القومية العربية

تأليف الشيخ/ عبد الله عزام (رحمه الله)



الفهرس


الإهــداء:

إلى الذين يودون مخلصين أن يعرفوا الحق وينشدون اتباعه.
إلى الذين ساروا على الطريق صادقين بعواطفهم وقلوبهم ولكن قبل استبانة الجادة الحقة وقبل اتضاح النور في صراطهم.
وإلى الذين عرفونا طريق الله وأنقذونا من وحل الجاهلية وضلالها وفتحوا أبصارنا لرؤية النور.
أقدم هذا البحث المتواضع راجيا من الله أن لا يحرمنا الثواب أجمعين.

راجي عفو ربه الكريم
عبد الله عزام
الفهرس


مـقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغره ونعوذ بالله من شرورأنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا عبده ورسوله.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، وبعد:

فلطالما شغلني هذا الأمر كثيرا، خاصة بعد أن أصبحت القومية زيا فكريا رائجا تهتف باسمه الحناجر، وتنادي به كثير من الأقلام والصحف والدوريات.وأصبح الإنسان حائرا مع دوي هذه الأصوات والشعارات فأخذ يتلمس طريقه ينشد الحق، ويريد الخلاص من هذا التيه الكبير، ويبحث عن مورد صاف بعد أن اختلطت الينابيع واتصلت الجداول.

ولقد طلب مني بعض الإخوة بعد أن كتبت "السرطان الأحمر" أن أكتب في هذا الموضوع بحثا صغيرا يوفيه حقه، ولطالما تشوقت أن أرى كتابا كتب بيد إسلامية يتتبع الموضوع من الناحية التاريخية ويوفيه حقه، مع إلقاء أضواء على هذا الخط التاريخي والأصابع التي كانت تحرك هذا التيار وترسم بقلمها هذا الخط، ولم أعثر على كتاب واف في هذا الموضوع، ولعل الظروف التي مرت بالمنطقة الإسلامية كانت تجعل الكتاب يحجمون عن هذا الموضوع، ولقد حرصت أن أتتبع وباختصار شديد الخط القومي في المنطقة الإسلامية والعربية ثم أبديت رأي الإسلام وحكمه في القومية وحكم الشرع في اعتناقها والدعوة إليها، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وحسبي أني اجتهدت صادقا.
وعلى الله قصد السبيل وهو ولي التوفيق وهو حسسبنا ونعم الوكيل.

الفهرس


القومية العربية

(ARABICNATIONALISM) 

القومية: مصدر صناعي بإضافة ياء النسبة وتاء التأنيث إلى القوم، والقوم في المصدر قام ثم غلب على الرجال دون النساء لأنهم قوامون علىالنساء. وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته (1).

القومية اصطلاحا: مبدأ سياسي اجتماعي يفضل معه صاحبه كل ما يتعلق بأمته على سواه مما يتعلق بغيرها، أو هو: عقيدة تصور وعيا جديدا يمجد فيه الإنسان جماعة محدودة من الناس يضمها إطار جغرافي ثابت، ويجمعها تراث مشترك وتنتمي إلى أصول عرقية واحدة (2).

العـرب: نسبة إلى يعرب بن قحطان أبو اليمن كلهم وهم العرب العاربة (الخالصة) ويقابلهم العرب المستعربة الذين سكنوا بلاد العرب (الجزيرة العربية) وتكلموا العربية. والأعرابي: البدوي والعرب، هم الذين استوطنوا القرى والمدن.
وقيل سمي العرب عربا لأنهم سكنوا وادي العربات (بفتح العين والراء)، ففي لسان العرب (وأقامت قريش بعربة فتنحت بها وانتشر سائر العرب في جزيرتها فنسبوا كلهم إلى عربة) (3).

الفهرس


الإسلام والعـرب

إن بلاد العرب كانت تطلق على الجزيرة العربية فقط، وعندما امتد نور الإسلام في الأرض وافتتح جند الله عزوجل من المسلمين العرب نصف الأرض في نصف قرن، كان لا بد للشعوب التي دخلت في الإسلام أن تتعلم العربية حتى تؤدي شعائر عبادتها، فلا بد من تعلم القرآن الكريم لأن صلاتهم لا تجوز إلا بتلاوة القرآن باللسان العربي المبين، ولا بد من حفظ الأذكار والأدعية بالعربية ولا بد من معرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فأصبحت العربية جزء أساسيا من حياة الشعوب الإسلامية فأخذت تتعرب تدريجيا، فكل مسلم: عربي بلغة قرآنه، وعربي: بنبيه صلى الله عليه وسلم العربي، وقبلته التي يتوجه إليها كل يوم خمس مرات واقعة في بلاد العرب، وحجه الذي يسعى إليه من استطاع سبيلا في جزير العرب.

وبعد أن عربت الدواوين في زمن عبد الملك بن مروان (56 - 68 هـ) ونقلت إلى أيدي المسلمين بعد أن كانت باللغة الفهلوية (الفارسية القديمة في العراق) وبالرومية في الشام وبالقبطية (المصرية القديمة في العصر المسيحي) (4). فأصبحت العربية لغة الدولة والشعوب، وبازدياد الإختلاط والإمتزاج بين الفاتحين العرب والشعوب المفتوحة ازداد التعريب وتسابق المسلمون إلى تعلم العربية خاصة الموالي الذين كانوا يعيشون في بلاد العرب، ونبغ هؤلاء وفاقوا العرب الأصليين باللغة فاستلموا القضاء ونقلوا الحديث والتفسير، وحسبك من هذه الأسماء: طاووس ومكحول وعكرمة ومجاهد من تلاميذ ابن عباس الذين نقلوا لنا دين الله.
وقد سأل عمر بن الخطاب والي مكة من أنبت بعدك على مكة فقال ابن ابزي رجل من موالينا فقال: أمرت عليهم مولى؟ فقال: إنه أعلمنا. فقال عمر رضي الله عنه: (لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ) (5).
ثم كان أبو حنيفة من الفقهاء، سيبويه من النحاة والبخاري وابن اسحق وابن سينا والفرابي وابن حبان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والرازي والسرخسي، وهؤلاء كلهم ليسوا من العرب أصلا، ولكن عربهم الإسلام.

ثم حافظ الإسلام والقرآن على العرب والعربية من الإندثار رغم المحاولات المستميتة لمحو العربية، وتوسعت الرقعة العربية فأصبحت تطلق على كل الشعوب التي عرب الإسلام لسانها وأفصح القرآن بيانها فصارت مصر والشام (بأكملها) والعراق والشمال الإفريقي من العرب.

وكان الأعاجم ينظرون إلى العرب نظرة إجلال واحترام لأنهم قادتهم وأساتذتهم ومعلموهم ومنقذوهم...فكيف حصل الإنفصام النكد بين الإسلام والعرب في القرن الأخير؟

الفهرس


الأسباب الحقيقية وراء الدعوة القومية

1- السبب الرئيسي: هو محاولة الغرب استبعاد الاسلام كرابطة وحيدة واحلال رابطة جديدة مكانه. بعد فشل الغرب في الحروب الصليبية، فاراد أن يستعمل اسلوب الفكر واللسان بدل السنان. وذلك ليسهل للغرب تثبيت أقدامه في بلادنا. خاصة بعد حملة نابليون على مصر.
2 - طموح محمد علي باشا وابراهيم باشا إلى عمل امبراطورية قومية عربية.
3 - التخلص من تركيا المسلمة والقضاء عليه حتى يرث الغرب ممتلكاتها.
4 - محاولة النصارى التخلص من تركيا لأنها كانت تطبق عليهم الجزية وبعض الواجبات الاستثنائيه التي تقابل عند المسلمين دفع الزكاة والقيام بالجندية لحماية الدولة الاسلامية. وطمعا من النصارى أن يقودوا المجتمعات التي يعيشون فيها ويوجهوا دفتها ويصبحوا سادتها وعلية أقوامها.

الفهرس


التطور التاريخي للفكرة القومية

تعتبر حملة نابليون النقطة الأولى في بداية تحويل العرب من الاسلام إلى القومية، وقد اختمرت هذه الفكرة في ذهن نابليون على أثر المقاومة التي حركها الأزهر بنداء (الله اكبر) واقتنع الغرب بهذه الفكرة. وخرج الفرنسيون سنة 1904 من مصر، وجاء محمد علي باشا. وكان محمد علي ضابطا ألبانيا- لا يعرف العربية - جاء مع الحملة التي أرسلها الخليفة إلى مصر لمقاومة نابليون، وكان محمد علي يتيما طموحا ذكيا، ولكنه كان أميا فكان مصابا بعقدة النقص بسبب أميته، فأراد أن يحضر مصر ويطورها فقضى على المماليك ونودي به حاكما على مصر محمد علي باشا والفرنسيون.

كان محمد علي معجبا بالفرنسيين منذ صغره على صلة بفرنسي اسمه ليون (6‎). ثم استقدم إلى مصر د. (كلوت) الطبيب الفرنسليكون مستشاره فأشار عليه بفكرة القومية (وقد عني كلوت بأن يطبع الطلاب في المدارس العليا التي كان يديرها على الشعور الصحيح بالقومية العربية ) (7). وبدأ محمد علي يرسل البعثات إلى فرنسا فرجعت البعثات تحمل بذور الفكرة القومية ومن بين هؤلاء رفاعة الطهطاوي الذي أقام في باريس 1826- 1831 فحمل فكرة الثورة الفرنسية القومية.

ابراهيم باشا في بلاد الشام: كان محمد علي باشا يطمع في امبراطورية عربية تنفصل عن الحكم العثماني،وقد زين له هذا الأمر الغرب (الفرنسيون بالذات) فأرسل ابنه ابراهيم باشا واحتل الشام كلها، ومكث حكم ابراهيم في بلاد الشام سبع سنوات 1833 - 1840م. وقد كان لهذه السنوات أثر عميق في تغيير مجرى الأحداث في الشام ولمدة قرن ونيف. فماذا صنع ابراهيم باشا في الشام؟
1 - ألغى الأحكام الاسلامية المطبقة على النصارى في الشام ونادى بمساواتهم بالمسلمين وكذلك فعل أبوه في مصر.
2 - شجع الجمعيات التبشيرية ومدارسها وأما أبوه في مصر فكان جلساؤه دائما من السفراء والسائحين والمنصرين (8).
أ- قدوم البعثات البروتستنتية (الأمريكية).

وكان من بين رجالاته:

1 - إيلي سمث: الذي مكث يعمل دائبا للنصرانية من 1834 - 1857‏م فنقل المطبعة التي كانت للبعثة بمالطة إلى بيروت وبدأت تطبع بالعربية، وهي أول مطبعة من نوعها في بلاد الشام، وأقام سمث هو وزوجته (9) في بيروت مدرسة للبنات وهي أول مدرسة في بلاد الشام من هذا النوع.

2 - الدكتور كورنيليوس فانديك: جاء طبيبا مع البعثة الأمريكية وبقي يعمل 55 سنة في بلاد الشام (وربما كانت جهوده أكبر الجهود الفردية الأجنبية قيمة وأكثرها أثرا في التطور الثقافي في هذه البلاد) (9).

3 - ناصيف اليازجي: (1800- 1871م) لبناني نصراني، عمل مع البعثة الأمريكية. وفي مطبعتها مع سمث وفانديك، قام هو وابنه ابراهيم اليازجي بترجمة التوراة، وكان ابنه ابراهيم هو أول من اسس (جمعية بيروت السرية) ذات الطابع القومي وشعارها بيت من شعر إبراهيم نفسه:

لنطلبن بحد السيف مأربنـا   فلن يخيب لنا في جنبه أرب

وابراهيم هذا كان نصرانيا، ماسونيا عاش ما بين (1847- 1906 ) مات في مصر ونعته المحافل الماسونية فيها، وهو صاحب القصيدتين اللتين تناديان بالثورة على الأتراك:

تنبهوا واستفيقوا أيها العــرب     لقد طما السيل حتى غاصت الركب

أقداركم في عيون الترك نازلـة     وحقـكم بين أيدي الترك منتـهب

والثانية:

دع مجلس الغيــدا لاوانس      وهوى لواحظها النواعس
أي النعيـم لمــن يبيـت  
    على فراش الذل جــالس
فالتـرك قــوم لا يفـوز 
     لديهـم إلآ المشـاكـس

4 - بطرس البستاني: 1819 - 1883 وهولبناني كان يعمل مترجما في القنصلية الأمريكية في بيروت وغير دينه من ماروني إلى بروتستنت بسبب صداقته مع سمث وفانديك. وظفه المبشرون مدرسا في مدرسة عبية، ترجم التوراة مع سمث واستغرق في الترجمة عشر سنوات. أصدر قاموس (محيط المحيط) ومختصره (قطر المحيط) و(دائرة المعارف للبستاني). أصدر في فتنة 1860 (بين النصارى والدروز في لبنان) مجلة اسمها(نفير سورية) يدعو إلى الوحدة القومية. أسس 1863 (المدرسة الوطنية) كان يدرس هو وناصيف اليازجي فيها. أصدر 1870 مجلة (الجنان) صحيفة نصف شهرية سياسية وأدبية - شعارها (حب الوطن من الإيمان). وأصدر صحيفتي (الجنة) و(الجنينة) (10).

ويعتبر اليازجي والبستاني من من الرواد الأوائل لفكرة القومية العربي، فلقد قام تلاميذهم بالتنظيمات القومية التي آتت أكلها فيما بعد وأثمرت هذا الإقصاء لدين الله عن الحياة وتربية الرواد الذين يعتبرون القومية مثلهم الأعلى تقدم له القرابين والتضحيات.

ومن ثمار البعثة الأمريكية عدا إبراز اليازجي والبستاني أنها قامت بانشاء أكبر معهد لحضانة الفكر القومي وهو: الجامعة الأمريكية في بيروت 1866، وكان اسمها في البداية (الكلية السورية الانجيلية) وكان أول رئيس لها هو (دانيال بلس) راهب أمريكي يحمل الدكتوراة في اللاهوت، وبقي رئيسا للجامعة حتى 1902، وخلفه ابنه هوارد بلس.
أن أثر الجامعة الأمريكية، في المنطقة لا يوازيه أي أثر في الفكرة القومية. ولقد خرجت الجامعة أجيالا من قادة بلاد الشام على مدى قرن ونيف. ومن أساتذتها المعروفين برعاية الفكر القومي قسطنطين زريق الذي تخرج على يديه جورج حبش.

2 - البعثة الكاثوليكية - اليسوعية: وقد قامت بإنشاء مطبعة حجرية 1847 وأسست مدرسة القديس يوسف التي عرفت فيما بعد بالجامعة اليسوعية.

3 - اللعازريون: افتتحوا كلية (عين طورة ) في لبنان.

