرة:216)، فالقتال مكروه والسيف فتنة، والحرب للمسلمين سجال يدالون ويدال عليهم، {وتلك الأيام نداولها بين الناس} (آل عمران:140)، وفي الحرب من الخسائر ما فيها، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما فيه من تحمل الأذى، وحصول الضرر، وخاصة في هذه الأيام التي أصبحت كلمة الحق فيها شاقة متعبة، وقد يكون قول كلمة حق واحدة يكلف الداعي روحه، أو الخروج من وطنه وأهله وماله، أو مصادرة حريته، وإيداعه السجن السنوات الطوال.. لا شك أن الجهاد والدعوة في سبيل الدين أمر مر يحتاج إلى صبر وجلد وليس مما تهواه النفوس، ولا شك أيضاً أنه لا يجوز ترك ذلك إيثاراً للدعة والراحة، وركوناً إلى السلامة والعافية، ففي هذا ولا شك أعظم الضرر والفساد، وليس هذا من المصالح الشرعية بحال، بل هذا مجلبة لسخط الله، وزيادة الشر والفساد، واندحار أهل الدين، وظهور أمر الكافرين والمنافقين، ودوران الدائرة على أهل الصلاح، واستئصال الخير، وضياع الدنيا والآخرة. وأرجو بهذا التوضيح أن يكون قد ظهر ماذا نعني بالمفاسد والمصالح الشرعية: أنه ليس الحفاظ على الفئة المؤمنة ساكتة هادئة وادعة حيث لا جهاد ولا عمل، ولا محاربة للباطل وحيث يصول الباطل ويجول...، لا بد من التضحيات ولكن ليكون بهذه التضحيات مزيد خير وبركة للأمة الإسلامية، فبالتضحيات تشتد العزائم، ويظهر صدق الدعاة، ويتعاطف الناس مع أهل الدين، ويعلو كعبهم في المجتمع ويزداد شرفهم، وترتفع درجاتهم في الجنة، ولذلك فلا دعوة إلى الله بغير تضحيات، ولا دون شهداء، وآلام، ولا نصر دائماً، بل لا بد لأهل الدين من نصر يشجعهم، وهزيمة تصقلهم، ويشتد بها عودهم، ويتعلمون معها الصبر والعزيمة، وينتفي عنهم الغرور والخفة والطيش.

وتلك سنة الله في الدعوات والرسالات. فالمهم في هذا الصدد أنه لا بد من التدبر في كل أمر والنظر في عواقبه، وبذل الجهد للشورى فيه، وألا يصدر المسلمون في أي خطوة من خطواتهم إلا عن خطة مدروسة ورأي قد استشير فيه واستنار تماماً لسالكه ولا بد أن يكون الدعاة في كل ذلك، شجعاناً بلا تهور، ومقدامين بلا انزلاق، وحكماء فقهاء يلبسون لكل حالة لبوسها، ويقابلون كل مقام بما يناسبه، ويزنون أمورهم بكل عقل وروية.

وهكذا كان رسولهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم الذي كان يأخذ لكل أمر عدته وأهبته، ويستشير أصحابه، ويحارب حيث يرجى نفع الحرب، ويسالم حيث يكون السلم أفضل وأرفق، ويعاهد حيث يفيد العهد، ويوادع حيث تنفع الموادعة، ويقدم حيث يحسن الإقدام، ويحجم حيث يكون الإحجام هو الحكمة والعقل، ويبرم أموره سراً حيث يكون للسرية معنى، ويصدع بأموره حيث الصدع هو الأولى والأحرى والأفضل، وهو في كل ذلك النبي الحكيم المتوكل على الله في كل شؤونه المتبرئ من حوله وقوته، المسلم أموره لله، الذي ينتظر فرجه ورضوانه.

وهذا الصراط الذي يجب أن يسلكه الدعاة إلى الله.

رابعاً: النتائج بيد الله:

يجب أن نعتقد أن نتائج الدعوة هي بيد الله -سبحانه وتعالى- فهو الذي يشرح صدر من يشاء من عباده لدعوته، وهو الذي يعز جنده إذا شاء، ويمن على أوليائه بالنصر وقتما يريد، أو يؤخر ذلك لحكمة يشاؤها ويريدها كما قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص:56)، وقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} (الأنعام:125)، وقوله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} (آل عمران:160)، وقوله: {وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} (الأنفال:10)، وقوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} (الأنعام:35).

خامساً: الزمن جزء من العلاج:

يجب أن نعتقد أن الزمن أعظم معين للدعاة إن هم فهموه وعرفوا كيف يستغلونه، وكيف يجعلونه في صالحهم، وأنه كذلك قد ينقلب إلى سلاح ضدهم إن هم أساءوا فهمه واستغلاله. فبذرة الدعوة إذا تعوهدت بالسقي والحماية نمت وترعرعت وكانت الأيام لها عوناً وقوة حتى يأتي الوقت الذي تكون شجرة باسقة، ودوحة فينانة، وإن أهملت كانت الأيام وبالاً عليها حيث تذبل شيئاً فشيئاً ويقوى عدوها عليها يوماً بعد يوم حتى تموت، وقد شاء الله أن ينصر رسله حسب السنن الكونية في النماء والترعرع، قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين* ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون* وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه..} (القصص:2-4).

والشاهد أن الله قص علينا كيف طغى فرعون وتكبر وملأ الأرض فساداً ثم بين أنه لإزالة هذا الفساد بدأ وضع بذرة الخير في مولود يولد ثم يتعرض لأصناف من البلاء والفتون ثم يعود ليكون المخلص في سلسلة متأنية من الأحداث تربي الفئة المؤمنة وتمحصها وتخلصها في النهاية حسب إرادة الله. وقد كان الزمن والأيام في كل ذلك هو طريق الخلاص {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} (الأعراف:128).. وقال له قومه {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} (الأعراف:129-130)، ولقد قال رسولنا ما يشبه ذلك عندما قال لخباب: [ليوشك أن تخرج الظعينة من صنعاء اليمن إلى بصرى الشام لا تخاف إلا الله] (رواه البخاري ومسلم).

وأبلغ شاهد على ذلك قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه} وذكر صفتهم ثم قال عز وجل: {مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} الآية (الفتح:29).

فإذا ألقينا بذرة الدعوة وتعهدناها، وصبرنا عليها وجعلنا الأيام في صالحنا، حيث نضيف كل يوم عضواً جديداً إلى معسكر الإسلام، ويفقد معسكر الكفر كل يوم عضواً، عند ذلك تكون العاقبة للمتقين، فلنكن زراعاً مهرة، ولتكن الأيام والزمن أعظم حليف لنا، وحذار أن تكون في صالح عدونا حيث نهمل دعوتنا، ونترك غرستنا فتكون النهاية علينا.

سادساً: نحن نضرب بسيف الله:

المؤمن إذا أخلص النية وأصلح القصد، وتحرى الصواب، وأفرغ الوسع، فإنه يضرب بسيف الله، ويتكلم بنور الله وكلمته، قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} (الأنبياء:18)، وهذا الحق هو ما ينطق به الرسل وأتباعهم. وقال تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت ولكن الله رمى..} (الأنفال:17)، والحال أن الذين قتلوا في بدر من المشركين قتلوا بسيوف في أيدي المؤمنين من الأنصار المهاجرين ولكن هؤلاء كانوا يضربون بسيف الله ويقتلون بأمر الله ومشيئته. بل كانوا هم سيف الله وقدره ومشيئته، وأمره الشرعي والكوني القدري.

وهكذا أهل الإيمان في كل عصر ومصر إذا أفرغوا الجهد وأخلصوا النية، وقاموا لله كانوا هم مشيئة الله وقدره. كما قال تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون* وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..} الآية (الأنفال:59-60). فأخبر أن الكفار لا يعجزوه وبين أنه يقتلهم بأيدي المؤمنين، ولذلك أمر أهل الإيمان بالاستعداد لهم.