الفهرس


الجمعيات القومية

ومن الأعمال التي قامت بها البعثات التبشيرية إنشاء الجمعيات التي تنادي بالفكر القومي وأهمها:

1 - جمعية الآداب والفنون: 1847 أسستها البعثة التبشيرية الأمريكية وعلى رأسها سمث وفانديك والبستاني وناصيف اليازجي. لم يمضي عليها عامان حتى بلغ أعضاؤها خمسين عضوا أكثرهم من النصارى السوريين في بيروت ولم يكن فيهم مسلم واحد ولا درزي. وبقيت الجمعية خمس سنوات.

2-الجمعية الشرقية: 1850 أسسها اليسوعيون وكان يشرف عليها الأب دبرونر.

3- الجمعية العلمية السورية: سنة1857م بلغ أعضاؤها مائة وخمسين عضوا، اشترك فيها بالاضافة إلى مؤسسيها النصارى من أتباع البعث الأمريكية، بعض المسلمين والدروز ونالت اعتراف الحكومة بها 1868م. (كان أول صوت ظهر لحركة العرب القومية هو صوت ابراهيم اليازجي أحد أعضاء الجمعية فالقى قصيدة اتخذت صورة النشيد القومي) (11).

4-جمعية بيروت السورية: 1875م، يقول جورج انطونيوس: ( يرجع أول جهد منظم في حركة العرب القومية 1875 أي قبل ارتقاء عبدالحميد العرش بسنتين - حين ألف خمسة شبان من الذين درسوا في الكلية البروتستنتينية السورية -الجامعة الأمريكية- ببيروت جمعية سرية وكانوا جميعا من النصارى ولكنهم أدركوا قيمة إنضمام المسلمين والدروز إليهم، فاستطاعوا أن يضموا الى الجمعية نحو اثنين وعشرين شخصا ينتمون إلى مختلف الطوائف الدينية ويمثلون الصفوة المختارة المستنيرة في البلاد، وكانت الماسونية قد دخلت قبل ذلك بلاد الشام على صورتها التي عرفتها أروبا، فاستطاع مؤسسو الجمعية السرية، عن طريق أحد زملائهم أن يستميلوا إليهم المحفل الماسوني الذي كان قد أنشيء منذ عهد قريب ويشركوه في أعمالهم) (12).

من هذا ندرك:
1 - أن بداية العمل القومي المنظم كان في بلاد الشام عن طريق النصارى.
2 - أن هؤلاء النصارى من تلاميذ البستاني واليازجي أو من محبيهم وكانوا ثمرة جهود البعثة الأمريكية. 3 - ان من بين المؤسسين ابراهيم اليازجي، صاحب شعار الجمعية:
لنطلبن بحد السيف مأربنا   فلن يخيب لنا في جنبه إرب
وكذلك كان فارس نمر باشا(نصراني لبناني) وصهره شاهين مكاريوس من مؤسسيها. وهؤلاء الثلاثة من كبار الماسونيين المعروفين.

فالأيادي الماسونية - اليهودية - هي التي تبنت فكرة القومية العربية، وهي نفس الأيادي التي كانت تحرك في الوقت ذاته القومية الطورانية التي يتبناها يهود الدونمة في سالونيك وتعقد اجتماعاتهم في بيوت اليهود الايطاليين.

(وأن الذي أوحى بفكرة تأسيس جمعية بيروت السرية هو رجل يسمى الياس حبالي من بلدة ذوق مكايل وكان استاذا للغة الفرنسية يدرسها في الجامعة الأمريكية لطلاب صف فيهم اليازجي ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس وكان الأستاذ معجبا بالثورة الفرنسية) (13).
وقد كان يشك أن مدحت باشا- زعيم الماسونية وكان يكنى بأبي الأحرار - وراء تشكيل الجمعية، فقد جاء في برقية أرسلها القنصل البريطاني في حزيران 1880 (ظهرت في بيروت منشورات تحض على الثورة يشك في أن مدحت هومنشئها) (14). وكان مدحت أنذاك واليا على الشام.
ولكن حزم السلطان عبدالحميد ومتابعته للجمعية ومنشوراتها جمد نشاطها وكان آهم منشورات الجمعية هو المنشور الثالث الذي صدر في 31 ديسمبر 1880 وحدد مطالبهم بأربع نقاط (15):
1 - منح سوريا مع لبنان الاستقلال.
2 - الاعتراف بالعربية لغة رسمية.
3- رفع الرقابة عن حرية التعليم.
4 - عدم إرسال أبناء العرب للحرب مع الاتراك خارج بلادهم.

الفهرس


الهجـرة الى القاهــرة

كانت شخصية السلطان عبدالحميد فذة وفريدة وقد ملأ مكانه وفرض حبه على القلوب إذ أنه كان يعيش عيشة زاهدة دون ترف ولا ترهل مع إقصاء كل مظاهر الترف والتحلل التي وجدها في القصر، ولذا لم يستطع المنصرون وتلاميذهم أن ينشطوا في أيامه، وجاءت فكرة الرحيل إلى القاهرة حتى تعيش الفكرة القومية في محضن الرعاية البريطانية حيث يجثم كرومر المعتمد البريطاني، فهاجرت العائلات النصرانية والكتاب النصارى الى القاهرة لتكون القاهرة منطلقا لمحاربة تركيا ولنشر الأفكار العلمانية والقومية لتحل تدريجيا محل الاسلام ولتكون رابطة عربية بدل الرابطة الاسلامية ومن بين هذه الأسماء التي هاجرت:
ابراهيم اليازجي بن ناصيف اليازجي: ماسونيان، وإبراهيم هذا نعته المحافل الماسونية في القاهرة. وأسس جريدة (الضياء).
فارس نمر وصهره شاهين مكاريوس: صاحب جريدة (المقطم) اليومية، ومجلة (المقتطف الشهرية) وهما نصرانيان ماسونيان.
سليم تقلا: الذي اسس الأهرام (جريدة يومية) تصدر حتى يومنا هذا.
جورجي زيدان: صاحب دارالهلال وله مؤلفات كثيرة.
أديب اسحق: (مدير صحيفة (مصر) وسليم نقاش (مدير إدارة صحيفة التجارة) وهذان النصرانيان من الشام كانا يعملان بارشاد جمال الدين الأفغاني وهو الذي أسس هاتين الصحيفتين (16).
روزاليوسف: جاءت من الشام نصرانية ثم تظاهرت بالإسلام وسمت نفسها فاطمة اليوسف، ولكنها أصدرت المجلة باسمها القديم (روز اليوسف).
أحمد فارس الشدياق: ماروني اعتنق البروتستانتيه على يد البعثة الأمريكية، ثم جاء مصر وأصدر صحيفة (الجوائب )، ثم أسلم على يد باي تونس.

الفهرس


الأفغاني وعبده والكواكبي

ولا بد هنا أن نشير إلى ثلاثة من الدعاة ممن كانوا يتزيون بزي العلماء وهم مشهورون في العالم كله كدعاة إلى الوحدة الاسلامية مع أنهم في الوقت نفسه يهاجمون تركيا ويسعون إلى هدم صرح الخلافة. وهم:

الأفغاني: وكان يحتضن كثيرا من النصارى واليهود وكان طبيبه الخاص اسمه هارون يهوديا، وقد حضر موته هو ونصراني آخر اسمه (جورجي كونجي) وكان ينزل في لندن ضيفا على مستر (بلنت) البريطاني صاحب كتاب (مستقبل الاسلام)، وعندما حاول الخليفة منع الأفغاني من الخروج من تركيا توسط له السفير البريطاني وخرج. وكان الأفغاني رئيسا لمحفل الشرق الماسوني (17).

أما محمد عبده: فكان صديقا حميما لكرومر، وصرح كرومر بأن الشيخ عبده سيبقى مفتيا لمصر مادامت بريطانيا فيها، وكان ماسونيا ومن رواد صالون الأميرة نازلي فاضل، ومن تلاميذه: أحمد لطفي السيد العلماني الذي أعلن كفره البواح في صحيفته (الجريدة) وسعد زغلول. وقاسم أمين (صاحب كتاب تحرير المرأة) وهؤلاء كان لهم أثر عميق في مجرى الأحداث في مصر (17).

وعبدالرحمن الكواكبي: 0184- 1903 وأصدقاؤه وتلاميذه من المسلمين واليهود والنصارى. كانت دروسه في مقهى (سبلنددبار)، نادى بمبايعة خليفة عربي في كتابه (أم القرى) وله كتاب آخر اسمه (طبائع الاستبداد)، دعا إلى المساواة بين الأديان لتحقيق التماسك القومي. ويقول: ( دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم الأخرى فقط، دعونا نجتمع على كلمة سواء، ألآ وهي فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء)، (هذه أمم اوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري) (18).

هؤلاء الثلاثة كانت أفكارهم تمهيدا للعلمانية، فقد كانت اراؤهم قنطرة عبرت عليها العلمانية إلى العالم الاسلامي كما يقول البرت حوراني (20). وحطم الحاجز النفسي بين الكافرين والمسلمين، وأصبحت نفوس المسلمين قابلة لتقبل الأفكار الواردة وعلى رأسها القومية، يقول البرت حوراني: (ومن الحق أن الذي يقرأ لمحمد عبده في مناظراته مع رينان ومع فرح انطون يحس آنه كان يريد أن يقيم سدا في وجه الاتجاه العلماني يحمي المجتمع الاسلامي من طوفانه ولكن الذي حدث هو أن هذا السد قد أصبح قنطرة للعلمانية عبرت عليه إلى العالم الاسلامي لتحتل المواقع الواحد تلو الآخر) (21).

ثم جاء تلاميذ محمد عبده ليعمقوا هذا التيار وليقودوا المجتمع بعلمانتيهم.
فمثلا لطفي السيد: عمق الوطنية الاقليمية وتزعم الدعوة الى التاريخ الفرعوني.

وجاء سعد زغلول: وسلمه كرومر وزارة المعارف لينادي بالاتجاه الوطني الاقليمي الفرعوني على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ويقول كرومر: (بأني سلمته وزارة المعارف لأنه من تلاميذ الشيخ عبده). (22).

وجاء قاسم أمين: ليوضح العموميات ويفصل مجمل ما كان يدعو إليه الشيخ عبده وينادي بخل الحجاب ونزع الحياء من حياة المرأة حتى أن كتاب (تحرير المرأة) نال إعجاب الشيخ عبده وقد اطلع على مسودته هو وتلميذه لطفي السيد في جنيف سنة 1897 كما ذكر ذلك لطفي السيد وقاسم أمين (23)، ولذا تعزا الفصول الفقهية في الكتاب إلى الشيخ محمد عبده -كما يظن- لأن قاسم أمين لا علم له بهذه القضايا.
ويذكر في هذا المجال اسماعيل مظهر صاحب (مجلة العصور) وهو صهر لطفي السيد.

وكذلك لا بد من الاشارة إلى إصبع من أصابع التخريب وهو عبدالعزيز فهمي، صديق لطفي السيد الحميم، وصديقهم الثالث طه حسين الذي فصل من الجامعة بسبب كفره الصريح في (الشعر الجاهلي) فاستقال لطفي السيد من الوزارة ( وكان وزيرا للمعارف ) احتجاجا على فصل طه حسين من الجامعة المصرية (24).

هذه المجموعة قد فرغت الشعب المصري من الاسلام لتحل محله أفكارا جديدة من الفرعونية والعلمانية والوطنية اللادينية.
وقد تكون الصداقة الحميمة بين هؤلاء وبين الشيخ محمد عبده إن هي إلا محاولة لتقريب هذه الفئة من الاسلام، ولكنه لم يستطع بعد أن تساهل من أجل جذبهم في كثير من القواعد الشرعية التي تحدد الولاية والعداوة والصداقة والمقاطعة وأفتى بكثير من الفتاوي من أجل رفع الحواجز بينه وبين كرومر من جهة وبينه وبين هذه الفئة من جهة أخرى، مثل الفتوى الترنسفالية وفتواه في المرأة والطلاق والتعدد بالاضافة إلى تفسيره كثيرا من الآيات الغيبية في القرآن تفسيرا يكاد يخرجها عن اللسان العربي ويلغي مضمونها بالكلية.

جاء في تقرير كرومر سنة 1906 المقدم إلى الحكومة البريطانية - عن حزب محمد عبده (... وهؤلاء راغبون في ترقية مصالح مواطنيهم واخوانهم في الدين. ولكنهم غير متأثرين بدعوى الجامعة الاسلامية ويتضمن برنامجهم - إن كنت فهمته حق الفهم - التعاون مع الأوروبيين لا معارضتهم في ادخال الحضارة الغربية إلى بلادهم) (25). ويقول كرومر:(إني أشك كثيرا أن صديقي محمد عبده كان إلا إدريا) (25). ويقول صديقه بلنت الانجليزي:
(أخشى أن أقول أن محمد عبده - بالرغم من أنه المفتي الأعظم - ليس له من الثقة بالاسلام أكثر ممالي من الثقة في الكاثوليكية) (26).

وأصدق كلمة في محمد عبده وشيخه كلمة الشيخ مصطفى صبري شيخ الاسلام: (فلعل الشيخ محمد عبده وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الاسلام دور لوثر وكلفن- زعيمي البروتستانت - في المسيحية فلم يتسن لهما الأمر بتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر سعيهما على مساعدة الالحاد المقنع بالنهوض والتجديد) (27). ويقول شيخ الاسلام مصطفى صبري - كذلك (أما النهضة الاصلاحية المنسوبة إلى محمد عبده فخلاصتها أنه زعزع الأزهر من جموده على الدين فقرب كثيرا من الأزهريين إلى اللادينين خطوات ولم يقرب اللادينين إلى الدين خطوة، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر بواسطة شيخه جمال الدين الأفغاني. كما أنه هو الذي شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر) (28).

الفهرس


الدعوة القومية في بداية القرن العشرين

استطاعت شخصية عبدالحميد الفذة أن تجمد الدعوة إلى القومية خاصة وأنه رفع شعار (يا مسلمي العالم اتحدوا). وقبل نهاية القرن التاسع عشر عقد مؤتمر بال سنة 1897 الصهيوني، وقرروا انشاء وطن لليهود في فلسطين، وزار هرتزل السلطان عبدالحميد مرتين وعرض عليه مبلغ (150) مليون جنيه وانشاء اسطول عثماني والدفاع عن سياسته في أوربا وأمريكا وسداد كثير من ديون الدولة العثمانية، مقابل السماح لليهود بشراء بعض الاراضي في فلسطين. وكان جواب السلطان عبدالحميد قاطعا: (بأن قطع عضو من أعضائي أهون علي من أن تقطع فلسطين - من الدولة العثمانية).

فبدأت أجهزة البث تعمل ليل نهار ضد السلطان عبدالحميد، وقد أصبحت القاهرة وباريس أهم مراكز التآمرعلى السلطان، وقد أشرنا قبل قليل كيف عملت جميع القوى -تقريبا - في القاهرة ضد السلطان - حتى الدعاة المعروفون - أمثال الشيخ جمال الدين ومحمد عبده - على السلطان عبدالحميد. وتجمع في القاهرة كذلك شباب تركيا الفتاة - وهم من أعداء الله وأدعياء القومية الطورانية - تحركهم أصابع اليهودية في سلانيك وايطاليا وأسبانيا.