سابعاً: لا راية مع راية التوحيد:

لا يجوز مطلقاً لأهل التوحيد والإيمان أن يرفعوا راية أخرى مع راية التوحيد، وهذا يعني أنه لا يجوز بتاتاً الانصهار أو الاندماج أو تكوين صف واحد مع أحزاب أو هيئات ترفع راية وعلماً ولهم أهداف في الحياة تخالف هدف الإسلام كالشيوعية والبعثية ونحوها من الأحزاب الإلحادية اللادينية أو التي يسيرها ملاحدة لا دينيون أو مشركون وثنيون من أهل التصوف والتخريف بل يجب على أهل الإسلام والتوحيد أن يرفعوا رايتهم المستقلة ولو لم يكن تحتها إلا رجل واحد، وإن يعلنوا عقيدتهم المستقلة ولو لم يكن لهم أنصار قط، وحسبهم الله معيناً وناصراً سبحانه وذلك أنه إن حصل اندماج أو تعاون وحلف يتوازى فيه التوحيد والشرك، والإيمان والكفر فإنه لا بد أولا وأن يحصل تنازل عن بعض الحق، ثم أن نتغاضى عن بعض الباطل بل قد نؤيده ونعلي مناره، ثم لا بد من الانفصال في نهاية المطاف لأنه سيكون أشبه برجل يتزوج امرأة وكل منهما طامع في ثروة الآخر، وطامع في أن يرث ماله فكيف تتصور الحياة الزوجية، لا شك أن كلاً منهما سيكذب على الآخر، ويحاول خيانته في ماله، ويتمنى موته قبل نفسه، وقد يقتله إن سمحت له الظروف لينفرد بتركته وهذا ما يحدث غالباً في اتحاد الأحزاب الإسلامية مع غيرها من الأحزاب التي تقدم على عقيدة مضادة للإسلام، فهي تريد أن تنشر الكفر لتعيش وتبقى ويبقى جمهورها، والإسلاميون حريصون على نشر الإسلام لتتوسع قاعدتهم، وكل منهم يحاول خداع الآخر وسبقه، ولا بد وأن يأتي الانفصام، وكثير ما يستغل المسلمون، ويكونون مطية لهؤلاء المخادعين لأن أهل الأحزاب الأرضية الكافرة أقدر على الكذب والمناورة، واللف والدوران، والغاية عندهم تبرر كل وسيلة ولو كانت خسيسة دنيئة، والخيانة تجري في دمائهم باسم السياسة، ولذلك فالحذر أن نرفع مع راية التوحيد راية أخرى للشرك والكفر والوثنية والإلحاد أو أن نكون مطايا لأهل الباطل ليصلوا إلى باطلهم وزورهم.

ثامناً: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر:

لا يجوز أن يكون نصر الدين قاصراً على المخلصين المؤمنين بل الله -سبحانه وتعالى- ينصر دينه بمن يشاء، ويؤيد دعوته بمن يريد، وقد يكون فيمن يؤيد الله بهم دعوته مؤمنون صالحون لهم أجرهم عند الله، وكذلك قد يوجد فيهم، فجار وكفرة يستعملهم الله لخدمة هذا الدين، ولا يكون لهم مثقال ذرة من أجر يوم القيامة. وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: [إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر] (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة)، وفي رواية: [وبأقوام لا خلاق لهم] أي لا نصيب لهم من الأجر يوم القيامة، وقد قال هذا بمناسبة أن رجلاً قاتل مع المسلمين -بشجاعة- في أحد وأبلى في الكفار بلاءً حسناً، ولكن الرسول شهد له بأنه من أهل النار.

والعبرة ولا شك بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد يكون من الكفار والفجار أناس يخدمون الإسلام خدمة عظيمة جليلة في رد عدوان، أو حماية مسلم، أو رفع ظلم عن المسلمين، أو نشر القرآن، أو طبع كتب أو كسر شوكة الكفار، ويكونون في كل ذلك غير مخلصين في عملهم، مبتغين غير وجه الله بجهادهم، أو غير مؤمنين بالإسلام أصلاً، وقد يكون بعض هؤلاء مناصراً للمسلمين لبعض منافعه الخاصة، فكثير من النصارى انضم إلى المسلمين -يقيناً منهم- أن منفعتهم في أن يكونوا في صف المسلمين، أو جاهدوا مع المسلمين عصبية لعربية أو وطن، وكان لجهادهم هذا أثر بالغ في نصر الدين، وإعزاز رسالة رب العالمين، ومثل هؤلاء لا يجوز بتاتاً صرفهم عن نصرة الدين، ولا رفض جهادهم ونصرتهم ما داموا أنهم متبرعون بها، قائمون بها من عند أنفسهم. أقول هذا لأننا سنجد كثيرين ممن يتطوعون بأنفسهم لنصرة الدين، لا رغبة في الدين نفسه، ولا إخلاصاً للعمل لوجه الله، ولكن لأن مصالحهم الدنيوية قد ترتبط مع انتصار الإسلام، أو لأن ظروفهم وارتباطاتهم تضعهم كذلك، وقد يكون هذا منهم اختياراً لأقل الضررين، وقد حدث هذا كثيراً في السيرة والتاريخ.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرفض نصرة عمه أبي طالب، وكان قد مات على دينه، ولقد انتصر الإسلام بمن شقق الصحيفة التي كتب بها المشركون مقاطعة بني هاشم، والذين شققوها هم من الكفار أنفسهم. وكذلك قاتل في أحد من كان مصيره النار. وقال فيه الرسول: [إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم].

وخرج منافقون كثيرون في الغزو مع الرسول وما كان رسول الله ليشق بطونهم، ويفتش عن خبيئاتهم، ويرجع من لا يظهر الإخلاص منه، وكذلك تحالف الرسول مع "خزاعة" وهم كفار بعد صلح الحديبية، ونصرهم عندما اعتدت عليهم "بكر" وهم حلفاء "قريش"، وكذلك وقف بعض نصارى العرب مع المسلمين في حرب "الفرس"، انتصاراً للعرب، وحمية لقومهم، ومثل هذا لا يجوز للمسلمين رفضه مطلقاً، بل من سار منهم مختاراً في ركب الدين، وأراد أن ينصر رسالة رب العالمين، وينضوي تحت لواء المسلمين، ويحارب في صف المؤمنين فإنه لا يمنع من ذلك، ولا يحال بينه وبين ما أراد من نصر الدين، بدعوى أنه غير مخلص أو أنه لا أجر له عند الله، أو أنه كافر أو فاجر لا خلاق له في الآخرة.

فإن الله -سبحانه وتعالى- ينصر دينه بمن يريد، ويسخر عباده كما يشاء، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، وقد يدفع الله عن المؤمنين بالكافرين، وقد ينصر الله المؤمنين بأن يسلط الكفار بعضهم على بعض والحكم لله أولاً وأخيراً وبالطبع لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: [اذهب فإني لا أستعين بمشرك] (متفق عليه). لأن ذلك رجل جاء يشترط على الرسول أن يحارب معه ويقتسم معه في المغنم لأن هذا يرفع راية مع راية الرسول ويجعل من المسلمين الخارجين للغزو وكأنهم جماعة تريد الغنيمة، وتقطع الطريق وتستعين بالانتهازيين وطلاب الدنيا، والفرق هائل بين هذا وهذا وبين ما قررناه -آنفاً- من شخص أو أشخاص يتطوعون بأنفسهم لنصر الدين، ويحاربون تحت راية المسلمين ولا يشترطون على المسلمين شيئاً يناقض أهدافهم، أو يرفعون مع راية الإسلام راية ثانية.