وأما دعاة القومية العربية فبالاضافة إلى نصارى الشام في القاهرة الذين تولوا توجيه الفكر في مصر كلها فهناك في المركز الآخر في باريس (29).
بعض النصارى السوريين ومنهم: نجيب عازوري.

نجيب عازوري: وهو نصراني سوري ألف سنة 1904 جمعية (عصبة الوطن العربي) في باريس. وكان هدفها الذي أعلنته تحرير الشام والعراق من السيطرة التركية، ونشر سنة 1905 كتاب (يقظة الامة العربية) باللغة الفرنسية وأصدر بالاشتراك مع الكتاب الفرنسيين مجلة (الاستقلال العربي) صدر العدد الأول منها ابريل سنة 1907 وتوقفت بعد اعلان دستور سنة 1908م. يقول ساطع الحصري: (إن القومية ابتدأت بنجيب عازوري الذي يضع آماله العربية السورية في فرنسة أولا وفي انجلترا ثانيا )، وكانت أعمال نجيب عازوري تمهيدا لمؤتمر باريس سنة 1913م.

مؤتمر باريس سنة 1913م: يكاد كثير من كتاب القومية العربية يعتبرون مؤتمر باريس أساسا للقومية الحديثة، وكان عدد المشتركين 24 عضوا نصفهم من المسيحيين ونصفهم من أبناء المسلمين، فيقول عنه أنيس الصايغ: بأنه كان خاليا من المطالبة بالاستقلال حتى لا تحرج بعض الدول الأوروبية التي كانت تشجع الحركة القومية وتمدها بالأموال. وقد صرح الزهراوي رئيس المؤتمر لمراسل الطان الفرنسية: بأنه ليس للمؤتمرعلاقة بولايات العرب غير العثمانية - أي الشمال الافريقي - لأن فرنسا تشرف على المؤتمر وهي تحكم الشمال الافريقي وشكر وزارة الخارجية الفرنسية ورفض المؤتمرون اشراك مصر في المؤتمر وقد طالبوا بجعل اللغة العربية رسمية في البلاد العربية. واضطرت الحكومة الاتحادية أن تفاوضهم وترضيهم بادخال 3 وزراء عرب وخمسة من الولاة عرب كذلك في سلك الدولة.

الفهرس


عوامل هامة في تطور الحركة القومية

هنالك عوامل هامة كان لها أثر كبير في تأجيج نار القومية العربية في الربع الأول من القرن العشرين ومن أهم هذه العوامل:

1- استلام جمعية الاتحاد والترقي الحكم: في تركيا بعد اسقاط السلطان عبدالحميد في 27 نيسان سنة 1909، وبدأت المناداة بالقومية الطورانية التركية، ومن فلاسفتها خالدة أديب -اليهودية - التي أصبحت فيما بعد وزيرة للمعارف. وكذلك ضياكوك ألب: وهو تلميذ اليهودي دوركايم وتلميذ اليهودي الآخر مويزألب (Moizalp).
ومن المعلوم أن قادة الاتحاد والترقي كلهم على الاطلاق من الماسون وليس منهم واحد مسلم الأصل أو تركي العرق. فانور بولندي، جاويد -يهود دونمة- كراسو - يهودي اسباني... وبدأت جمعية الاتحاد والترقي بفرض عملية التتريك على جميع المحافظات العربية وغيرها. ففرضت التركية في الدواوين والمدارس والمناهج.
وبدأت عملية التتريك كذلك في أجهزة الدولة وقد ظهر هذا واضحا في انتخابات مجلس النواب (المبعوثان) الذي انتخب على أثر إعلان الدستور سنة 1908 فأشرفت جمعية الاتحاد والترقي على الانتخابات لتكون النتيجة في جانب الجنس التركي فكانت النتيجة أن نجح 150 من الاتراك و 60 من العرب بينما العرب متفوقون في عدد السكان بنسبة 5: 2.
وفي غمرة الفرحة بتكبيل أيادي السلطان عبدالحميد أنشئت (جمعية الاخاء العرب العثماني) في 2 أيلول سنة 1908 بعد الدستور بشهر، فعاشت هذه الجمعية ثمانية أشهر ثم حلتها الجمعية الاتحادية.
وعملية التتريك الجبري على يد يهود الدونمة أدى إلى ردود فعل عنيفة لدى العرب بانشاء الجمعيات السرية والعلنية.

2 - تشكيل الجمعيات العلنية والسرية: التي تنادي بالقومية العربية وتنادي بفصل الدول العربية عن الاتراك ولو على الأقل الحكم الذاتي في داخل الدولة العثمانية يكون للعرب إدارة أمورهم الداخلية من تعليم واقتصاد وثقافة ومشاركة الدولة العثمانية في الأمور الخارجية كالدفاع وغيرها.
وقد تشكلت عدة جمعيات منها:

أ- العلنية: منها: 1 - جمعية المنتدى الأدبي في استانبول.
2- حزب اللامركزية الادارية العثماني وقد تأسس في القاهرة سنة 1912م.

ب- الجمعيات السرية: منها:

1- الجمع القحطانية: أسسها عزيز المصري، وكان أحد الضباط البارزين في الجيش ومن أعضاء جمعية الاتحاد والترقي واشترك في الأحداث سنة 1908- 1909 ضد السلطان عبدالحميد. وكان يحاضر في كلية الأركان، وهدف الجمعية تحويل الدولة العثمانية إلى مملكة ذات تاجين (تركي وعربي) مثل الأمبراطورية النمساوية (النمسا مع المجر). وكان الضابط (سليم الجزائري) يعين عزيز المصري في إدارة الجمعية.

2 - جمعيةالعربية الفتاة: أسست في باريس سنة 1911 على يد سبعة من أبناء المسلمين منهم عوني عبدالهادي وتوفيق التميمي، وهذه الجمعية مهدت لمؤتمر باريس سنة 1913م.

3- جمعية (العهد): أسسها عزيز المصري سنة 1913، وكل أعضائها من العسكريين عدا اثنين أحدهما عادل أرسلان. ورغم كل البطولات التي نسبت إلى عزيز المصري إلآ أن شخصيتة لا زالت غامضة لدي، وفي سنة 1914 اعتقل عزيز المصري في استانبول واتهم بتسليم برقة للطليان وتدخل السفير البريطاني في مصر (كتشز) لانقاذه، وكتبت التايمز أربع مقالات افتتاحية تدافع عنه وقامت ضجة كبرى في العالم العربي عندما حكم عليه بالاعدام، ولكن بالضغط البريطاني أخلي سراحه ووصل في 12 نيسان سنة 1914 إلى مصر مع استقبال شعبي رائع.

3- تولية جمال باشا واليا على بلاد الشام: وكانت خالدة أديب اليهودية أمينة سره. وقد اضطر جمال باشا أن يهادن العرب و يحسن إليهم في بداية الحرب الكبرى لئلا ينضم العرب إلى معسكر الحلفا ضد تركيا، وقد استلم جمال باشا قيادة الجيش الرابع في سوريا، وقد كان جمال باشا يحس بوجود التجمعات القومية السرية في بلاد الشام وكان يعلم أن العرب ضاقوا ذرعا بتصرفات الاتحاديين وبتعصبهم لتركيا.
فكان العرب يبحثون عن مخرج واتصل زعماؤهم بفرنسا. مما جعل جمال باشا يقتحم السفارة الفرنسية في كل من بيروت و دمشق ويضبط وثائق فيها تثبت اتصال قادة التنظميات والجمعيات العربية بفرنسا وتنادي بانفصال سوريا عن العثمانيين، إلآ أن جمال باشا أراد أن يغض الطرف عن القضية طمعا في وقوف العرب لجانب تركيا في الحرب.
وبعد احساس جمال بنية الشريف حسين بدخول الحرب ضد تركيا والى وجانب بريطانيا استشاط جمال باشا غضبا وأمر بإعدام 11 شخصية عربية في 12 آب سنة 1915 بعد المحاكمة العسكرية في عاليه.
وفي 6 أيار سنة 1916 شنق 21 شخصية عربية أخرى منهم عبدالحميد الزهراوي (رئيس مؤتمر باريس وعضو مجلس الأعيان التركي) وسليم الجزائري مساعد عزيز المصري في الجمعية القحطانية وكانت المحاكمة كذلك للمرة الثانية في عاليه.
ولقدأحدثت هذه الاعدامات هزة عنيفة في العالم العربي، ولقد نفذ جمال باشا الاعدام بعد توسط الشريف حسين وابنه فيصل إلآ أنه لم يصغ إليهما. وقد كان الأمير فيصل بن الحسين آنذاك في دمشق فرمى كوفيته على الأرض وداسها وقال (طاب الموت يا عرب) (30).

4 - العامل الرابع: دخول الشريف حسين الحرب العالمية بجانب بريطانيا ضد تركيا: فلقد بقي الشريف حسين في تركيا ستة عشرعاما إذ كان السلطان عبدالحميد يخشى منه، وبعد اعلان الدستور سنة 1908 اختارته جمعية الاتحاد والترقي ليكون أميرا لمكة وعارض عبدالحميد في هذا التعيين (31).
وقد كان اعلان الدستور في 24 تموز سنة 1908 بعد مؤامرة طويلة المدى يديرها أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الذين كان معظمهم من اليهود الدونمة أو الاتراك المتهودين الذين تلعب بهم أصابع الماسونية في محافل سالونيك وقد كانت الجمعية تعقد اجتماعاتها في بيوت اليهود المنتمين الى الجنسية الايطالية.
فقد كتب ستون وتسون يقول (32): (ان الحقيقة البارزة في تكوين جمعية الاتحاد والترقي انها غير تركية وغير اسلامية، فمنذ تأسيسها لم يظهر بين زعمائها وقادتها عضو واحد من اصل تركي صاف، فأنور باشا هو ابن رجل بولندي مرتد، وكان جاويد من الطائفة اليهودية المعروفة دونمة، وكراسو من اليهود الاسبان القاطنين في مدينة سالونيكا، وكان طلعت باشا من أصل غجري اعتنق الاسلام دينا، أما أحمد رضا أحد زعمائهم في تلك الفترة فكان نصفه شركسيا ونصفه غجريا الى جانب كونه من اتباع مدرسة كومت الفلسفية). ويضيف ستون وتسون قائلا: (إن أصحاب العقول المحركة وراء الحركة كانوا يهودا أو مسلمين من أصل يهودي وأما العون المالي فكان يجيئهم عن طريق (الدونمة) ويهود سالونيكا الاثرياء.... كما أنه كانت تأتيهم معونات مالية من الرأسمالية الدولية - أو الشبيهة بالدولية - من فينا وبودبست وبرلين وربما من باريس ولندن). ويقول هر برت أبري: (كان يهود سالونيكا ويعرفون (بالدونمة) - أي المرتدون- شركاء الثورة التركية الحقيقيين، وهؤلاء هم من العرق اليهودي، ولكن معتقدهم قد لا يكون يهوديا أصلا.
والاعتقاد الشائع بين الناس هو: أنهم مسلمون بالاسم، أما بالفعل فإنهم من اتباع توراة موسى... وفي تلك الفترة التي نحن بصددها لم يعرف أحد من الناس شيئا عنهم، سوى قلة من العلماء المختصين بدراسة الشرق الأدنى، ولم يكن أحد من الناس يجرؤ أن يتنبأ أن هذه اليهودية المعروفة (بالدونمة) ستلعب دورا رئيسيا في ثورة كان لها نتائج خطيرة في سير التاريخ (33).

وقد كان الشريف حسين يتلمس المناسبة للتخلص من الحكم التركي خاصة وأنه أحس أن الاتحاديين سنة 1914 يريدون التخلص منه. وكان عبدالله بن الحسين آنذاك نائبا في البرلمان التركي وقد اتصل بكتشنر (المعتمد البريطاني في مصر) ورونالدستورز المستشار الشرقي في دارالاعتماد البريطاني.
وأطلعه على النفور الشديد بين أبيه وبين الاتراك وسأله عن امكانية وقوف بريطانيا بجانب الشريف فيما إذا أعلن الشريف الحرب على تركيا إلآ أنه لم يلق أي تشجيع منهما وقال كتشنر: ليس من المحتمل أن تقف بريطانيا بجانب أبيك (34). (وكان الأمير عبدالله نفسه عضوا في إحدى الجمعيات السرية وكان مؤمنا بفوائد التفاهم الانجليزي العربي متحمسا له) (35). ونشبت الحرب الكبرى في أب سن 1914 وكان عبدالله متحمسا لاعلان الحرب على تركيا، بينما كان الأمير فيصل يرى الوقوف معها. وفي سنة 1915 زار فيصل دمشق واستانبول، وفي دمشق إنضم إلى جمعية (العربية الفتاة) وأقسم على نصرتها. وأعلن الشريف الحرب على تركيا يوم الاثنين 5حزيران سنة 1916 (وسبحان ربي! كانت هزيمة العرب في 5 حزيران يوم الاثنين سنة 1967) ومن جانب قبر حمزة بن عبدالمطلب بالمدينة أعلن الحرب بعد أن وعدته بريطانيا باستقلال بلاد العرب وبتتويجه ملكا عليها، وكان كتشنر قد أصبح وزيرا للحربية البريطانية واستلم مكماهون معتمدا بريطانيا في مصر، وحدثت المكاتبات المعروفة بينه وبين مكماهون و وعدوه بملك البلاد العربية بعد استقلالها.
واندفع الشريف حسين بكل طاقته يؤجح نارالحمية العربية ضد الآتراك وهزم الاتراك. وحصلت اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم البلاد العربية بين بريطانيا وفرنسا واعطيت فلسطين لليهود بوعد بلفور وكان الجزاء الجميل للشريف حسين أن نفته بريطانيا ست سنوات وسلبت ملكه، ولقد كانت الصدمة عنيفة لأعصاب الشريف حتى داهمه الفالج وذاب جسده حسرة وألما، وكان يصب جام غضبه طيلة حياته على مكماهون ولويد جورج - الوزير البريطاني المعروف. يقول جورج انطونيوس (36). (لقد زرته قبل موته بأشهر سنة 1931م وقد قلصه الفالج وابيض وجهه الوسيم من شحوب الموت... فقال لي: الانجليز يا ولدي قوم شرفاء، في أقوالهم وأفعالهم، في السراء والضراء، أقول: شرفاء، ماعدا صاحب السعادة الموقر الهمام لويد جورج فهو أشبه بالبهلوان وبالثعلب. أقول:ثعلب، حاشا مقامك رحم الله صاحب السعادة كتشنر). كانت هذه النتيجة الأسيفة الأليمة للتعاون مع الانجليز وصدق الله العظيم (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) (37).