وشتان بين هذا وهذا، وعلى كل حال فالحديث هذا إن قلنا أن العبرة بعموم لفظه فهو مخصص بمخصصات كثيرة: فقد استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعه وهو كافر وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [بل هو عارية مضمونة مستردة] (رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي). واستعان بخريت (عارف بالطريق) من "بني الديل" ليدله على الطريق من مكة إلى المدينة، وفدى أسرى "بدر" بتعليم أبناء المسلمين للقراءة والكتابة.. الخ. ومثل هذه مخصصات كثيرة عند من يقول: إن هذا داخل في باب (الاستعانة)، وإلا فحديث [اذهب فإنا لا نستعين بمشرك] إنما هو في مثل تلك الحالة التي جاء فيها هذا الأعرابي يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاركه الغزو، ويقاسمه الغنيمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اذهب فإنا لا نستعين بمشرك] وذلك بعد أن عرض الرسول عليه الإسلام فرفض.

ولو قبله الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العرض الذي عرضه لكان هذا قدحاً في الجهاد الإسلامي ولكانت صورته صورة غزو من أجل المغنم وليس الأمر كذلك، فإن للمسلمين رسالة وهدفاً، وكذلك لا يناقض هذا الحديث تحالف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قبيلة "خزاعة" ضد "قريش" و"بكر" فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان بهذا يمثل جبهة سياسية في مقابل جبهة أخرى، وكان لا بد للرسول من أن يقبل من ينضم إليه، وينضوي تحت لوائه، ويطلب حمايته، ولو كان هذا الطالب من الكفار ما دام أنه آثر الانضمام والالتجاء إلى أهل الإسلام، والقتال تحت رايتهم، واللياذ بهم.

وفي هذه المسألة تفصيل ليس هنا مكان شرحه وبسطه، والمهم الآن هو بيان أن جبهة الإسلام في مقابلة الكفر لا يشترط أن تكون إسلامية خالصة بل إن كان من آثر أن يكون في جانب المسلمين فإنه لا يدفع ويطرد بل يقبل وينصر، ويدافع عنه، ما دام أنه قد آثر صف المسلمين، وأحب نصرهم، واختارهم على غيرهم.

ومثل هؤلاء ليس من الدين بل ولا العقل والمنطق أن يطردوا ويزجروا، ويمنعوا من الوقوف في صف المسلمين، ونصرهم للدين، مهما كانت نياتهم وأغراضهم، اللهم إلا أن يكونوا عملاء للكفر مدسوسين في صف المسلمين، فهؤلاء شأنهم شأن آخر يجب الحذر منهم وعدم اتخاذهم بطانة، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} (آل عمران:18).

ولا شك أن هناك فرقاً شاسعاً بين من يلوذ بالمسلمين محباً لهم راغباً في نصرهم وإن كان على غير دينهم وملتهم، وبين من يلجأ إلى المسلمين مريداً فتنتهم، وشق صفوفهم والتطلع على عوراتهم.. ولا شك أنه لا يخفى حال هذا وهذا الواجب هو الحذر والحرص ووضع كل أمر في نصابه، وعدم الحكم على الصنفين بحكم واحد، وجعل كل من ليس مسلماً على نمط وشكل واحد، فإن هذا ينافي السياسات الشرعية بل الحكمة والعقل.

تاسعاً: قنوات الاتصال يجب أن تكون مفتوحة مع الجميع:

شاع عند المسلمين في الآونة الأخيرة، وعند الدعاة منهم والمتحمسين للدين بصورة خاصة أنه لا يجوز الاتصال مطلقاً بالكفار أعني بالجهات السياسية منهم، وهم يتصورون أنه في ظل دولة إسلامية لا تكون علاقة دولة إسلامية مع الكفار إلا عن طريق الحرب فقط، وأنه ليس هناك لقاء مطلقاً، وهذا خطأ بالغ وجهل بالسيرة والتاريخ والسياسة الشرعية في التعامل مع غير المسلمين، فالرسول صلى الله عليه وسلم كانت قنوات الاتصال بينه وبين الكفار على اختلاف أشكالهم قائمة، فقد جلس مع اليهود وجادلهم، وناقشهم، وعاهدهم، ثم حاربهم لما نقضوا عهده، وانتصر على بعضهم ثم عاهدهم كما حدث مع يهود خيبر، حيث أقرهم الرسول في خيبر وشارطهم على نصف ثمارها.. وكان الاتصال بهم دائماً في حدود ما شورطوا عليه، وكذلك فعل الرسول مع النصارى، ناقشهم واستضاف بعضهم وأمنهم على أنفسهم كما حدث مع "عدي بن حاتم الطائي"، ودعاه للإسلام، وكذلك ناقش نصارى "نجران" وعاهدهم وصالحهم، وكذلك مع جميع أصناف المشركين في الجزيرة: وادع بعضهم، وعاهد آخرين، وحارب بعضاً منهم ممن آثروا حربه، ووضع الحرب بينه وبينهم كما فعل مع "قريش" في "الحديبية"، ثم حاربهم عندما نقضوا عهده، ثم عفا عنهم وهم ما زالوا على كفرهم بعد أن انتصر عليهم.

وكذلك فتح الرسول صلى الله عليه وسلم قنوات الاتصال مع كل ملوك الأرض في الجزيرة العربية وخارجها يدعو ويعظ ويرسل الرسل، ويستقبل رسلهم، ويكرمهم على كفرهم وبقائهم على دينهم، ويؤمنهم في أرض الإسلام، ويقبل هدايا الملوك التي يرسلونها له وهم على كفرهم، ولا شك أن طائفة عظيمة جداً من الدعاة اليوم يجهلون أموراً كثيرة من ذلك، وإن قرءوها في السيرة لا يدركون معانيها، بل إن كثيراً منهم ليظن أن مجرد لقاء بين مسلم ويهودي، أو مسلم ونصراني، أو قبول هدية، أو عقد مناظرة، أن كل ذلك يناقض الدين، بل قد يتهم من يفعل ذلك بالمروق والكفر والعمالة والخيانة.. الخ، والحق أن الاتصال السياسي في نفسه بين أي مجموعة أو جماعة أو حكومة إسلامية، وبين كفار ليس إثماً في ذاته ولا كفراً ولا مروقاً ولا عمالة وإنما المهم ما يقال وما يتفق عليه، وما يتم من عهود ومواثيق، وما يتوصل إليه من نتائج.

ولا يتصور مطلقاً أن تكون هناك هيئة سياسية إسلامية ولا علاقة بينها وبين غير المسلمين إلا القتال، بل إن القتال نفسه لا بد فيه من إنذار ورسل، واستقبال رسل منهم، ودعوة إلى الإسلام.. وقبول بالعهد، والسلم، إن كان هذا في صالح الجماعة المسلمة، فكيف إذا كان اللقاء مع فئة غير إسلامية من أجل دعوة، أو تسوية مشكلة، أو تعاون على بر، أو مناظرة حول قضية مختلف فيها، أو تشاور فيما ينفع الطرفين.. ونحو ذلك.

إن اللقاء بين مسلمين وكافرين، أو مخالفين، مهما كان خلافهم ليس إثماً في ذاته ولا يدان به شخص وإنما الإثم حقاً، والإدانة: أن يكون هناك اتفاق ضد مصلحة المسلمين، أو تعاون على الإثم والعدوان، أو تفريط في عقيدة حقة، أو إقرار لعقيدة باطلة ونحو ذلك.

ومن أجل هذا يجب على الدعاة إلى الله أن ينفتحوا على الجميع ويحاوروا الناس كافة، وتكون قنوات اتصالهم دائماً مفتوحة مع كل الأطراف، وكل الاتجاهات مع التزامهم جانب الحق، ووقوفهم مع عقيدتهم ودفاعهم عن دينهم، وألا يبرموا قراراً، أو يعطوا عهداً إلا إذا كان فيه مصلحة لعقيدتهم ودينهم، وتمكيناً لهم.