ولقد حذر بعض الصادقين العقلاء الشريف حسين من مغبة غدر الانجليز ومن هذه الفاجعة المتوقعة فقد كتب شكيب أرسلان (38) إلى الشريف عندما بلغه عزم الشريف لغزو سوريا مع جيوش الحلفاء قائلا: أتقاتل العرب بالعرب أيها الأمير، حتى تكون ثمرة دماء قاتلهم ومقتولهم استيلاء انجلترا على جزيرة العرب وفرنسا على سوريا واليهود على فلسطين).
يقول لورنس في أعمدة الحكمة السبعة (لقد كنت أعلم اننا اذا كسبنا الحرب فإن عهودنا للعرب ستصبح أوراقا ميتة ولو كنت ناصحا شريفا للعرب لنصحتهم بالعودة إلى بيوتهم. لقد كان قادة الحركة العربية يفهمون السياسة الخارجية فهماعشائريا بدويا وكان البريطانيون والفرنسيون يقومون بمناورات جريئة اعتمادا على سذاجة العرب وصعفهم وبساطة قلوبهم وتفكيرهم ولهم ثقة بالعدو...إنني أكثر ما أكون فخرا أن الدم الانجليزي لم يسفك في المعارك الثلاثين التي خضتها لأن جميع الأقطار الخاضعة لنا لم تكن تساوي في نظري موت انجليزي واحد)، ويقول وايزمان (لقد قدم لنا لورنس خدمات جليلة)، هذا هو لورنس الذي كانوا يسمونه - ملك العرب غير المتوج.

وصلت جمعية الاتحاد والترقي الى الحكم واستراحت من الغول الرهيب الذي طالما أقض مضجعها وأرق أجفانها (عبدالحميد) وأصبحت تركيا الاسلامية دمية في يد اليهودية تحركها كيف شاءت وأنى ارادت. وأصبحت مقاطعاتها حمى مستباحا للذئاب الغربية من اعداء الاسلام وأصبح هذا المارد الجبار (الدولة العثمانية) يؤكل شلوا شلوا، وكما قال الشاعر:

رب في الفناء علوا وسفلا   واراني أموت عضوا فعضوا

فابتلع الغرب أولا دول البلقان النمسا والمجر والبوسنة والهرسك في تشرين الأول سنة 1908 (أي بعد تسلم الاتحاد والترقي) زمام الامور، وبعد اعلان الدستور بشهرين فقط وانفصلت بلغاريا واعتدت ايطاليا على ليبيا في خريف سنة 1911، ثم نشبت الحرب البلقانية سنة 1912، وفي هذه السنوات القلية فقدت الدولة العثمانية جميع ولاياتها في اوربا (ماعدا تراقيا الشرقية) (39)، وفقدت ذلك الجزء من ليبيا الذي يتألف من ولايتي طرابلس الغرب وبني غازي، ولقد انسحبت تركيا من ليبيا بمؤامرة خيانية مكشوفه لا تخفى على كل ذي عينين، ولا يفوتنا أن نذكر أن اليهود الايطاليين هم اساتذة المحافل الماسونية في سالونيك، وفي بيوت هولاء اليهود الايطاليين كانت تعقد اجتماعات جمعية الاتحاد والترقي، فليس كبيرا أن تعطي جمعية الاتحاد والترقي ليبيا هدية متواضعة الى ايطاليا كرد جميل على صنيعهم السابق الكبير. وفضلا عن هذه الخسارة فقدت كريت وكانت ميزانية تركيا تنوء بأعباء النفقات العسكرية.

الفهرس


القومية بعد الحرب الاولى

تعتبر وقفة العرب بجانب الحلفاء ضد تركيا المسلمة نقطة تحول كبرى في الفكر القومي والتجمع على اساس القومية. اذ لم يكن الانجليز يحلمون في يوم من الأيام أن يقف العرب بجانبهم ككفار ضد بني دينهم وعقيدتهم. يقول لورنس (40) ( رجل المخابرات البريطاني وملك الصحراء العربية كما يسمونه ): (وأخذت افكر طيلة الطريق إلى سوريا وأتساءل هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقاد الوطني المعتقدات الدينية؟ وبمعنى أوضح هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والالهام وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني).

ويعتبر الغرب هذا الموقف نقطة تحول الى مرحلة جديدة في التفكير القومي. كتبت الايكونومست في حزيران سنة 1962 تحت عنوان (الاسلام ضد القومية ) (41) مايلي: (لقد وضع العرب منذ الحرب العالمية الأولى القومية في المكان الأول حين قاتلوا بجانب الانجليز الكفار - من أجل التحرر من المسلمين الأتراك. وباستثناء البقية الهزيلة من الاخوان المسلمين فليس هناك في العالم العربي اليوم اناس ذوو تفكير سياسي يضعون مجتمع الدول الاسلامية فوق قوميتهم العربية).

ولكن بعد الحرب الأولى وإن كانت التجربة القومية مريرة إلا أنه برز عامل جديد وهو: جثوم الاستعمار بثقله على كاهل العالم العربي وأصبح هذا العامل وترا جديدا يعزف عليه دعاة القومية ومفكروها، خاصة بعد ازدياد الهجرة اليهودية إلى فلسطين وقيام ثورة سنة 1936 الفلسطينية. فهناك نقاط بارزة مابين الحربين الأولى والثانية أدت الى ازدياد التفكير القومي أهمها:

1- الاستعمار البريطاني والفرنسي وقد نقل معه:
أ- العلمانية (اللادينية) إلى أجهزة الدولة ورفع الطبقة الممزقة اجتماعيا، المتفلتة أخلاقيا، المستعدة للنفاق وايقاد البخور واشعال الشموع للحاكم الجديد.
وأصبحت هذه الطبقة هي المستعمر الجديد وإن كانت من ابناء المنطقة.
ب - المناداة بالأفكار القومية كبديل للاسلام وكأساس للتفكير والتجمع، والتنفير من الاتجاه الديني وأخذ العبرة من التاريخ الأسود المرير لرجال الدين في العصور الوسطى في أوربا.
ج- أصبح نغم التحرر من الاستعمار مادة دسمة للطبقات الناقمة على الاسلام والتي تريد أن تجعل من بعض فترات الحكم التركي صورة للاسلام، الذي يمثل الجمود والتأخر والانحطاط!؟؟

2 - اسقاط الخلافة على يد مصطفى كمال اتاتورك وماتبع ذلك من تفكير جدي بانشاء تنظيم حركي اسلامي لاعادة الخلافة وقيام حركة (الاخوان المسلمين) على يد حسن البنا.

3 - بروز التفكير القومي على شكل تنظيمات يقودها النصارى وبرز حزب البعث، والقوميون العرب، والقوميون السوريون على السطح، وكانت الجامعة الأمريكية محضنا دافئا لكثيرمن هذه الأفكار.

الفهرس


حزب البعث العربي الاشتراكي

تكون حزب البعث العربي الاشتراكي من حزبين:

1- حزب البعث العربي: وقد أسسه الأرسوزي وعفلق.

2 - الحـزب العـربي الاشتراكـي: الذي أسسه سنة 1938 عثمان الحوراني ثم آلت قيادته إلى أكرم الحوراني. وقد انضم أكرم الحوراني سنة 1936 إلى الحزب السوري القومي وانسحب منه سنة 1938 لينضم إلى حزب الشباب العربي الاشتراكي.

وفي 26/1/1952 انضم الحزبان الأول والثاني فكونا حزب البعث العربي الاشتراكي.

حزب البعث العربي: اختلف في المؤسس فمنهم من قال ميشيل عفلق وصلاح البيطار، ومنهم من قال زكي الأرسوزي، إلا أن حركة 32 شباط التي عملها صلاح جديد النصيري سنة 1966 في سوريا أحلت الأرسوزي أبا روحيا للحزب.

والبعث هو وارث (عصبة العمل القومي) وهي عبارة عن نواة تنظيمي كل من عفلق والأرسوزي، وقد بقيت هذه العصبة من 1932-1939.

سنة 1939 انسحب الأرسوزي منها وشكل الحزب (القومي العربي).

زكي الأرسوزي: رجل نصيري، ملحد، لا يتكلم العربية متأثر بمباديء الثورة الفرنسية وبالنازية خاصة كتاب نيتشه (هكذا تكلم زرداشت عن موت الإله ونشوء الانسان السوبرمان)، بدأ يتعلم العربية بعد سنة 1940، وكان الأرسوزي يرى الجاهلية العربية مثله الأعلى ويعتبرها المرحلة العربيةالذهبية.
يقول سامي الجندي ( ناقشته سنة 1946 بالقرآن فعاب علي نزعتي الدينية) (43): ( مباديء حزب البعث المنقولة عن مبادئ الحزب القومي الذي شكله الأرسوزي سنة 1939 رمزه النمر: 1- العرب أمة واحدة. 2 - للعرب زعيم واحد يتجلى من إمكانات الأمة العربية يمثلها ويعبر عنها. 3 - العروبة وجداننا القومي. مصدر المقدسات، عنه تنبثق المثل العليا، وبالنسبة إليه تقدر قيم الأشياء. 4- العربي سيد القدر، وفسرها الارسوزي مستشهدا بالانجيل (لا تسقط شعرة من رؤوسكم إلا بأمر أبيكم الذي في السموات). يقول الجندي (44): ( وفي 92/11/1940 كنا في غرفة، فقال الأرسوزي: أرى أن نؤسس حزبا نسميه حزب البعث العربي). أصبحت مبادئ الحزب القومي هي مبادئ حزب البعث العربي هي هي (45).

ويقول سامي الجندي: (كنا عصاة تمردنا على كل القيم القديمة، أعداء لكل ماتعارف عليه البشر، الحدنا بكل الطقوس والعلاقات والأديان) (46).
(اتهمنا بالالحاد وكان ذلك صحيحا أيضا رغم كل مازعم البعثيون فيما بعد من مزاعم التبرير) (45).

أما مشيل عفلق: فكان متأثرا بنت‏شه (Andray Geed) واندرية وجيد، أعطاه الأول الثورة والثاني الأسلوب، وغذيا فيه القلق الذي وسم حياته السياسية بالتأرجح والتردد.
كان عفلق كسولا في مظهره، كان الحزب تعبيرا عن انسانيته فتجلت في الحزب منذ الأيام الأولى مواهبه وضعفه، وفي عفلق طيب الفنان وعصبيته وقرفه وسوء ظنه، إن تناقض عفلق قتل الفنان ولم ينقذ السياسي (46).
في آذار سنة 1949 جاء حسني الزعيم فأيده البعث، ثم اختلفوا، فالقى بمشيل عفلق في السجن، فكتب مذكرة استعطاف له فخرج، ثم جاء الحناوي بعد حسني الزعيم فاختار ميشيل عفلق وزيرا للمعارف فاغتنمها فرصة ليرسل البعثيين في بعثات دراسية الى فرنسا، فعادوا واستلموا الجامعات والادارات.

كان الصراع على أشده بين قادة الحزب حتى أنه في انتخابات سنة 1955 للمؤتمر القطري كانوا يقولون: (عفلق جاسوس انجليزي والحوراني فرنسي والبيطار عميل لأكثر من دولة ) (47). أما الاتهامات بالسرقة والجرائم الخلقية فحدث عنها ولا حرج.

وهنا نسجل بعض الملاحظات:

1- لقد كان الحزب مأوى يتجمع فيه كل الناقمين على الاسلام أوالطامعين في الحكم: فانتبه النصيريون إليه ودخلوه ليكون سلما إلى دولتهم النصيرية، ودخل فيه الاسماعيليون مثل سامي الجندي وعبدالكريم الجندي.
والدروز: مثل سليم حاطوم، واليهود: مثل أحمد رباح الذي كان رئيسا للحزب في دمشق، وإيلي كوهين (48): ضابط المخابرات الاسرائيلي الذي ذهب إلى الأرجنتين وأقام صداقة مع أمين الحافظ ثم دخل سوريا باسم (كامل أمين ثابت) وسكن حي (أبورمانة) في دمشق، وأصبحت شقته الحصن الحصين الذي يأوي إليه قادة البعث، وفوق أسرة كوهين شرب نخب النصر سليم حاطوم وعبدالكريم زهرالدين يوم الانقلاب البعثي (8 آذار 1963)، وعرضت على كوهين الوزارة واستشار بن غوريون رئيس وزراء اسرائيل فلم يوافق. وكان يسمى الشاب الثوري الأول، وكان الشخص المدني الوحيد الذي يدخل المطارات والقواعد العسكرية، وأخيرا اكتشفت السفارة الهندية أنه يهودي من خلال الاشارات اللاسلكية التي يرسلها الى اسرائيل يوميا، وكانت فضيحة عالمية وحوكم كوهين وكان الذي يحاكمه هم تلاميذه وربائب حجره - ولعله وعد بأن يخلي سراحه إذا أخفى مصائب الحزب البعثي الحاكم.. وكان سليم حاطوم هو رئيس المحكمة العسكرية التي حاكمته وبسرعة فائقة طويت القضية وأعدم كوهين ليطوي في صدره مآسي ونكبات الصبية البعثيين الذين تديرهم اليهودية العالمية من خلال المرأة والكأس.

2- إن المؤسسين لحزب البعث ليسوا مسلمين أصلا: فزكي الأرسوزي نصيري ملحد، وميشيل عفلق نصراني - قيل أنه يوناني الأصل.

3- إن مبادئ حزب البعث كفر صريح: (العروبة مصدر المقدسات عنه تنبثق المثل العليا، وبالنسبة إليه تقدر قيم الأشياء، العربي سيدالقدر)، المثل العليا هي العروبة وليس الاسلام أو القرآن والسنة.وكان أتباع البعث الأوائل ملحدين، أعداء للأديان جميعا. (لقد كنا خوارج على الشرائع التي تعارف عليها الناس فنسفناها جمعيا) (49).

5 - إن الحزب رغم إدعائه القومية والوطنية لم يعد دراسة عن القضية الفلسطينية: (49) أخطر قضية عربية في العصر الحديث.

6- لقد تسلق النصيريون على سلم البعث: فاستطاعوا أن يستلموا البلد عسكريا ومدنيا، وفي 32 شباط سنة 1966 قام صلاح جديد - النصيري بحركته التصحيحية - أي إقصاء عناصر اهل السنة من مراكز القوى، وفي سنة 1970 عندما جاء حافظ الأسد جعل الدولة نصيرية خالصة.

7 - إن الأحزاب القومية ليس لها أيديولوجية (عقيدة): تجاه الكون والانسان والحياة ولذا بقيت إطارا فقط دون مضمون ولذا اضطرت أن تملأ فراغها العقائدي بالماركسية والاشتراكية، ولذا فإن الأحزاب القومية كلها أصبحت:- (عربية الإطار والمظهر، شيوعية الحقيقة والمخبر) وهذا الذي أقر به جلال السيد في كتابه (حقيقة القومية العربية ) (50): بأن هنالك تيار عفوي قام بصياغة المواضيع الاقتصادية، لأن الرواسب قد أطلت تحت ستار التقدمية والاشتراكية، وبأن الشيوعية هي حقيقة هذا التيار.

8 - لقد انتحر الحزب بمجرد وصوله إلى الحكم: ولقد انتقد ميشيل عفلق سنة 1965 في سوريا تسلط العسكريين على الحزب وإقصاء المدنيين من اللجان المركزية للحزب، فطرد عفلق بل حكم عليه بالاعدام هو والمؤسس الآخر صلاح البيطار، ثم لوحق البيطار حتى اغتالته النصيرية في باريس سنة 1981، وأما عفلق فقد احتضنه البعث العراقي بعد وصوله إلى الحكم في انقلاب 1968 على عبدالرحمن عارف. فجاء به تلميذه صدام حسين الذي أصبح نائبا لرئيس الجمهورية ثم بالتالي رئيسا لجمهورية العراق.
وقد سئل الرئيس صدام حسين - في مقابلة صحفية له طبعت ووزعت في الأردن سنة 1981. ما علاقتك بمشيل عفلق؟ فرد صدام: (علاقة الابن بأبيه ولولا ميشيل ما كان صدام شيئا). ومن المعروف أن صداما كان حارسا خاصا لميشيل عفلق من بداية الستينات. وكان ميشيل يستعمله لتصفية خصومه السياسيين. وفي سنة 1979 صفى الرئيس صدام حسين - منذ الأيام الأولى لحكمه - معظم قادة الحزب لمعارضتهم المبدئية لرئاسته. وكتب عن مأساة الحزب بعض قادته مثل الدكتور منيف الرزاز (التجربة المرة) ومطاع الصفدي (حزب البعث مأساة المولد ومأساة المصير).
لقد انتهى الحزب في سوريا اذ تسلق عليه النصيريون ثم قتلوه، وأصبحوا يتفكهون بالتعدي على كل الأديان والقيم والمبادئ. فاستعانوا أولا بذراري المسلمين الداخلة في حزب البعث ثم صفوهم تدريجيا. وأصبح الكفر هو شعار الدولة في كل الأجهزة: كتب ابراهيم خلاص في مجلة جيش الشعب السورية 25/4/67 (والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هي خلق الانسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن أن الله والأديان والاقطاع ورأس المال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمي محنطة في متاحف التاريخ).(51). وقال شفيق الكمالي يمدح صداما: (تبارك وجهك القدسي فينا كوجه الله ينضح بالجلال)، وعندما دخلت قوات البعث حماة سنة 1964 كانت تهزج قائلة: (هات سلاح خذ سلاح دين محمد ولى وراح)، وفي سنة 1980 خرجت سرايا الدفاع والحزبيوين يهتفون (يسقط الله)، (الأسد ربنا)، (لا إله إلا الوطن ولا رسول إلا البعث) (52). وأما النصيريون فكانوا يهتفون في جسر الشغور (لا إله إلآساجي - بن سليمان المرشد -).

9 - لقد ابتداء حزب البعث مع بداية الحرب الثانية 1939: وكانت النازية والفاشستية تملأ برنينها العالم ولذا فقد تأثر.. فمثلا زكي الأرسوزي متأثر بنيتشة فيلسوف النازية خاصة كتابه (هكذا تكلم زرداشت عن موت الإله....)، وأما عفلق فهو متأثر كذلك (بنيتشه) وجيد. فجاءت أفكارهم تلخيصا للالحاد والقلق الذي كان يعاني منه نيتشه الذي كان يسمي النصرانية (دين الكلاب العرجاء) (53).
وأهم سمات فلسفة نيتشة تتلخص في ثلاث نقاط:

1- الالحاد.

2- ان فكرة القيامة هي التي جعلت من النصرانية (أخلاق عبيد) إذ أن حقد الضعفاء تجاه الأقوياء جعلهم يوحون لهم بفكرة الآخرة فاستسلم الأقوياء للأساطير وعم ظلام النصرانية العالم.

3 - اليأس والقلق: اللذان هما شرطان دائمان للعظمة الانسانية (54).

وإليك مقارنة بين كلام عفلق وكلام النازية والفاشستيه(55):

1 - (البعث قدر الأمة العربية) يقابل كلام موسوليني (الفاشستية هي قدر الأمة الايطالية) وهو الحق الالهي عند هتلر، وهو نفس كلام تروتسكي (ان الحزب الشيوعي لا يخطيء لأنه تجسيد للحتمية التاريخية).
2- (ان عقيدة البعث لا يمكن الوصول إليها بالعقل ولكن بالايمان وحده) يقابل كلام موسوليني (الفاشستية لا تناقش إنها تدرك بالاحساس).
3- (ان القدر الذي حملنا رسالة البعث أعطانا الحق في أن نأمر بقوة ونتصرف بقسوة)، وهو نفس كلام موسوليني (ان القدر الذي حملنا رسالة الفاشستية أعطانا الحق في أن نأمر بقوة، ونتصرف بقسوة).
4 - (ان البعث هو الطليعة،وعلى الجماهير أن تمشي وراءها) وهو نفس كلام موسوليني (ان الفاشستية هي حكم الصفوة المختارة وعليها أن تقود الجماهير).

الفهرس


الانقلابات العسكرية والقومية

ان الأفكار الجديدة لابد لها من قيادات عسكرية تفرض أراءها بالقوة وتستبدل القومية والاشتراكية بالاسلام. ولذا فقد أوصت الدوائر الغربية في بلادنا، والمستشرقون بوجوب المجيء بقيادات شابة عسكرية يفرض من خلالهم ما يريد الغرب من مبادئ. يقول قسطنطين رزيق(56): (إن العرب لابد لهم في عهدهم الجديد من قيادة قديرة وتقدمية وأن عليهم أن ينبذوا من تقاليدهم العناصر الرجعية، وعندئذ فقط تستطيع الطائفة المستنيرة أن تواصل كفاحها ضد العناصر الرجعية بالتعاون مع الغرب). ويقول جب (57): (ان نجاح التطور يتوقف إلى حد بعيد على القادة والزعماء في العالم الاسلامي وعلى الشباب منهم خاصة).
وفكرة القومية قضية جذابة براقة تستطيع أن تخدع الجماهير بسهولة باسم التحرر والتقدم والوطنية. يقول جب(58): (إن الاسلوب الذي استطاعت به طبقة المتغربين تأمين قبضتها الثابتة على السلطة في الدولة.... فالقومية هي فكرة غربية تماما).

ومن المعلوم أن العسكريين لا علم لهم بادارة الأمم ولا رعاية الشعوب ولا سياسة الجماهير ولذا دارالبلاد من خلالهم. لقد وصف (ستيف ميد) المبعوث من وزارة الخارجية الأمريكية - فئة العسكر لانقلاب سنة 1952 في مصر وصفا دقيقا يصلح لكل العسكريين فيقول: ( إن هؤلاء الأولاد يظنون أنفسهم أعضاء عصابة (روبين هود) الهزلية وهم فرحون بأنهم يحملون صفة (أبطال الثورة) ولكني لم أجد واحدا استطاع أن يشرح لي ما هو هدف هذه الثورة... إنهم لا يهتمون بالسياسة.. ولعل هذا من حظنا نحن وعبدالناصر معنا... انهم بحاجة إلى من يقول لهم ماذا يفكرون ويعملون)(59). ولقد سأل بعض ضباط الجيش عبدالحكيم عامر-غداة اطلاق النار على عبدالناصر في ميدان المنشية- سنة 1954 عما حققته الثورة وأسباب الحادث فقال في صراحة: (انه لا يعرف شيئا عما تحققه الثورة، وأن جمال هو الذي خطط ونفذ وهو الذي يعرف خطوات المستقبل) (60). ويقول مورو بيرجر في كتابه (العالم العربي اليوم): (ان النخبة العسكرية في الشرق الأدنى في مصر والسودان والعراق وتركيا وإيران وباكستان كانت عوامل هامة في جلب التغيير... فأصبح العرب متغربين بدون أن يتكلفوا الذهاب إلى أوربا). يقول مايلزكوبلاند (61): (ان عبدالناصر لو لم يكن قد ولد فإن لعبتنا كان عليها أن تخلقه) أي تربي حاكما دكتاتوريا مثله...

ولذلك فإن مناداة عبدالناصر بالقومية سنة 1954 كان باشارة أمريكا كما بين ذلك مايلز كوبلاند - رجل المخابرات الأمريكي- ولقد كان لمناداة عبدالناصر بالقومية أثرا بالغا في العالم العربي، وما كان للقومية أن يكون لها هذا الانتشار لو لا مصر وزعيمها، ولقد مهد عبدالناصر لإنتشار القومية ونجاح البعث وتغلغل الشيوعية وانحسار الاسلام من المنطقة كلها. ولكن الأفكار التي فرضت على المنطقة بالقوة اجتثت من فوق الأرض - كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار- كما يقول برنارد لويس: (إن أخذ أي نظام سياسي جاهز ليس فقط من بلد مختلف بل من حضارة مختلفة وفرضه بواسطة الغربيين أو الحكام المتغربين في الشرق عمل خاطئ، فلقد فرضت الديمقراطية بأوامر وفرامانات الحاكم المطلق... فكانت النتيجة قيام نظام لاصلة له بماضي أو بحاضر البلد ولا صلة له بحاجات مستقبلة) (62).

ولقد نادى كوك ألب بفصل الدين عن لدولة (علمانية الدولة) ونادى بوجوب أخذ مدنية الغرب بحذافيرها مع الاحتفاظ بالثقافة القومية، أو بعبارة أدق و يريد اقصاء الاسلام نهائياعن الحياة مع عدم السماح للناس أن يسموا هذا العمل إلحادا أو زندقة، بل على الناس أن يسموا هدم الاسلام اسلاما. ويعتبر الغربيون كوك ألب (واضع الأسس النظرية للدولة التركية الحديثة) كما يقول هار ولد سمث (63).

الفهرس


القومية التركية

(الطورانية)

لابد قبل أن نغادر جميعة الاتحاد والترقي: وهي جمعية شكلها شباب تركيا -تركيا الفتاة- أن نقف هنيهة عند القومية التركية.

لقد بذرت البذور الأولى للقومية التركية في داخل الأكاديمية العسكرية في استانبول مع الأساتذة العسكريين الألمان الذين وفدوا إلى الكلية ليدربوا الأتراك الذين كانوا بحاجة الى جيش قوي مدرب على وسائل القوة الحديثة وأساليب القتال العالية، خاصة وأن تركيا تقابل العالم بأسره يرميها عن قوس واحدة فقد وصلت بعثة عسكرية ألمانية سنة 3881 يرأسها الكولونيل (فون درجولسن) (64) وبقي يعمل قرابة ثلاث عشرة سنة تمت خلالها بذرة القومية.

وأما العامل الثاني لنشوء القومية الطورانية هو: هجرة اللاجئين المجريين والبولنديين إلى تركيا بعد فشل ثورتهم سنة 8481، واعتنق هؤلاء الاسلام وأصبحوا من الطبقة المتنفذة في الدولة، ومن بين هؤلاء (قسطنطين بورزيسكي): وقد سمى نفسه بعد ذلك مصطفى جلال الدين باشا، فلقد كان هذا الرجل هو رأس الأفعى القومية التي نقلت سمها الى عقول ونفوس الاتراك. يقول برناردلويس. (ولقد عمل يورزيسكي على نقل القومية البولونية ووضعها في قالب تركي. وساعده على هذا العمل ما عرضه من أعمال المستشرقين الغربيين الباحثين في الشئون التركية... وكان لها تأثير هام في تقدير التاريخ التركي القديم، والاعتقاد بالهوية المميزة) (65).

ولا يفوتنا أن نعود فنذكر بأن جمعية الاتحاد والترقي كلهم ماسون (يهودية عالمية) وأن يهود سالونيك هم اليد المحركة لهذه الجمعية وهم داخلون فيها.
ونعود مرة أخرى فنذكر بكلام ستون وتسون (إن الحقيق البارزة في تكوين جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير اسلامية) (66)، فأطاحت بعبدالحميد وبتركيا وبالاسلام. ولقد كان لهذه الدعوة الى القومية التركية أثرا سيئا انعكس في نفوس الشعوب الاسلامية التي تخضع للسيادة العثمانية وبدأوا يطالبون بالاستقلال ويشكلون الجمعيات السرية لمحاربة تركيا خاصة بعد السلوك المشين الغريب الذي سارت عليه جمعية الاتحاد والترقي وعلى رأس هذه الشعوب العرب: الذين اتخذوا من هذا السلوك مبررا للوقوف بجانب بريطانية ضد الأتراك في الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، وكان لها من النتائج الوخيمة على العالم الاسلامي. يقول توينبي(67): (ان الضباط في تركيا الحميدية هي الطبقة الوحيدة التي استطاعت أن تفتح نافذة فكرية دائمة تنفذ عن طريقها التأثيرات الغربية لذلك، ففي سنة 1908 وبعد ثلاثين عاما من حكم استبدادي مظلم كان الجيل التركي الجديد من العسكريين هو رأس الحربة في هجوم الليبرالية الغربية على تركيا).

مقارنة بين القومية الطورانية والقومية العربية:
لقد التقت القومية الطوروالعربية على أشياء أهمها:

1- ان الغرض من كل منهما هو القضاء على تركيا المسلمة، وعلى السلطان عبدالحميد بالذات.

2- لقد بدأت القوميتان في وقت واحد تقريبا، وإن كانت القومية العربية قد تقدمت قليلا على الطورانية.

3- القوميتان علمانيتان اتفقتا على استبعاد الاسلام عن الحياة.

4- إن كلا من القوميتين نشأتا في محاضن أجنبية، فالقومية العربية نشأت في المحاضن الأمريكية وفي الجامعة الأمريكية، بينما الطورانية نشأت في المحافل الماسونية اليهودية التي يشرف عليها اليهود الاسبان والبولنديون والايطاليون.

5- إن الرواد الأوائل لكل من الدعوتين لم يكونوا مسلمين أصلا ولا من الجنس الذي يدعون إلى قوميته، فمثلا (بورزيكي) الذي سمى نفسه مصطفى جلاالدين - بولندي الأصل- عمل على نقل القومية البولندية وصبها في قالب تركي، ومنذ تأسيس جمعية الاتحاد والترقي لم يظهر بين زعمائها وقادتها عضو واحد من أصل تركي صاف، فأنور باشا- بولندي مرتد- وجاويد من الطائفة اليهودية (دونمة) وكراسو (من اليهود الاسبان) في سالونيك، وطلعت باشا من أصل غجري،وأما أحمد رضا- فنصفه شركسي ونصفه مجري ومتأثر بكومت(68)، والرواد الأوائل للقومية العربية كانوا جميعا من غير المسلمين من بطرس البستاني، وناصيف وابنه ابراهيم اليازجي، والشدياق، وأديب اسحق ونقاش وشميل وتقلا وصروف وزيدان ونمر ومشاقة. كل هؤلاء على الاطلاق من النصارى، ثم جاء القرن العشرين وكان من قادتهم: زكي الأرسوزي وميشيل عفلق - قادة البعث. وانطون سعادة وجورج عبدالمسيح من قادة الحزب القومي السوري، وجورج حبش من قادة القوميين العرب. يقول الكاردينال بريتولي للبابا: (69) (إن النصرانية في الشرق هي التي زرعت الحرك الثورية وحركات التغيير، وإن أسماء ميشيل عفلق وأنطون سعادة وجورج حبش قد تفسرلك ما أعنيه).