إن انفتاح المسلمين هكذا على الجميع، ومحاورتهم لكل مخالف، ودعوتهم الناس كافة إلى الحق، وتمسكهم به، وتقديرهم لمصالحهم الشرعية، وتحالفهم مع غيرهم، حيث يكون في التحالف قوة لهم، ورفضهم التحالف مع غيرهم حيث يكون على حساب دعوتهم وعقيدتهم، واهتدائهم في كل ذلك بسيرة نبيهم، وخلفائه الراشدين، واستفادتهم بعبر التاريخ، وسير الأحداث، سينتهي بهم ولا شك بالتمكين في الأرض، وإعلاء عقيدتهم ودينهم، ولكن انغلاق المسلمين عن الناس وعدم معرفتهم بهم، وظنهم أن الجميع أعداء لهم، وأن كل من يخالفهم في العقيدة فلا يجوز الجلوس معه، ولا التحدث إليه.. إن مثل هذا مدمر للدعوة الإسلامية مزيح لها عن صدر الحياة، وقيادة الناس، والتأثير في الأحداث، بل سيؤدي في النهاية إلى عزل الدين عن واقع الحياة، ووضعه في مسجد أو مدرسة دينية، وترك مجرى الحياة لغير المسلمين، فحذار ثم حذار من أفكار الجهالة التي انطلقت هنا وهناك التي تجعل مجرد اقتراب المسلم من غير المسلم كفراً وإثماً وفجوراً.

إن المطلوب هو ألا تخلط عقيدة الإسلام بغيرها، وألا تتحالف مع كفار ضد المسلمين، وألا نركن إلى الظالمين وننسى عقيدتنا وإسلامنا، أما أن نلتقي مع أي أحد ونعلن ديننا، ولا نتنازل عن عقيدتنا، وننظر ما يصلح لنا ويعلي من شأننا فنستعمله، وما يفسد ديننا ودنيانا فنتجنبه فهذا مما لا شك في حله بل في وجوبه.

عاشراً: إدراك أبعاد الخريطة السياسية:

يجب على أي مجموعة إسلامية أن تمارس الدعوة إلى الله بجميع أبعادها، وقد علمنا أن البعد السياسي هو أحد أبعاد الدعوة إلى الله، بل عمل الدعوة في أصله ونتائجه عمل سياسي..

أقول: يجب على كل مجموعة وهيئة وجماعة تمارس الدعوة بهذا المفهوم الواسع لمعنى "الدعوة" أن تدرس جيداً "الخريطة السياسية" وخاصة في المنطقة التي تعيش فيها، والتي تحيط بها.

ونعني بـ "الخريطة السياسية": دراسة التكتلات والجماعات والأفكار والعقائد التي تحيط بها، وكيفية عمل وحركة هذه التكتلات والجماعات والقوى المختلفة، وما مدى قربها وبعدها من الدين، وما مدى عداوتها ونصرتها له، وأيهما أخطر على الدين وأشد عداوة، وأيهما أقرب، وأيهما خطراً وضرراً، وعلى أساس هذه الدراسة الواعية الذكية تكون الحركة، والتوجه، ويكون العمل السياسي ناجحاً.. ألا ترى أن الله –سبحانه وتعالى- قد عرف المسلمين تعريفاً تفصيلياً بأعدائهم الذين يحيطون بهم، وبكيفية التعامل معهم، تقرأ مثلاً قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} (النساء:44-45)، فالله سبحانه وتعالى هنا يعلم المسلمين بكيد اليهود، وأنهم لضلالهم يعملون لإضلال المسلمين كذلك، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يغتروا بظاهر تدينهم لأن الله أعلم بأعداء المسلمين من المسلمين أنفسهم، ثم يفصل الله نفسية اليهود، وأهدافهم وعقائدهم، وما ينوون فعله مع المسلمين، ثم طريقة التعامل معهم.

وكذلك فعل الله في تعريف المسلمين بالمنافقين، وخصائصهم وأعمالهم، وطريقة كيدهم لأهل الإسلام. ثم الأعراب الجاهليين، وأن منهم صالحون محبون للدين، ومنهم انتهازيون يتربصون بالمسلمين الدوائر.. قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} (التوبة:101)، وقال تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم} (التوبة:98)، وقال سبحانه وتعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} (التوبة:99)، وكذلك أعلم الله رسوله والمؤمنين بشأن مشركي العرب وحميتهم وجاهليتهم، وكيفية التعامل معهم، وكذلك النصارى، ودينهم وجهالاتهم وضلالاتهم، ونفسية رهبانهم وقساوستهم، وكيفية التعامل معهم.

ولقد كان من الرعيل الأول من المسلمين من سبر غور الأمم والشعوب، وعرف القبائل ودرس الأنساب، وعرف نفسيات الناس، ولذلك كان تعاملهم معهم على أحسن الوجوه، والدارس لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم إلى أي مدى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الناس ويسبر أغوارهم، ويعرف كيف يتعامل معهم، وكذلك الشأن في خلفاء الرسول الراشدين، لقد كان "أبو بكر" عالماً بالأنساب، دارساً لنفسيات الناس، وكان "عمر" من أعلم الناس بشعوب الأرض ومقالاته في الشعوب التي غزاها لا تزال حية إلى اليوم، فقد قال في المجوس والروم مقالات هي بحق خلاصات عظيمة لنفسية هذه الشعوب. وهذا "عمرو بن العاص" أحد دهاة العرب الأربعة وأحد سياسيي العالم المعدودين يسمع المستورد القرشي يقول: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [تقوم الساعة والروم أكثر الناس]!! فقال عمرو بن العاص للمستورد القرشي: "أبصر ما تقول" قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو: "لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة. وأمنعهم من ظلم الملوك" (رواه مسلم، ج5، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب10).

فانظر هذه الكلمات الموجزة التي توزن بالذهب والتي لخص فيها عمرو بن العاص أسباب قوة الروم -أي الأوروبيين- لأن المسلمين كانوا يسمون جميع أهل أوروبا بالروم، نظراً لأن روما كانت يوماً ما عاصمة لمعظم أوروبا بل معظم العالم. انظر كيف يصف عمرو بن العاص الأوروبيين بما يدل على خبرة عجيبة جداً بنفسياتهم ونظام حياتهم، فهم أحلم الناس عند فتنة وهذا ظاهر جداً أنه عندما تقع بهم أزمة ومصيبة فإنهم يفكرون فيها تفكيراً عميقاً قبل اتخاذ قرار وهذا أمر مشاهد في حالهم إلى اليوم، وكذلك هم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، فانظر كيف قامت أوروبا بعد الحرب الثانية التي دمرتها، وكيف عمرت في سنوات معدودات، وكيف نهضت "ألمانيا" بعد الهزيمة المنكرة في الحرب العالمية الأولى، ثم كيف قامت لتكون اليوم أعظم دول أوروبا بعد الهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الثانية، وأما الصفة الثالثة فهي أنهم أسرع بل أوشك الناس كرة بعد فرة، أي عوداً إلى الهجوم بعد الانكسار، وهذا واقع ومشاهد وأنهم خير الناس لمسكين ويتيم، ولا شك أنهم من أعظم الناس على مدى التاريخ رعاية وعناية بمساكينهم وأيتامهم، ثم هم أمنع الناس من ظلم الملوك ومن أجل ذلك أججوا الثورات الطويلة ضد الظلم والعسف وهم الذين اخترعوا النظام الديمقراطي الذي يجعل الحكم للشعب بعكس كثير من الشعوب التي قد ترضى بالعيش في ظلم الملوك والأمراءقرونا وقروناً.. حتى يخلصهم غيرهم، ويستنقذهم سواهم.

إن هذه الخبرة العظيمة بنفسية الشعوب هي التي مكنت المسلمين من التغلب عليهم وهذا "عمر بن الخطاب" -رضي الله عنه- يخبره المسلمون في فتح (الشام) أنهم لاقوا عناءً عظيماً وبلاء من قائد روماني يسمى "الارطبون" راوغ المسلمين طويلاً وأوقع بهم في بعض الوقائع، وهزمهم في بعض المعارك بحيله وفكره ودهائه، فيقول "عمر": "سنحارب أرطبون الروم بأرطبون العرب"!! ثم يرسل لهم "عمرو بن العاص"!! داهية العرب وسياسيها الفذ، والذي يتغلب بالفعل في سنوات معدودات على "أرطبون" الروم. ويقابل مكيدة الروم بمكيدة العرب وتكون الغلبة لأهل العقيدة الصحيحة والتفكير السليم والمنهج الأعلى والأقوى.