6- إن الأصابع الماسونية - اليهودية- كانت تحرك طلائع الحركتين، بل لقد نمت الفكرة وترعرعت في المحافل الماسونية، فالخمسة الأوائل الذين أنشأوا (جمعية بيروت السرية) كلهم من الماسون، وكذلك كل الذين نادوا بالطورانية هم من الماسون.

7 - هنالك بعض الرؤوس المدبرة للاطاحة بالاسلام في تركيا انتقلت لتواصل عملها في القاهرة. فمثلا عزيز المصري كان في جمعية الاتحاد والترقي ثم أنشأ (الجمعية القحطانية) و(جمعية العهد)، والحاخام اليهودي في استانبول - ناحوم حايم- انتقل إلى القاهرة بعد اسقاط الخلافة في تركيا، ولقد كان لهذا الحاخام تأثير في السياسة المصرية. فلقد كان العقاد محروما من جائزة العلم لفترة طويلة وذات يوم زار ناحوم حايم فأعطى العقاد جائزة العلم في اليوم التالي من قبل عبدالناصر. وكذلك اسماعيل أحمد أدهم(70). جاء من تركيا إلى مصر وألف كتاب (لماذا أنا ملحد) وأسس (المجمع الشرقي لنشر الالحاد) وكانت مجلة العصور لاسماعيل مظهر تنشر أراءهم.

8- تأثرت القومية العربية بالنظريات السياسية الأمريكي، وتأثرت الطورانية بالثورة الفرنسية. يقول فيليب حتى(71): (كان من نتيجة الاحتكاك بين العقلية السورية والنتاج الفكري الغربي أن تولدت مبادئ القومية العربية الشاملة، واستمدت وحيها بالأكثر من النظريات السياسية الأمريكية، بخلاف القومية التركية التي جاءت متأخرة عن العربية والتي استمدت الهامها من مبادئ الثورة الفرنسية).

9- لقد كانت الأصابع اليهودية بارزة في القومية التركية، ولا زال اليهود يحرصون على ربط العرب بقوميتهم. كتب سفير بريطانيا في الاستانه (لاوثر) إلى وزير خارجية بريطانيا (هادينغ) بتاريخ 29/5/1910 يقول: (في سالونيكا مقر حركة الاتحاد والترقي تركيا (تركيا الفتاة) يسكن حوالي 140 الفا من اليهود، (80) ألفا من أصل أسباني و (20) الفا من طائفة سبط اللاوي- اللاويين - وهم يهود تظاهروا بالاسلام، ومعظم هؤلاء اليهود الاسبانيون الأصل قد حصل في الماضي على الجنسية الايطالية، وهم ماسونيون ينتمون إلى المحافل الايطالية، فاليهودي لوزاتي وسونتيو من رؤوساء الوزارة، وغيرهما من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب هم أيضا فيما يظهر من الماسونيين، وهم يزعمون بأن محافلهم الماسونية هي فرع من المحفل الاسكتلندي القديم وتبع طقوسه، وقبل بضعة أعوام اسس (عمانوئيل قراصو) وهو يهودي ماسوني من سالونيكا ويمثل الآن مدينة سالونيكا في مجلس المبعوثان العثماني (وهو المجلس النيابي الذي يمثل كل الطوائف والطبقات من رعايا الدولة العثمانية مسلمين كانوا أو غير مسلمين) بالتعاون مع الماسونية الايطالية محفلا في سالونيكا سمي (بالمحفل المقدوني).

ويبدو أن قراصو قد اقنع رجال تركيا الفتاة ضباطا ومدنيين بالانتماء إلى الماسونية، وهدف من ذلك فرصة النفوذ اليهودي - غير المستساغ- على الأوضاع التركية الجديدة، وإن كان يتظاهر بانه انما يريد مساعدة رجال تركيا الفتاة في تضليل جواسيس السلطان عبدالحميد ومنحهم الأمن في محفله الماسوني لأن هذا المحفل الماسوني ينعقد في بيت أجنبي يتمتع بالحصانة الممنوحة للأجانب في الدولة العثمانية ضد الملاحقة والتفتيش، وقد عملت الماسونية على رفع رمزي بك - وهو يهودي ماسوني - تظاهر بالاسلام إلى مركز رئيس أركان حرب السلطان محمد رشاد، وعند ما نقل السلطان عبدالحميد عين أخ لرمزي مشرفا عليه) (72).
أما حرص اليهود على بقاء الشعور القومي لدى العرب فهو ظاهر خوفا من عودة العرب إلى الاسلام. يقول أبا إيبان (73) - كان وزيرا لخارجية اسرائيل - في محاضرة له في جامعة برنستون/ أمريكا: (يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبة المد الاسلامي بعد الهزيمة الأخيرة، وفي ذلك الخطر الحقيقي على اسرائيل، ولذا كان من أولى واجباتنا أن نبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي).

الفهرس


حكم الاسلام في القومية العربية

جاء الاسلام منذ اليوم الأول للبشرية بمبادئ جديدة يتجمعون عليها. ويلتقون في ظلها، وجاء لينقل الانسان نقلة بعيدة فيرتفع به من التراب والطين إلى العقيدة والدين، وجاء ليقر الحق ويبطل الباطل. ويعطي كل ذي حق حقه وعلم الناس أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله. (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وان تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) (74).

جاء الاسلام ليقيم العدل في الأرض. فقد قال عبدالله بن رواحة لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم: (والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم، على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض) (75).

وعندما سرق بنو أبيرق (طمعة أوبشير) درعا وسلاحا وطحينا من بيت (رفاعة بن زيد) ثم كادت السرقة تظهر عند طعمة فألقى طعمة السلاح في بيت آخر -جاء في بعض الروايات أنه يهودي، وكاد الرسول صلى الله عليه وسلم يصدق أن السارق هو اليهودي واسمه -زيد بن السمين- نزلت عشر آيات من السماء تبرئ زيد بن السمين اليهودي، وتثبت السرقة عند المنافق الذي يظهر الاسلام وهو طعمة بن أبيرق الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاءته الشكوى: (عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم اسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير ثبت ولابينة) (76).

وجاء الاسلام ليخرج الناس من حياة الحيوان التي يكون تجمع القطيع فيها على الكلأ والحظيرة إلى التجمع على أساس العقيدة والمبادئ، ونزل القرآن يلعن أبالهب- عبدالعزى بن عبدالمطلب - عم الرسول صلى الله عليه وسلم الهاشمي القرشي، ويرفع بلالا وعمار وصهيبا، ويأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه معهم (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا).(77). ( واذ جاءك الذي يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة....) (78). جاء الأقرع بن حابس وعيينه بن حصن الغزاري للرسولصلى الله عليه وسلم، وعندما رأوا صهيبا وبلالا وعمارا وخبابا حوله قالوا: يا محمد ( إن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد) (79)، فكاد صلى الله عليه وسلم يوافق أن يقرر لزعماء العرب مجلسا، فنزل جبريل عليه السلام بالقرآن ينهاه ويقول له: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين) (80).

وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل -عمر بن هشام- فرعون هذه الأمة وإن كان مخزوميا قرشيا.وقتل أبوعبيدة أباه في بدر، وكان رأي عمر أن يقتل الأسرى في بدر وإن كانوا قرشيين ومن أقاربهم الأدنين (جمع أدنى) وانتصر الاسلام بأمثال هولاء الأعبد، وطوت عجلة التاريخ القرشيين المعاندين ليبقوا لعنة وعارا في صفحات تاريخ هذه الأمة.
واختفت من بين الناس تلك النعرات الجاهلية والأصوات المنكرة التي كانت تؤجج نار حرب البسوس وحرب داحس والغبراء.
واختفى صوت الشاعر دريد بن الصمة: (وما أنا الآ من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد)، اختفى هذا الصوت ليرتفع الصوت الجديد بنشيده: (أبي الاسلام لا اب لي سواه، إذا افتخروا بقيس أو تميم).
واختنقت الأصوات التي تنادي بالانتصار لبكر أو تغلب أو لخزاعة، عندما دوى صوت الوحي في جنبات الأرض. (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عندالله أتقاكم، ان الله عليم خبير) (81). وأصبحت أنشودة كل مسلم: (الهند لنا والصين لنــا والعرب لنا والكل لنــا، أضحى اإاسلام لنا دينا وجميع الكون لنا وطنا، دستور الله لنا نور أعددنا القلب له سكنـا).

والآن نأتي إلى القومية العربيةالحديثة لنرى حكم الاسلام فيها: هنالك عدة قضايا نبني عليها حكمنا:

1- القومية العربية: تقيم التجمع واللقاء على أساس الجنس والأرض بدل العقيدة. وهذا يصطدم مع الاسلام.

2 - القومية العربية: تفضل النصراني العربي على المسلم الباكستاني أو التركي وهذا يناقض القرآن (إن أكرمكم عندالله أتقاكم...).

3 - القومية العربية: تنصر اليهودي العربي أو النصراني العربي على المسلم الباكستاني أو الأفغاني وإن كان الحق للباكستاني أو الأفغاني أو الايراني.
وهذا يناقض (فاصبحتم بنعمته إخوانا....)، (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه).

4- القومية العربية: توالي الكفار وتتبع القادة الكفار، فهي تقدم كلام ميشيل عفلق أو جورج حبش أو اساتذتهم أمثال نيتشة وروسو على أي كلام آخر ولو كان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. والله يقول (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم...) (82).

5 - القومية العربية: لا تقبل أن تجعل قانونها من الاسلام خوفا من اثارة النعرات الدينية والطائفية كما يدعون فهي تريد أن تبعد 90% من أبناء الدول العربية عن اسلامهم وتخرجهم عن دينهم مراعاة لشعور فئة قليلة من النصارى العرب. (وإذا قيل لهم تعالوا الى ما انزال الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم....) (83).

6 -القومية العربية: لا ترى أن الاسلام صالح لهذا الزمان، ولذلك كثيرا ما تصف الاسلام بالرجعية والجمود والتأخر، وتصف العلمانية والتحلل من الدين بالتقدمية والتحرر.

7 - القوميون العرب: يرون أن الاسلام وثبة من وثبات الأمة العربية أدت دورها ومضت، وأما اليوم فهناك مبادئ أخرى تؤدي دورها دون الاسلام الذي لايستطيع أن يواكب العصر.

8 - القوميون يرون أن القومية العربية دين جديد له سدنته وحواريوه وأتباعه وقديسوه، يقول محمود تيمور (84): (وان كتاب العرب في أعناقهم أمانة هي أن يكونوا حواريين لتلك النبوة الصادقة - القومية- يزكونها باقلامهم)، ويقول علي ناصر الدين (84) في مقدمة كتابه (قضية العرب ط3): (العروبة نفسها دين عندنا - نحن القوميين العرب- المؤمنين العريقين من مسلمين ومسيحيين، ولئن كان لكل عصر نبوته المقدسة، إن القومية العربية لهي نبوة هذا العصر)، جاء في مجلة العربي (85) عدد 2 ص 9 يناير 59: (الوحدة العربية يجب أن تنزل من قلوب العرب أينما كانوا منزل وحدة الله من قلوب قوم مؤمنين )، ويقول عمر فاخوري (كيف ينهض العرب): (لا ينهض العرب إلآ إذا أصبحت العربية - أو المبدأ العربي - ديان يغارون عليها كما يغار المسلم على قرآن النبي الكريم وغرضي من هذا الكتاب تشكيل ديانة جديدة هي الجنسية أو العنصرية العربية).

9 - القومية العربية: تقديم للجاهلية على الاسلام (أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)، والجاهلية: هي كل حكم غير حكم الله. ولقد رأينا أن زكي الأرسوزي (43) يرى أن الجاهلية العربية هي الفترة الذهبية في حياة العرب ويراها مثله الأعلى.

10 - القوميةالعربية: طاغوت جديد (صنم جديد) والطاغوت: كل حكم غير حكم الله، وكل ما أطيع من دون الله، وكل من تحاكم إليه الناس دون الله، سواء كان صنما أو كاهنا أو شيطانا أو قانونا أو وطنا أو‏قوما أو زعيم قبيلة أو عشيرة أو بلدا. وهذا كفر بنص القرآن (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل إليك وما أنزل من قبل يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزال الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فيكف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) (86)، صدق الله العظيم: إنهم يقولون لا نريد إلآ الاحسان والتوفيق بالقومية، لا نريد إلآ الوحدة الوطنية، ونريد أن نتلافى الخلافات المذهبية والطائفية والدينية. يقول ابن كثير (87): (من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر. فكيف بمن تحاكم إلى الياسا - قانون جنكيرخان - وقدمها عليه - على الاسلام - لا شك أن هذا يكفر باجماع المسلمين)، ويقول سيدقطب (إن الذي يحكم على عابد الوثن بالشرك ولا يحكم على الذي يتحاكم إلى الطاغوت بالشرك. ويتحرج من هذه - الحكم بالكفر على من يتحاكم إلى الطاغوت - ولا يتحرج من تلك، إن هؤلاء لا يقرأون القرآن، فليقرأوا القرآن كما أنزل،وليأخذوا قول الله بجد (وان أطعتموهم إنكم لمشركون).

وبعد: فهذه نقاط عشرة كل واحدة منها تخرج القومي من الاسلام وتكفره كفرا ينقله عن الملة الاسلامية.

ولزيادة الطمأنينة أنقل إليك بعض النصوص الكريمة من فم النبوة الشريف:

1 - عن جندب بن عبدالله مرفوعا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم (من قتل تحت راية عمية، يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية، فقتله جاهلية) (88) وفي رواية (من قتل تحت راية عمية، ينصر العصبية، ويغضب للعصبية، فقتلته جاهلية) (89).

2 - عن جبير بن مطعم مرفوعا (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) (90).

3 - عن ابن مسعود مرفوعا (من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي في مهواة فهو ينزع بذنبه) (91).

4- عن أبي مرفوعا (إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) (92). أعضوه بهن أبيه: أي قولوا له: عض أير أبيك - هكذا في النهاية لابن الأثير.

5 - عن أبي هريرة مرفوعا (لينتهين أقوام يفتخرون بأبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكون أهون على الله من الجعل الذي يدهده الحزء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبي ة الجاهلية وفخرها بالأباء إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وأدم خلق من التراب) (93).

هذه النصوص فيمن يعتز بآبائه الجاهليين، فكيف بمن يقدم الجاهلية على الاسلام ؟ وكيف بمن يقول: (إن العروبة مصدر إلهامنا، ومصدر مقداساتنا، عنه تنبثق المثل العليا، وبالنسبة إليه تقدر قيمة الأشياء، والعربي هو سيد القدر).