باختصار: إن دراسة الخريطة السياسية أمر مهم بل شيء أساسي في أي حركة إسلامية سياسية صحيحة، فمن يفهم نفسيات الناس، وأخلاقهم وصفاتهم، يعلم كيف يتعامل معهم وأما من لا يفهم ذلك ولا يهتم بذلك فإن يكون كما قيل في القصة الرمزية كالدب الذي يرى على أنف صاحبه وهو نائم ذبابة ليزيحها عن أنفها بحجر عظيم ثم يقذف به أنف صاحبه حتى يطرد هذه الذبابة!!.

وكم في العمل والجهاد والدعوة الإسلامية من أمثال هذه الدببة التي تفسد حيث تريد الإصلاح، وتستشرف للفتنة حيث يحسن الاختباء، وتختبئ من المواجهة حيث يتحتم اللقاء، وتضرب حيث يكون الصفح والحلم هو الأولى والأليق، وتصفح وتحلم -زاعمة- حيث يكون الجهر بالسوء هو القاطع لمادة الشر والحاسم للفساد.. وكل هذا إنما هو من الجهل بالخريطة السياسية والجهل بالقوى والتكتلات المحيطة بالجماعة المسلمة، واحتقار شأن الآخرين، وعدم تقدير الأمور بمقاديرها الصحيحة، ولا شك أن هذا جهالة أي جهالة.

فلندرس الخريطة السياسية للمجتمع الذي نتحرك فيه، والعالم الذي نعيش فيه قبل أن نقدم على أي عمل، ولندرس نفسيات الناس والشعوب، وأخلاق الأمم، وعقائد الجماعات، لنعرف كيف نتصرف التصرف اللائق، وكيف نضع كل إنسان حولنا في الوضع الصحيح، مناصراً أو عدواً، أو إمعة تافهاً أو منافقاً خبيثاً، أو جاهلاً مطاعاً، أو سيداً أو كريماً، أو زنديقاً لئيماً.. ولا نستطيع أن نصدر مثل هذه الأحكام إلا بعد دراسة وفهم سليم لمن حولنا، فلندرس الخريطة السياسية جيداً قبل الحركة ولنتخذ الأسلوب المناسب للدعوة بعد هذه الدراسة.

هذه القواعد العشر هي أهم ما يحضرني الآن من القواعد "السياسية" التي يجب على الدعاة إلى الله السير بمقتضاها حتى تكون سياستهم شرعية، وحركتهم بالدين حركة صاعدة، وحتى يكسبوا في كل يوم موقفاً جديداً، وحتى يحققوا في كل يوم خطوة نحو الهدف، وبغير ذلك تظل الدعوة إلى الله أعمالاً غوغائية، ويظل المسلمون نهباً لتجار السياسة من المنحرفين والكافرين والمارقين.


الباب الثالث: شبهات وجوابها

مما قدمنا يتضح أن الإسلام لا يعرف هذا التفريق بين الدين والسياسة، بل هذا مفهوم غربي كافر، جاء ليفصل الكنيسة عن الحياة، وأما في الإسلام فإن المسجد هو مكان العبادة، والشورى، وتوجيه الأمة في كل شؤونها، وعقد ألوية الجيوش، واستقبال الوفود، وإعلان الحرب.. وخليفة الإسلام هو قائد الأمة، وزعيمها، وإمام الصلاة، والمدافع عن حرمات الله، ومنفذ الحدود، وقائد الجند، ومرجع الناس في كل خلافاتهم، وأقضياتهم، وهو القائم بأمر الله المنفذ لحدوده، وقد كان هذا قبل الخلفاء هو مهمة رسول الإسلام -صلوات الله وسلامه عليه-

ولا شك أن أعداء الدين همهم اليوم هو الفصل بين المسلمين الدعاة منهم خاصة وبين العمل السياسي تارة يقولون: ما لكم وللسياسة، وتارة يقولون: لا يجوز تسييس الدين، وتارة يقولون: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، وتارة يتهمون أهل الدعوة والجهاد بأنهم ما دعوا إلى الله إلا لمآرب سياسية وأغراض دنيوية، يريدون بهذا صرفهم عن الاهتمام بشؤون المسلمين، وإعلاء كلمة الله في الأرض، ليخلو الجو لأعداء الله، فيعيثوا في الأرض فساداً كما يريدون، ويحكموا المسلمين بأي قانون ونظام يريدون، ويجعلوا كلمة الدين هي السفلي، وكلمة الكفر والباطل والشرك هي العليا، ويحولوا بين دعاة الإسلام وبين السعي لعز أمتهم، وكرامة دينهم وإبلاغ رسالة ربهم، وإخضاع الناس لحكم ربهم، وأمر خالقهم وبارئهم.

وقد يغتر الدعاة بأقاويل أعداء الله هذه فيظنوا أن البعد عن السياسة الشرعية أحفظ لقلوبهم، وأخلص لربهم ودينهم، أو أن السياسة مشغلة عن الدعوة لله، ظانين أن الدعوة فقط هي تأليف رسالة، وإضافة كتاب إلى المكتبة الإسلامية، أو الانزواء في مسجد وزاوية، والإكثار من التعبد والزلفى، وبهذا يفسح المجال للأفاقين والكذابين واللصوص المتغلبة على أموال المسلمين ومقدراتهم، وتبقى الساحة السياسية في بلاد الإسلام نهباً لجهلة العساكر، ومحبي الزعامة، والفرق الباطنية الخبيثة، وأعداء الأمة فيمسكون زمام الأمور، ويعيثون في الأرض ظلماً وفساداً، فيتخذون أرض الله دولاً، وعباد الله خولاً حيث ينتهكون الأعراض، ويستبيحون الأموال، ويقصون الإسلام عن واقع الناس، ويستبدلون بشريعة الله الظاهرة شرائع الكفر الباطلة، ودعاة الإسلام غفلى يعللون أنفسهم بالأماني، ويشتغلون بالنوافل، مضيعين للفرائض، ويفصلون بواقعهم بين الدين والحياة، والدين والحكم، والدين والعدل، والدين وإعلاء كلمة الله في الأرض، والدين والجهاد في سبيل الله، وبذلك يقرون أعين الكافرين، وينفذون غافلين مخطط أعداء الدين، ويتركون قيادة الناس للمجرمين والمخربين والمفسدين، أليس هذا من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر؟!!

ولما كان بعض الدعاة إلى الله المخلصين الطيبين قد يقفون في هذا الأمر، أعني ترك العمل السياسي ظانين أنه مشغلة عن الدعوة والدين، وقد يتمسكون في تركهم هذا ببعض الشبهات والتأويلات. أحببت هنا أن استعرض أهم الشبهات وأرد عليها حتى لا يكون بعد ذلك هناك عذر لمعتذر، ولا حجة لمتخلف، ولا مستمسك لقاعد.

أولاً: إن الداعي إذا دخل المعترك السياسي فإنه لا يسلم من بعض المخالفات الشرعية:

كثير من الدعاة يحجم عن خوض المعترك السياسي والذي شرحناه -آنفاً- بأنه لا بد للداخل في هذا الميدان من أن يرتكب بعض المخالفات الشرعية. كمخالطة المخالفين، ومشاركة العصاة.. الخ. وهذا تصور خاطئ للعمل السياسي الإسلامي لأن حقيقة ذلك هو الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله في الأرض وجهاد الكافرين بالقلم واللسان، وإزاحة أهل الباطل عن التصدر على مصالح المسلمين والتسلط على رقاب الناس، وقيادة الأمة، وكل هذه أمور مشروعة بل غايات شريفة ولا شك. وقد شرحنا -آنفاً- ضوابط السياسة الشرعية، وقواعد العمل السياسي الإسلامي (انظر ص21-53)، وأنه التزام بالحق والأخلاق، وعدم تفريط في شيء من الدين، مما أغنى عن إعادته هنا.