وكيف تحكم على البعث الذي كتب في جريدته عن مشيل عفلق" الإله العائد "، وقال شاعرهم:

يا سيــدي ومعبودي   حسبي ألم فتاتكم حسبي

وكيف تحكم على البعث السوريين الذين يقولون: (إن الطريق الوحي لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي: هي خلق الانسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن أن الله والأديان والاقطاع ورأس المال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ)، وقد أشرت قبل قليل إلى بعض النصوص التي تعتبر العروبة دينا لها نبوتها والايمان بالعروبة يجب أن يكون كالايمان بالوحدانية لله.
إن القوميين يصرحون على لسان قادتهم (ألحدنا بكل الطقوس والعلاقات والأديان، اتهمنا بالالحاد وكان ذلك صحيحا - رغم كل مازعم البعثيون فيما يعد من مزاعم التبرير- لقد كنا خوارج على كل الشرائع التي تعارف عليها الناس فنسفناها).

الفهرس


اعتناق مبادئ القومية كفر ينقل عـن الملة

وبناء على ما تقدم فإن اعتناق مبادئ القومية العربية -وغير العربية كالكردية والايرانية- كفر ينقل عن الملة ويخرج من الاسلام.
فمن اعتنق مبادئ القومية فإنه يخرج من الاسلام فلا تؤكل ذبيحته، ولا تنكح البنت القومية، ولا يزوج القومي من بنات المسلمين، ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين، ولا يرد عليه السلام، ولا يترحم عليه إذا مات ـفلا نقول يرحمه الله- ولا يرث الشاب القومي من أبيه المسلم، ولا يرثه أبناؤه إن كانوا مسلمين ويخالفونه في مذهبه القومي. وإذا اعتنق الشاب القومية وهو متزوج مسلمة فتطلق منه وتحرم عليه، وإذا بقيت على صلة به، فالصلة الجنسية بينهما زنا، وأولادهما أولاد زنا، وعورة المرأة المسلمة أمام الفتاة القومية كعورتها أمام الرجل فلا يحل لها كشف رأسها أمام الفتاة القومية. والمرأة اذا اعتنقت القومية وهي متزوجة مسلما ينفسخ العقد حالا.

1- سيقول أناس: ان بعضهم يصلي ويصوم أحيانا !!، فنقول: إن الصلاة والصيام لا يقبلان مع فساد العقيدة والشرك، فلقد كان الجاهليون يصلون ويحجون ويدعون ولكن الله رد أعمالهم كلها لأنها ليست مبنية على إيمان بالله وبرسوله وبدينه، ولأن الأفعال الصالحة لا تقبل من الكفار.

2 - وسيقول آخرون: إن كثيرا من الحزبيين منتفعون من أجل المناصب والأموال يقبلون على الحزب!!، فنرد عليهم: نحن لا نعلم الغيب ونجري أحكامنا على الظاهر ونحاسبهم على ما يخرج من أفواههم وندع قلوبهم إلى الله- عز وجل- فالقاعدة العامة: أن القومي كافر، والاستثناء إنما هو استثناء من عموم القاعدة فلا يثبت إلآ بدليل قوي يرجح على الأصل، أي أننا إذا تأكدنا من شاب أنه يكره القومية ويحب انتهاءها ويقاوم في الواقع انتشارها فإننا نحكم له بالاسلام.
ولا بد من معرفة أن هؤلاء المنتفعين هم انصار الكفر بهم ينتشر وعلى أكتافهم يقوم.

3 - وسيقول فريق ثالث: إن معظم الأفراد جهلة بالحكم الشرعي !! فنرد عليهم: الجاهل يعلم ويبين له الحكم فإن أصر فإنه يحكم عليه بالكفر. فإذا كتب بعض العلماء الذين يوثق بدينهم مقالات أو كتبا في تكفير القوميين فإن هذا يكفي في التبليغ ولم يبق الجهل عذرا بعد البيان.

4 - وقد يسأل شاب قومي: ما حكم القومي إذا تاب ورجع: هل يقضي الصلواة والصيام؟ فنقول -والله المستعان- (الاسلام يجب (يقطع) ما قبله) فليس عليه أن يقضي الصلاة والصيام. وفي الحديث (94) (إذا أسلم العبد فحسن اسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها (قدمها). وفي الحديث الآخر(95) (إذا أسلم العبد فحسن اسلامه، كتب الله كل حسنة كان أسلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها).

الفهرس


كلمة أخيرة في القومية

وختاما نريد أن نسأل القوميين بعض الأسئلة:

1 - ما هي مبادؤكم؟ وكيف تصوغون قوانينكم، ومن أين تستقونها؟
2 - ما هي نظرتكم نحو الكون والانسان والحياة؟
3 - ماهي أنظمتكم الاقتصادية، والأخلاقية، والاجتماعية والعائلية، والسياسية؟
4- أين يقع الاسلام من دعواتكم؟
5 - ماهي الأسس التي ستعاملون عليها شعوبكم إذا حكمتم؟ وكيف ستعاملون شعوب الأرض الأخرى.؟
6 - كيف ستعاملون الشعوب الاسلامية؟ أتكون معاملتهم تماما كالشعوب الوثنية - البوذية والهندوسية، أو كالشعوب النصرانية في الغرب.

أما المبادئ: فلم يصلوا حتى الآن إلى تعريف لأحزابهم يقول سامي الجندي: (بدأ الحزبيون يسألون ما هو البعث؟ ما هي وحدة البعث، أيهما أسبق الوحدة أو الاشتراكية؟ لم تجب القيادة ولا تستطيع أن تجيب حتى الآن) (96).

أما القوانين: فإنهم سيأخذونها من أي مصدر - عدا الاسلام- أما النظر (العقيدة) في الله، والنظرة إلى الكون والانسان والحياة، فليس عندهم نصوص في هذا، ولذا لجاؤا إلى الماركسية لملأ الفراغ الفكري عندهم.

أما الأخلاق: أي بيان قائمة الحلال والحرام في المجتمع العربي، فليس هنالك أي شيء من هذا، ولذا فأخلاق المجتمعات العربية -بدون اسلام- اخلاق نفعية تبنى على المصلحة والمنفعة المؤقتة العاجلة.
والغاية تبرر الوسيلة -كما قال ميكافيلي-.

أما الاسلام: فقد اختلفوا في النظرة إليه في الماضي أما في الحاضر فهم على اتفاق أنه يجب أن ينبذ من الحياة، أما بالنسبة للاسلام في الماضي:
1- فمنهم الجاحد لفضله أبدا: مثل قسطنطين زريق الذي يرى أن العرب هم نقلة لحضارة اليونان والرومان ولم يصنعوا حضارة.
2 - ومنهم المغفل: أمثال علي عبدالرازق (الاسلام وأصول الحكم) وخالد محمد خالد (من هنا نبدأ) الذين يرون أن الدين هو أساس التفرقة والتمزق ولذا يجب إبعاده من المجتمعات.
3- ومنهم المنكر فقط وليس جاحدا بالمرة: مثل ميشيل عفلق: فهو يرى أن الاسلام وثبة من وثبات الأمة العربية ولكن لا يرد ذلك إلى الوحي والنبوة فقدارات الأمة العربية تجمعت في الماضي حتى أنتجت محمدا.
4- ومنهم المذبذب والمنافق: مثل حازم نسيبة - من ذراري المسلمين - فهو يقول (97): (وقد انصب المستشرقون في القرن التاسع عشر بكل قواهم على بحث النواحي الدينوية أكثر مما اهتموا بالنواحي اللاهوتيه من التاريخ العربي الذي أظهر أن الامة العربية أقامت حضارة متقدمه راقية قبل الاسلام وبعده على السواء، وبهذا لم تكن الحضارة العربية حادثا دينيا صرفا لا يملك النصارى العرب أن يشاركوا فيه، بل العكس هو الصحيح وهو: أن لتلك الحضارة ملامح منقطعة الصلة بالدين كما أثبت الواقع الذي انصب الباحثون الغربيون على كشفه). وليت شعري من سبق حازم نسيبة بهذا الرأي سواء كان من ذراري الصليبين من المستشرقين أو الباحثين أو من ذراري المسلمين - المستغربين - أن ينكر صلة الاسلام بالحضارة العربية أبدا، وأين حضارة العرب قبل الاسلام؟ أهي حضارة عنترة أو أبي جهل أو أبي لهب، ولعلها حضارة مسليمة الكذاب.

وأخيرا فإنا نقول: إن واقع العرب يدل دلالة واضحة على النتائج التي توصلت إليها الدعوات القومية والاقليمية والعلمانية:

1 - قطع صلة العرب بالدول الاسلامية.

2 - تمزيق العالم العربي الى دويلات هزيلة حتى تبقى في قبضة العالم الغربي والشرقي، تتسابق في ولائها لأمريكا أو إلى روسيا لتحمي أنظمتها في المنطقة.

3 - تضخم الكيان الاسرائيلي الذي أصبح تنينا يفتح شدقيه يبتلع كل فترة جزءا من بلاد العرب.

4 - انهيارات في معظم النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.

5 - نشوء أجيال ليس لها هوية معينة، وليس لها أي مبدأ في الحياة، لا تعلم لماذا تعيش؟ ممزقة خلقيا متفسخة اجتماعيا، متفككة أسريا، أفئدتهم هواء، تراهم كل يوم في رأي، يغيرون أفكارهم كما يغيرون أزياءهم في الاعتقاد والاقتصاد والثقافة والاجتماع يقول زويمر - زعيم المنصرين - مخاطبا المبشرين (إنكم أعددتم شبابا في ديار الاسلام لا يعرف الصلة بالله ولايريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الاسلام فجاء النشئ الاسلامي طبقا لما أراده الاستعمار لا يهتم للعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يصرف همه في الدنيا إلآ في الشهوات) (98).
إن هذا الشرق لم يشهد في يوم من الأيام وحدة ولا عزة ولم يكن له كيان إلآ بالاسلام الذي وحده أول مرة ولن يجد نفسه مرة ثانية إلآ بالاسلام.

لقد مزقت القومية أوربا فنقلها العرب ليمزقوا امتهم الاسلامية، بل ليفتتوا الشعوب العربية نفسها. كما يقول توينبي(99) (فهل من الضروري حقا أن يتفتت العالم العربي كما تفتت الأمبراطورية الاسبانية في أمريكا لسوء الحظ - إلى عشرين دولة مستقلة عن بعضها تعيش في قوالب ضيقة غربية النمط)؟.
هذا هو الوجه الثاني الكالح لحضارتنا الغربية ومن المؤسف أن تقلده الشعوب الناطقة بالعربية تقليدا تاما. إن سحر القومية جذاب في أمثال هذه المجتمعات الاسلامية المبعثرة ولكن القومية لن تقود هذه المجتمعات الى حياة جديدة، بل إلى حكم بالموت والفناء. ان النغمة التي عزفتها الطبقات المتسلطة في العالم الاسلامي والعربي هي نغمة القومية وهي معزوفة جميلة تشنف الأسماع وتبهح القلوب، ولكنها مخدرات تذبح الشعوب من خلالها على مذابح الشهوات قرابين رخيصة في سبيل الطغاة والطاغوت وإن الخرير الذي يعكسه صوت النزيف الدموي قد جذب كثيرا من القطعان لتستاق إلى مذبحها ونهايتها البئيسة الأليمة).
يقول جب (100): (إن الأسلوب الذي استطاعت به طبقة المتغربين تأمين قبضتها الثابته على السلطة في الدولة... كان القومية... فالقومية هي فكرة غربية تماما).

وإن سبب انتشار القومية في العالم العربي هو سيطرة الغرب نفسه على العالم الاسلامي.
(ففي الوقت الحاضر الذي يجد الغرب نفسه منذ الحرب العالمية الثانية ويرى أنه مجزء إلى أكثر من أربعين دولة قومية مستقلة ذات سيادة يهدد با نهيار البيت كله كاملة على من فيه بسبب انقسامه هكذا على نفسه. ومع ذلك فإن اعتبار الغرب لا يزال له من القوة في العالم ما يبقى جرثومة القومية الغربية قادرة على السريان والعدوى. ومن المأمول أن يستطيع العالم الاسلامي على كل حال ايقاف انتشار هذا الداء السياسي الغربي - القومية- عن طريق الشعور الاسلامي القومي بالوحدة) (101).

ان القومية ليست الدواء الناجع لأمراضنا، بل هي داء عضال مما أصابنا، يقول سمث: (وتاريخ الشرق الأدنى الحديث يدل أن القومية المجردة ليست القاعدة الملائمة للنهوض بالواجب الشاق، ومالم يكن المثل الأعلى إسلاميا على وجه من الوجوه، لن تثمر الجهود البتة) (102).

وما أجمل كلمة سيد نا عمر بن الخطاب ننهي بها هذا البحث: (نحن قوم أعزنا الله بهذا الدين ومهما ابتغينا العزة - عن غير طريقه - أذلنا الله).

(لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون) فالمسلمون يذكرون بالقرآن، فبسبب من هذا الكتاب تذكر هذه الأمة، ولقد تقدم العرب أول مرة إلى البشرية على هدي هذا القرآن، وأمسكوا بزمان البشرية بعد أن تمسكوا بالكتاب وأقاموه في حياتهم (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)، (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم)، فأهل القرآن ليسوا على شيء، لا وزن لهم ولا قيمة إلآ إذا أقاموه فيهم، وعملوا به في حياتهم، وطبقوه في واقعهم. (... ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهدينا هم صراطا مستقيما).

جاء في تقرير ديلسبس - قنصل فرنسا العام في سوريا في 19/8/1956 الذي كتبه بمساعدة مساعده (بلانس) مايلي (من أبرز الحقائق التي يلحظها من يريد درس هذه البلدان المكانة التي تحيلها الدين في نفوس الناس، والسلطة التي له في حياة الناس، فالدين يظهر في كل مكان وفي كل أمر. ففي المجتمع الشرقي يظهر أثر الدين في الأخلاق العامة، وفي اللغة وفي الأدب، وفي جميع المؤسسات الاجتماعية. والرجل الشرقي لا ينتمي إلى وطن ولد فيه - الشرقي ليس له وطن- بل إلى الدين الذين ولد فيه، وكما أن الرجل في الغرب ينتمي إلى وطن، فإنه في الشرق ينتمي إلى دين، وامة الرجل الشرقي هي مجموعة الناس الذين يعتنقون الدين ذاته الذي يعتنقه هو، وكل فرد خارج عن حظيرة الدين هو بالنسبة إليه رجل أجنبي غريب) (103).

الفهرس


القوميات والأقليميات الجاهلية

لقد حرك الغرب وتلاميذه في كل مكان نغمات الارتباط بالجاهليات التي تسبق الاسلام حتى يقطع الصلة بالاسلام ويتجاوزها.