وأما مخالطة الناس فمطلوبة في الأمر المباح الذي لا بد منه، وفي الأمر الواجب المفروض، والمسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ثم لو فرضنا جدلاً أن بعض هذه الخلطة، وبعض أساليب الدعوة الحديثة ووسائلها لا يخلو من ارتكاب مخالفات شرعية.. لو افترضنا هذا جدلاً فإن هذا يكون من المعفو عنه -إن شاء الله تعالى- فإن الخير لا يتمخض مطلقاً في مثل هذا المجتمع الذي نعيش فيه، فلا يستطيع مسلم أن يمارس تجارة ولا زراعة، ولا صناعة، ولا عملاً، إلا بأن يرتكب بعض الحرام مما فرضه الواقع المخالف للدين، وعلى المسلم في هذا المجتمع الذي نعيش فيه ألا يصمد للحرام صمداً، وألا يطلبه لذاته كأن يرابي أو يقامر، أو يغش، أو يرتشي، ولكن أن يتاجر فيفرض عليه مكس، وضريبة، ويتعامل مع بنك ربوي لا حيلة له إلا في التعامل معه، وأن يتعلم فلا يكون له مندوحة من جامعات يقع فيها اختلاط وخلط بين تعاليم الإسلام وتعاليم الكفر، وأن يتولى عملاً من أعمال المسلمين فيفرض عليه بعض الشر الذي لا بد منه، ولا مندوحة له عنه، فإن مثل هذا ولا شك من المعفو عنه -إن شاء الله تعالى- رفعاً للحرج، ولأنه يستحيل أن يتمخض الخير. فلو فرضنا جدلاً أن ممارسة بعض الأساليب والوسائل الحديثة للدعوة: كالجمعية والحزب والنقابة، والوظيفة الحكومية ونحو ذلك لا بد فيها من ارتكاب بعض المحرمات فهل يترك ذلك من أجل هذه المحرمات، وبالتالي يكون الفساد أعظم، والشرك أكبر، ويستولي على أمور المسلمين ومؤسساتهم وأحزابهم ونقاباتهم، ووظائفهم، وأعمالهم أعداء الدين.

لا شك أننا إن رجعنا إلى نصوص الشريعة، وسياسة النبوة، والخلافة الراشدة، وجدنا أنه يجب دفع المفسدة العظمى بالمفسدة القليلة. وهذا من باب "ارتكاب أخف الضررين" وقد فصلنا هذا في كتابنا: "فصول في السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله".

ثانياً: قولهم: إن العمل السياسي مشغلة عن الدعوة:

وأما القول بأن العمل السياسي مشغلة عن الدعوة إلى الله فهذا خطأ أيضاً لأن العمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون دعوة إلى الله وإلا ما كان هذا سياسة شرعية، وإنما كان علواً وفساداً في الأرض، واستغلالاً للدين، واستبدالاً لطغيان بطغيان ولجاهلية بمثلها، فالعمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون في ذاته دعوة إلى الله، فجمع الناس يجب أن يكون على أساس الدين، ولإعلاء كلمة رب العالمين، ولا تجوز مجاملة أحد في دين الله، ولا مراعاة خاطر كبير أو عظيم. بل عاتب الله رسوله عندما انصرف عن "ابن أم مكتوم" الأعمى إلى صنديد من صناديد قريش يدعوه. قال تعالى: {عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى..} الآيات (عبس:1-5).

فالسياسة الإسلامية تختلف شكلاً ومضموناً عن السياسة الجاهلية المادية الخبيثة: السياسة الإسلامية سياسة طاهرة، تبتغي رفع شأن الإسلام والمسلمين، وتكريم أهل الدين وتحقير الكفر والكافرين، وإبلاغ رسالة رب العالمين، وإخراجاً للناس من الظلمات إلى النور وبالتالي فلا مجال فيها لمجاملة على أساس الدين، ولا لتجميع لكل من هب ودب من أجل إكثار العدد، وتكثير السواد، وقيادة الجماهير.. لا، السياسة الشرعية الإسلامية بغير ذلك، إنما هي تأليف وتربية وتوحيد لأمة الإسلام، والفرقة الناجية، وأهل التوحيد والصلاة والقبلة، في واجهة واحدة ضد أهل الكفر والزندقة والإجرام، والسياسة الشرعية إعلاء كلمة الله، وليست توصيلاً لأناس مسلمين، واستبدالاً لحزب جاهل بحزب آخر يدعي الإسلام ولا يلتزم به، وينادي بالدين ولا يتأدب بأخلاقه.

وبهذا المفهوم الذي ننادي به للعمل السياسي الإسلامي نقول: إنه ليس مشغلة عن الدعوة بل هو الدعوة ذاتها، وهو الجهاد ذاته، فالسياسي المسلم داعية، ومرب، وخطيب ومجاهد، وقائد وساع في مصالح الناس، ومتعهد لشؤونهم ومفزع وملاذ لأهل الحاجات، والمساكين والفقراء، ومدافع عن حوزة الدين، ومنافح عن عقيدة الإسلام وحرمات المسلمين، ومؤلف لقلوبهم، وساهر على مصالحهم، هذه هي السياسة الشرعية التي نريدها. دفاعاً عن حرمات المسلمين وأوطانهم ومقدساتهم وقيادة لجيوشهم، وحرباً لأعداء الله داخل أوطان المسلمين وخارجها.

وهذه هي الدعوة الحقيقية والجهاد الحقيقي، وأما تأليف الكتب وتدريس العلم والوقوف عند هذا الحد فهذا جانب من الدعوة والجهاد ولكنه ليس هو جهاد النبي ولا هو عمل الصحابة والسلف.. ومثل هذا الجهاد العلمي قد يكون جائزاً الاكتفاء به في أوقات الأمن والراحة وعزة الإسلام وامتداد الخلافة والسلطان.. ولكنه حتماً غير جائز الاكتفاء به في أيام الشر والفتنة وغلبة أعداء الله على ديار الإسلام والمسلمين وتبدل الأوضاع، وسقوط الخلافة وضياع الدين، وتجبر المجرمين، وانتهاك أعراض المسلمين. في مثل هذه الأحوال يصبح الجهاد العلمي وحده تقصيراً وإثماً، لا يعذر الله به إلا أهل الأعذار من المستضعفين وذوي العاهات، والذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً.

فمثل هؤلاء قد يعذرهم الله بقعودهم وعدم بذل أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، وأما أهل الاستطاعة فلا عذر لهم لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وهذه بيعة الله لأهل الإيمان جميعاً وليس لطائفة مخصوصة منهم فمن أوفى ما عاهد الله عليه فقد أوفى وله الجنة، ومن قعد فلا شك أنه معرض لسخط الله وعقوبته. نعم قد يكون الجهاد العلمي والتعليمي فقط بداية وتمهيداً للأرض، وإيجاداً للرجال، وبناءً للأفراد القادرين على حمل الأمانة، ومصارعة الباطل، وخوض غمار الجهاد كله قولاً للحق، ودفعاً لأهل الباطل، وحرباً للكافرين، والمنافقين.. أما أن يكون تأليف الكتب، وتنقية التراث، وتصفية المكتبة الإسلامية مما علق بها، أن يكون هذه هو الجهاد والدعوة فلا.. وخاصة في أيامنا هذه التي أصبح حتماً على كل أحد أن ينفر في سبيل الله، وأن تمارس الأمة كلها الجهاد بكل أنواعه.

وعلى كل حال فإن الجهاد في تنقية التراث جهاد ولكنه يقي ثغرة واحدة من ثغور الإسلام، وهو جهاد لا غنى عنه لتصحيح المعتقد، وتقويم العبادة، وتنقية تراث الأمة، وتصحيح التربية. ولكنه ليس نهاية المطاف وخاتمة العمل. بل هو البداية، والحمد لله الذي حفظ لنا أصول ديننا، فهذا كتاب الله بين أظهرنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهذه السنة التي قيض الله لها الجهابذة عبر القرون فحفظوها ودونوها وفصلوا بين صحيحها وضعيفها حتى أتتنا -بحمد الله- نقية صافية خالصة.

ولا شك أننا لو عملنا اليوم بكتاب الله وما صح لدينا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم مما اتفق عليه أئمة النقد وجهابذة الحديث لكفانا هذا هداية، وقياماً بأمر الله، ولا شك أيضاً أن المؤلفات الطيبة الكثيرة في العقائد ومسائل الإيمان والتفسير، والفقه وأصوله.. كافية جداً لو فقهناها، وطبقنا ما فيها ونشأنا الأجيال عليها، ثم اهتدينا فيما يستقبلنا من مشكلات وأحداث جديدة بما نستنبطه من كتاب الله وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم.. لو فعلنا ذلك لكنا من أعظم المهتدين، والمجاهدين.

ولا شك أن الجهد العلمي الذي نحتاجه زيادة على ما سلف إنما هو من باب "التحسينات والتتميمات" وليس من باب "الفرائض والأصوليات". إننا فقط نحتاج إلى عقليات علمية لفهم كتاب الله، والاهتداء بما جمعه جهابذة السنة، ثم البصيرة فيما يواجه المسلمين اليوم من مشكلات وما يعترضهم من عقبات، والجهاد لبناء الأمة وفق هذه التعاليم الربانية، والحكمة النبوية.

إن طريق الجهاد اليوم هو في جمع الأمة وتربيتها على هذا التراث العظيم ولا يمكن أن يكون الجهاد مجرد إضافة لكتاب جديد إلى مكتبة الإسلام العامرة الطيبة. وأن يكون هو السبيل الذي لا سبيل غيره لنصر الدين، وإعلاء رسالة رب العالمين، بل الجهاد الحق هو في الاهتداء بالقرآن والسنة الصحيحة وجهاد الكفار بذلك كما قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً* فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً} (الفرقان:51-52).

والجهاد بالقرآن والسنة إنما يكون ببناء جيل إسلامي حسب مواصفاتهما، ودفع هذا الجيل للصراع مع الباطل القائم حتى يتم للمسلمين النصر والتمكين، وإنه ليستحيل بناء هذا الجيل إلا تحت مؤسسات، ومن خلال جمعيات وتجمعات وجماعات، وذلك أن العمل الفردي الآن ذاهب مضمحل، ضائع، ويستحيل أن يوجد عمل قوي مؤثر إلا من خلال مؤسسات قائمة وتعاون وتعاضد، وتكاتف.. وهذا التعاون والتعاضد والتعاهد على نصر الدين، وإعلاء رسالة رب العالمين، واختطاط سبيل موحدة، وصراط مستمر مستقيم لنقل أهل الإسلام من حال إلى حال، ومن ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى أكبر منها، ومن موقع متخلف إلى موقع متقدم هو ما نعنيه بالعمل السياسي، وهذه هي الدعوة الحقيقية اليوم إلى الله -تبارك وتعالى-.

إن غرس المؤسسات الإسلامية اليوم في الأرض الإسلامية هو واجب المسلمين. هذه المؤسسات التي يستطيع شباب الإسلام التحرك من خلالها لنصرة دينهم، وإعادة بناء أمتهم.. وتتمثل هذه المؤسسات في: المساجد والمدارس والمعاهد، ودور الرعاية، والجمعيات والتجمعات، والأحزاب والهيئات، وكل ما من شأنه أن يجمع المسلمون عليه من خير وبر وإحسان ودعوة وبناء وتربية.

لا بد من إعادة حياة الأمة الإسلامية وفق منهج القرآن والسنة، وإذا كانت الدول والحكومات الحاضرة التي انفلتت من الدين، وحاربت رسالة رب العالمين، وسارت على خط المستعمرين، تربي أبناء الإسلام على عقائد الكفر، ونشر الانحلال والميوعة بين أبناء الإسلام، وتشغلهم بالتافهات عن الجد والمثاليات، وعظائم الأمور، فإنه من أجل ذلك يجب أن يجاهد المسلمون بأنفسهم ومن خلال مؤسساتهم الخاصة لإعادة بناء الأمة ومزاحمة الباطل الذي ينشره أحزاب الفساد، وتحويل مقدرات الأمة إلى خدمة أبنائها الحقيقيين، ودينها وعقيدتها وتراثها بدلاً من هؤلاء الذين يستغلون اليوم مقدرات الأمة الإسلامية لهدم عقيدتها وتراثها وأخلاقها ورجالها ونسائها.

إنها حرب سلمية يجب أن يخوضها الدعاة إلى الله لتحويل مسار المجتمع، وتحويل دفة الحياة نحو الدين، ولا بد من خوض هذه الحرب السياسية على كافة الأصعدة، وفي كافة المجالات، ولا يجوز بتاتاً أن تكون من خلال منبر المسجد فقط ولا من خلال الكتاب الإسلامي، والدرس السري، بل يجب أن تكون أيضاً من خلال الصحيفة والإذاعة، والتلفزيون، والجامعة، والمنصب الحكومي، والحزب السياسي، والجمعية الدينية، والمجتمع النقابي، والمدارس، والمعاهد، وكذلك يجب أن تشمل هذه الحرب السلمية الكلمة بكل أنواعها، والأساليب بمختلف صورها يجب أن تشمل: المحاضرة والخطبة، والقصيدة الشعرية، والقصة، والمقالة. ولا يجوز بتاتاً ترك الساحة الإعلامية والأدبية لفكر مناوئ للدين ليصول ويجول، بل يجب تحطيم كل فكر مخالف وإحلال الأدب الإسلامي الرفيع، والقيم الإسلامية العليا، مكان الأدب الساقط، والقيم المادية السفلى التي باتت تغزونا في عقر دارنا.

هذا هو العمل السياسي الذي نعنيه ولا شك. إن القول بأن مثل هذا العمل مشغلة عن الدعوة قول فيه تغرير وجهل كبير. بل العمل السياسي على هذا النحو هو الدعوة الحقيقية، ويكفينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت:

[اهجهم "أي قريش" وروح القدس تؤيدك].. وقال له أيضاً: [لشعرك أشد عليهم من وقع السهام] (رواه مسلم)، فحسان جعله النبي صلى الله عليه وسلم مجاهداً بالقصيدة الشعرية التي كانت تسد فراغاً لا يسده غيرها، إذ لا يكفي الانتصار عسكرياً على الكفار، بل يجب النصر أيضاً عقائدياً وفكرياً وأدبياً.

واليوم يحتاج المسلمون في عملهم الدعوي والجهادي والسياسي إلى إعلام ناجح، يتمثل في حسن عرض الرسالة الإسلامية، وفي قوة الرد على الخصوم، وفي رشاقة وحسن التعبير عن قضايا الدين، وليس بكثرة العدد ينتصر المسلمون في جهادهم السياسي، بل أيضاً في رسالتهم الإعلامية الموجهة التي يجب أن تحطم ما دونها من عقائد وأفكار وقيم، ولن تتمكن من ذلك إلا إذا كانت قوية محكمة.