ففي المغربى: حاولت الادارة الفرنسية أن تشد أزر الروح الجنسية بين بربر مراكش، فقامت با صدار الظهير البربري في 61 مايو سنة 1930 الذي قضى بتنفيذ الأحكام العرفية البربرية وقانونهم الخاص بالأحوال الشخصية بدل الشريعة الاسلامية.

وفي اندونيسيا: اكتشفت الحضارة الجاوية - الهندوكية.

وفي لبنان: أثار سعيد عقل و يوسف السود وفيكتور خلاط شبح الفنيقية وقالوا: بأن لبنان لا ينتمي إلى العرب بل جزء من حضارة البحر المتوسط - ايطاليا، اليونان.

وفي مصر: اثيرت الحضارة الفرعونية خاصة بعد اكتشاف توت عنخ آمون، وبعد أن حل شاملبيون حجر روزيتا، وتولى سلامة موسى، ولطفي السيد، ثم سعد زغلول، وطه حسين الدعوة إلى الفرعونية، وبدأت تظهر أسماء رعمسيس، الأهرام نقمرتيتي، أبوالهول، واتخذ أبو الهول شعارا ليمثل نهضة مصر، وفي زمن عبدالناصر أقيم السد العالي فأثارت اليونسكو همة العالم لانقاذ معبد أبي سنبل الفرعوني، ونقل تمثال رمسيس - فرعون موسى- الى القاهرة وكلف الملايين.

وأصبح الأتراك ينادون بشعار (تركيا للأتراك) ومصر (للمصريين)، يقول كويلرينغ عن لويس توماس (104): (أنه قد استطاع أن يرسم الخطوط العريضة للظروف التاريخيه والأجتماعية للحركة التي انتهت بالزعماء الآتراك المحدثين إلى تحقيق مبدأ تركيا للأتراك وهذا المبدأ الذي سار عليه أغلب شعوب المنطقة ولذلك كان الكماليون يقولون (نريد أن نبني إسلاما تركيا يصبح ملكا لنا وجزءا في مجتمعنا الجديد على نحو الكنيسة الأنجليكانية التي هي نصرانية على النمط الأنجليزي).

وفي مصر العربية كانت أضواء هذه الصيحات تتجاوب فتحرك الببغاوات المصرية التي تلعب بها الأصابع الغربية (الانجليزية بالذات) فتنادي (بفرعونية مصر)، فقال طه حسين: (المصري فرعوني قبل أن يكون عربيا)، وقال طه: (لو وقفا الإسلام بيني وبين فرعونيتي لنبذت إسلامي)، وقال شوقي:

وجــه الكنانة ليس يغضب ربكـم .... أن تجعلـــوه كوجهـــه معبودا

ويقول شوقي مخاطبا مصر:
أدير إليك قبل البيت وجهي ....  إذا فهت الشهادة والمتابا

ويقول شوقي متغنيا بالهرم(105):
هو من بناء الظلم إلا أنه  .... يبيض وجه الظلم منه ويشرق

ويقول شوقي في توت عنخ آمون:
وطوى القرون القهقري حتى أتـى  ....  فرعون بين طعامه وشرابه

ويقول شوقي في أبي الهول:
تحيرت البدو ماذا تكون  .... وضلت بوادي الظنون الحضر

ويقول حافظ ابراهيم:
أنا مصري بناني من بنى ....  هرم الدهر الذي أعيا الفنا

وعليه فانه ليس من الغريب اهتمام الغرب الكبير بالأثار والمتاحف الوطنية، فتأسست قبل قرن تقريبا هيئات غربيــة للأشــراف علـى التنقيب فـي العالـم الإسلامي، لـربط المسلميـن بالآثــار وبالقيــم والأعلام الذين كانـوا قبل مجيء الاسلام، فجـاء (بوتا) ولايارد إلى العراق BOTTA AND LOYARD‎‏. (ومارييت) MARIET في مص‏وسشلمان في تركيا (106)، ثم أنشئوا دوائر الأثار والمتاحف الوطنية، وليس عجيبا تبرع مؤسسة ؛رو كفلر اليهودية« بعشرة ملايين دولار لإنشاء متحف للأثار الفرعونية ومعهد لتخريج رجال الأثار(107‏)، ولعلنا بعد هذا نصل إلى سبب النص في صك الإنتداب البريطاني على فلسطين مادة (12‏): يجب أن تضع الدولة المنتدبة وتنفذ في السنة الأولى من تاريخ هذا الانتداب قانونا خاصا الاثاروالعاديات). كل هذا لقطع صلة المسلمين باسلامهم وربطهم بالجاهلية الأولى حتى يتسنى للغرب أن يستعبدهم ويذلهم تحت يده.

وفي إيران (108): قام الصفويون والحكم البهلوي بتوهين العلاقة مع العالم الاسلامي، فأنشأ الحكم البهلوي أكاديمية للتخلصمن المفردات العربية في الفارسية، واكتشفت الأكاديمية مجد ايران القديمة وبزغ مذهب زرداشت من جديد واحتل مكانا مرموقا في بلاد السبع والشمس، وبدأت العمارات الجديدة تبنى على الطراز الأخميني القديم، وأقام الشاه محمد رضا بهلوي احتفالا بمناسبة مرور (52‏) قرنا على كورش صانع الأمبراطورية الفارسية وثارتفي ايران قوميات أخرى: مثل: البلوش - الأكراد، العرب.

وفي العراق: ثارت النعرات، فنادى بعضه بالقومية العربية، ونادى الأكراد بقوميتهم الكردية، والأتراك بالتركية، وثارت الدعوات الأشورية والكلدانية.

وفي الهند: تأججت نار العصبية الهندية، وأصبح الهنود يفخرون بالهندية و يرون الانقطاع عن ماء زمزم في مكة إلى نهر (جنجا) ويتغنون بأبطال لهندوس (بهيم أرجن، رامها) (109‏). وأصبحوا ينظرون إلى الفتح العربي على انه استعمار واستعباد واحتلال الغريب لأرض الوطن.

وفي الأردن وفلسطين: ارتفعت الأصوات بالتغني بالأمجاد القبلية القديمة، وقامت النزاعات بين قبائل الشمال والجنوب في شرق الأردن وبين الفلسطينيين وبين أبناء شرق الأردن، وأصبحنا نسمع مؤاب، فيلادلفيا، عمون:

فمزقنا العــدو ولاجهاد   وشردنا الطغاة ولا عدالة

وباتت أمة الاسلام حيرى   وبات رعاتها في شرحالة

وهم الجمع ثوب أو رغيف   وصك من رصيد أو حوالة

مؤامـرة يدبـرها يهـود   ويرعاها عميل لا أبا لـه

لقد صدق فينا قول رب العزة (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين). (ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى). وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الصغار والذلة على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) (110). وفي الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر مرفوعا: (كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين! خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن.
1- ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوا بها الآ ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في اسلافهم الذين مضوا.
2 - ولا نقص قوم المكيال إلآ ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان.
3 - وما منع قوم زكاة أموالهم إلآ منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا.
4 - ولا خفر قوم العهد إلآ سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم.
5 - وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلآ جعل بأسهم بينهم شديدا.
فنحن أمة خفرنا العهد مع الله فسلط علينا عدونا من كل جهة، وتداعت علينا الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها.
ونحن أمة ترك حكامنا كتاب الله وتاجروا بالغثاء من أفكار الغرب والشرق فجعل بأسنا بيننا شديدا. وصدق الله العظيم (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد).
يقول سيدنا علي رضي الله عنه (ما نزل بلاء إلآ بذنب ولا رفع بلاء إلآبتوبة).
وقال الحسن البصري (بلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلآ بذنب وما يعفو الله عنه أكثر) (111).

لقد ذقنا مرارة بعدنا عن كتاب الله، وتجرعنا آلام تنكبنا لطريق الله، وحصدنا ما زرعنا من بذور القومية ثمار القطيعه والتمزق والضياع والخذلان والخسران (أفلا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون).
لقد آن لنا أن نرجع إلى الله، وننبذ من أيدينا كل أوضار الجاهلية، وندعو أنفسنا بالعودة إلى طريق السعادة: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى).
إما الله أو الفناء، إما الاسلام أو الدمار.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

الفهرس


هـوامـش 
(1) [لسان العرب (12/505) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (4/124)].
(2) [الإسلام والحضارة د. محمد محمد حسين صـ 201].
(3) [لسان العرب (1/588)].
(4) [الإسلام والحضارة الغربية -محمد محمد حسين- ص (215)].
(5) [رواه البخاري].
(6) [يقظة العرب جورج النكونيوس هامش ص104].
(7) [مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر/ جورجي زيدان].
(8) [مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر جورجي زيدان يقظة العرب/ جورج انطونيون ص 102].
(9) [يقظة العرب هامش 112].
(10) [أنظر يقظة العرب ص112 والإسلام والحضارة الغربية 222].
(11) [يقظة العرب 120].
(12) [يقظة العرب149].
(13) [الشعوبية الجديدة لمحمد مصطفى رمضان ص156 نقلا عن كتاب المجتمع العربي كلية الأداب جامعة بيروت].
(14) [مكتب السلجالات العامة وزارة الخارجية (F.O) رقم 195: 1306 يقظة العرب ص153].
(15) [يقظة العرب ص155].
(16) [تاريخ الأستاذ الامام 1/45 أنظر كتاب الاسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسين ص66].
(17) [كتاب الاسلام والحضارة الغربية فصل الأفغاني ومحمد عبده وكتاب الفكر الإسلامي المعاصر للتوبة].
(18) [طبائع الاستبداد ص 112-113 أنظر العلمانية لسفر الحوالي ص 580 وأنظر يقظة العرب ص 172].
(20) [الفكر العربي المعاصر/ البرت حوراني ص 144 وانظر كتاب الاسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسين ص83].
(21) [الإسلام والحضارة الغربية ص 70-83 نقلا عن تاريخ الأستاذ الإمام ص 144-145].
(22) [العلمانية ص605].
(23) [العلمانية ص628].
(24) [أنظر العلمانية ص278].
(25) [الاسلام والحضارة الغربية ص79].
(26) [مذكرات بلنت My Dairises ج1/346 (يناير سنة 1900)].
(27) [كتاب شيخ الاسلام -مصطفى صبري - موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين -4- أجزاء ج1/144 وأنظر كتاب الإسلام والحضارة الغربية ص107].
(28) [الاتجاهات الوطنية لمحمد حسين ج2/75-85].
(29) [يقظة العرب ص 174].
(30) [انظر يقظة العرب 276-285].
(31) [يقظة العرب ص178].
(32) [انظر الحلول المستوردة للقرضاوي ص165 نقلا عن كتاب نشوء القومية العربية لزين ص86-87].
(33) [الحلول المستوردة ص 165 نقلا عن القومية لزين زين ص207-208].
(34) [يقظةالعرب 206].
(35) [يقظة العرب208].
(36) [يقظةالعرب 275].
(37) [آل عمران: 149-150].
(38) [الإسلام والحضارة الغربية ص228].
(39) [انظر يقظة العرب لجورج انطونيوس ص 181].
(40) [مجلة المجتمع العدد 433 سنة 1979/20فبراير].
(41) [الشعوبية الجديدة ص 54].
(42) [البعث لسامي الجندي من ص 1-27].
(43) [البعث ص 28].
(44) [البعث ص26].
(45) [البعث ص27].
(46) [البعث ص34].
(47) [البعث ص 71].
(48) [إيلي كوهين من جديد/ لمحمد كشك، وجاسوس من اسرائيل لكاتب غربي]. (49) [البعث لسامي الجندي ص37].
(50) [حقيقة القومية العربية ص 379/ جلال السيد].
(51) [مقدمة كتاب العرب والاسلام للندوي].
(52) [مجلة النذير العدد 17 رجب سنة 1400 هـ شهر أيار سنة 1980م].
(53) [تهافت العلمانية د. عماد الدين خليل ص 92 نقلا عن كتاب كولن ولسن (سقوط الحضارة) ترجمة أنيس زكي ص 174-179].
(54) [المذاهب الوجودية جوليفيس ص 63].
(55) [الحلول المستوردة للقرضاوي ص 306-311 نقلا عن كتاب (التجربة والخطأ) لأديب نصور ص46-48].
(56) [الشرق الأدنى ثقافته ومجتمعه ص335 أنظر كتاب الإسلام والحضارة الغربية ص126].
(57) [الشرق الأدنى ص325 أنظر الاسلام والحضارة الغربية 131].
(58) [مقدمة الإسلام والغرب والمستقبل لتوينبي ترجمة صبحي الطويل ص9].
(59) [لعبة الأمم/مايلزكوبلاند/ 64، وتحليله (الدبلوماسية والميكافيلية د. محمد صادق ص199].
(60) [قصة ثورة 23 يوليو لأحمد حمروش ج2/40 وأنظر كتاب صفحات من التاريخ ج1/ 237 لصلاح شادي].
(61) [لعبة الأمم ص 124 وتحليلة (الدبلوماسية والميكافيلية) ص149].
(62) [الحلول المستوردة للقرضاوي نقلا عن كتاب الغرب والشرق الأوسط 85-86].
(63) [وجهة الإسلام هاملتون جب 358، الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة ص73 أنظركتاب الإسلام والحضارة الغربية للدكتور محمد محمد حسين ص147].
(64) [يقظة العرب جورج انطونيوس ص/144].
(65) [الحلول المستوردة ص/160].
(66) [نشأة القومية، زين زين ص/86-87، انظر الحلول المستوردة ص/164].
(67) [الإسلام والغرب والمستقبل لتوينبي ص20 تعريب نبيل صبحي].
(68) [نشوء القومية العربية / زين زين ص 85-86].
(69) [الأخبار الكويتية عدد 14 سنة 1979، سنة 1399هـ].
(70) [ذيل الملل والنحل/ محمد سيد كيلاني ص91].
(71) [الغزو الكفري/ د. علي عبد الحليم محمود ص 182].
(72) [مجلة المسلم/ محرم/ صفر سنة 1402هـ (والجماعةالإسلامية ليبيا)].
(73) [مجلة المجمع الكويتية العدد 433].
(74) [النساء: 135].
(75) [أنظر مختصر ابن كثير للصابوني 1/447 ومعني يخرص التمر: يقدر كميته].
(76) [انظر مختصر ابن كثير للصابوني 1/434-437، والآيات من سورة النساء من آية (105-115].
(77) [الكهف: 28].
(78) [النساء:54].
(79) [مختصر ابن كثير 1/581].
(80) [الأنعام: 52].
(81) [الحجرات: 13].
(82) [المائدة: 51].
(83)[النساء: 61-62].
(84) [أنظر مقدمة كتاب الأستاذ الندوي العرب والإسلام، وكتاب الحلول المستوردة ص170].
(85)[انظر مقدمة كتاب الأستاذ الندوي العرب والإسلام، وكتاب الحلول المستوردة ص 170].
(86)[سورة النساء 60-63].
(87)[البداية والنهاية ج13/118-119].

الفهرس


رجوع