ثالثاً: قولهم: أن هذا الأسلوب من أساليب العمل لم يمارسه الرسول صلى الله عليه وسلم والأصل اتباعه في كل شيء من أمر الدين وبخاصة الدعوة إلي الله:

الشبهة الثالثة هي ما ذكرناه -آنفاً- وهذا القول مردود بالأدلة التالية:

(1) أن قد ثبت بما قدمناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مارس العمل السياسي بكل معانيه الطيبة الخيرة من تكوين أمة وجماعة، والدعوة إلى عقيدة تحطم كل العقائد الموجودة، وتنادي بوجوب إزاحة بل إزالة كل عقبة تقف في وجه دعوة الإسلام، ووجوب جعل السلطان لأمة الإسلام، ثم قد مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أعمال الحكم والسيادة، من تولية الولاة، وإرسال الجيوش والبعوث، والرسل، وتنظيم الدولة، وإقامة الحدود، وعقد المعاهدات، وهذا في حال القوة وأما في حال الضعف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلب النصرة، وطلب الحماية، وقبلها من الكفار ودعا إلى الله سراً، ثم جهراً، وجاهر الكفار بالعداوة وأنذرهم بالقتل وأعلمهم أن دينه خير الأديان وأن سيفتح الأرض، وينال كنوز كسرى وقيصر.. وأن أمته ستكون أقوى الأمم وخيرها، وأعظمها سلطاناً وأمناً وتمكيناً.

وكل هذا في عرف الناس اليوم من الأعمال السياسية. فليسمه الناس ما شاءوا سياسة أو غير ذلك إنها طبيعة الدعوة إلى الله، ومنهج القرآن، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الذين يكتفون بمجرد تعلم العلم الشرعي وتعليمه أن يعلموا أنهملم يسلكوا سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله، ولم يتبعوه حقاً وصدقاً. وإنما اشتغلوا بجزء من الدين، وجانب من الإسلام.

ولا شك أن الرسول كون الجماعة المعاهدة المبايعة له على الموت في سبيل الله والجهاد في سبيل نصرة الدين، ونظم هذه الجماعة، وعلمها، ورباها على عينه وكانت هذه الجماعة بعد ذلك هي طليعة الأمة، ونواة الدولة ونستطيع أن نطلق على جماعة الرسول الأولى "حزب الله"، وقد أقام الرسول كل المؤسسات الممكنة في وقته. واستطاع بهذه الجماعة أن يهزم كل تجمع وتحزب أمامه من العرب واليهود والنصارى والقبائل، والأعراب، وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا حتى كانت راية الإسلام تخفق فوق الجزيرة كلها من أقصاها إلى أقصاها، وحتى أصبحت الأمة مهيئة لغزو الروم وفارس، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه غزى الروم في السنة التاسعة، وجبنوا أن يلقوه.

(2) الدليل الثاني على وجوب العمل السياسي: أن غايات الإسلام لا تتحقق إلا بالعمل السياسي بكل أبعاده، فإن الإسلام ليس تبشيراً وإنذاراً فقط، وليس دعوة تبليغية وعظية فقط، إنما هو دين وحكم وسيادة وأمة، وقضاء، وكلمة الله تعلو على كل كلمة للكفر، وراية التوحيد لا بد وأن تعلو فوق كل رايات الشرك. وهذه الغايات يستحيل الوصول إليها إلا بعمل سياسي منظم صاعد، يحقق مرحلة تلو مرحلة، وخطوة إثر خطوة، ويسير وفق خطة موضوعة، وتدرج زمني مدروس، وهذا هو مفهوم العمل السياسي. وإذا كان الواقع القائم الآن يتنافى مع هذه الغايات، فالنظم والحكومات القائمة لا تتناسب شكلاً ولا موضوعاً مع هذه الغايات الشريفة بل قد تكون عاملة بضد ذلك، ساعية في تعويق أمة الإسلام وتشتيتها ودحرها، وجعلها فريسة لأعدائها. وبالتالي فإنه يجب تغيير الأوضاع الراهنة ليكون الحكم الإسلامي في وضع يمكنه به تحقيق مراد الله في الأرض، ووضع شريعته موضع التنفيذ ومعلوم أن هذا التغيير للأوضاع القائمة، وأن تحقيق غايات الرسالة الإسلامية كل ذلك لا يتحقق إلا بالعمل السياسي، و "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

وهل نتصور أنه يمكن لأمة الإسلام أن تكون أمة الإسلام حقاً، وأن تحقق مراد الله بمجرد الوعظ والإرشاد، والتبليغ والأعمال الفردية التي يمارسها كل إنسان بمفرده حسبما يريد وكيفما اتفق، ويتركها إذا شاء.. الخ.

لا شك أن هذا قول مخالف للصواب والمنطق، والعقل، فضلاً عن مجافاته للشرع والدليل والنص.

(3) ولو افترضنا أن الواجب الآن هو الوعظ والتبليغ، وتصفية التراث، وتربية الأفراد، فإن هذا جميعه لا يتحقق بصور سليمة إلا من خلال العمل السياسي الحركي.. فإن الجماعة أقدر من الفرد في الوعظ والتبليغ، وإن التجمع والتعاون أقدر على الجهود العلمية التي تحتاجها الأمة لتنقية تراثها، وتصفية مصنفاتها وكذلك يستحيل تربية الأفراد تربية إسلامية صحيحة إلا من خلال الجهاد والعمل الجماعي، وتكاليف الدعوة، هنا تظهر "معادن" الرجال على حقيقتها، وتبرز التضحيات، ويبني الأفراد بناءً سليماً، ويدربون تدريباً عملياً على أخلاق الإسلام من الصبر، والحلم، والشجاعة، والإقدام، وإيثار ما عند الله على هذه الدنيا الفانية، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله.

وأما الجهود العلمية المحضة فإنها لا تربي إلا بمقدار يسير جداً، بل قد يكون الفرد علامة وجَمَّاعة، ومُحققاً ولكن تنقصه كثير من أخلاق الدين الواجبة، وصفات المجاهدين الطيبة. فقد يمتلئ حسداً من أقرانه، وبخلاً بماله، وضناً بدنياه، وعدم مبالاة بانتهاك حدود الله، وسكوتاً على الشر والفساد والظلم، فيدخل بذلك في جملة المعذبين المفتونين، فإذا فسدت نيته وسريرته، وكان عمله العلمي الشرعي لدنياه فقط وللشهرة والمراءاة ضل سعيه وفسد عمله.

والمهم من كل ذلك أن التربية الحقيقية للأفراد لا تتم إلا بعمل جماعي موضوعي يأخذ هذا الدين بجميع نواحيه ولا يقتصر منه على ناحية دون ناحية، في إطار هذا العمل الجماعي الموضوعي الذي تواضع الناس اليوم على تسميته بالعمل السياسي تكون المحاسبة على الكسل والتهاون، وبروز الكفاءات الصالحة، والقيادات الجيدة، والأخلاق الحميدة من الإخلاص وإنكار الذات، وأداء الأمانة، وبذل النفس في سبيل الله، وتحمل مشقات الجهاد والدعوة، والسهر على راحة المسلمين، والتألم لآلامهم والفرح بانتصار الدين، وبهذه المشاعر يعيش المسلم دينه كاملاً، ويحيا في آلام أمته وآمالها ويسعى في سبيل نهضتها ورقيها وسعادتها، إذا دعا لنصر الأمة كان دعاؤه من القلب، وإذا تألم لهزيمة الأمة كان ألمه من القلب كذلك.

وهكذا نوقن -إن شاء الله- أن العمل السياسي فريضة دينية، وأنه لا يجوز لمسلم قط التخلف عن ركب الجهاد في سبيل الله، ونصرة دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا بد لكل مسلم أن ينخرط في عمل سياسي ينصر الدين، ويعلي كلمة رب العالمين ويحقق السيادة والتمكين لأمة خير الأنبياء والمرسلين.

ولنعلم أن القعود عن ذلك معناه تمكين أعداء الدين من الشيوعيين والملحدين وطلاب الدنيا والرياسات والمجرمين من رقاب المسلمين، فالقعود اليوم إثم لا شك فيه، وعلى كل مسلم أن ينصر الله بما استطاع كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} (الصف:14).

والحمد لله رب العالمين، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين المجاهدين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولتعلمن نبأه بعد حين.

نقلا عن الشبكة السلفية..


رجوع