البيان المأمول في علم الأصول

تأليف

فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الخالق


إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (آل عمران:102)

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} (النساء:1)

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} (الأحزاب:70-71)

وبعد،،،

فهذا بحمد الله كتاب ميسر يجمع أهم القضايا في علم أصول الفقه وقواعده، وهذا الكتاب هو بداية للطالب المجتهد في هذا الأمر، ونهاية للمقتصد وتذليل لأصول هذا العلم.

أولاً: التعريف بعلم أصول الفقه

* التعريف لغة:

الأصول جمع أصل، والأصل هو أسفل الشيء ومنبته يقال "رجل أصيل" أي له أصل، ورأي أصيل: له أصل.. واستأصلت الشجرة يعني ثبت أصلها..

والفقه في اللغة: الفهم {لعلهم يفقهون} أي يفهمون ويعلمون.

* التعريف اصطلاحاً:

وأما في الاصطلاح: أصول الفقه هي قواعده وبحوثه التي يتوصل بمعرفتها إلى معرفة الأحكام الشرعية العملية.

وفي تحرير علماء الأصول لهذا العلم اتبعوا الطرق الآتية:

(1) معرفة القضايا الكلية في القرآن والسنة:

الوقوف على نصوص القرآن والسنة التي تشكل بذاتها قاعدة كلية يبنى عليها، نحو قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة:49)

فهذه قاعدة كلية تفيد وجوب الحكم بالقرآن في كل المسائل والقضايا والفروع، ونحو قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر:7)، وهذا الجزء من الآية قضية عامة كلية يندرج تحتها كل السنة، ومعنى هذه الآية أنه يجب عليكم أيها المسلمون أن تأخذوا وتعملوا بكل ما جاءكم به الرسول، وأن تنتهوا عن كل ما نهاكم عنه الرسول، وهذا يندرج تحته آلاف من الأحكام الشرعية العملية الثابتة بالسنة.

وهكذا بتتبع هذه النصوص وجمعها حررت قواعد هذا العلم.

وقد يظن أن الوصول إلى تدوين هذا العلم، وضبط قواعده كان عملاً سهلاً لكن في حقيقة الأمر قد أخذ من العلماء الذين سبقونا جهداً فقد أمعنوا في قراءة القرآن والسنة بحثاً وتنقيباً عن هذه القواعد، وهاك مثالاً يبين لنا الجهد الذي بذله العلماء حتى وصلوا إلى ذلك.

أخرج البيهقي بإسناده عن المزني أو الربيع قال: كنا عند الشافعي إذ جاءه شيخ عليه جبة صوف وعمامة صوف وإزار وفي يده عكاز فقام الشافعي وسوى عليه ثيابه واستوى جالساً وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ إذ قال له الشيخ: أسأل!! قال: سل.

قال: إيش الحجة من دين الله؟

قال الشافعي: اتفاق الأمة.

قال الرجل: من كتاب الله (أي قلت هذا مستنداً إلى القرآن).

قال الراوي: المزني أو الربيع، فتدبر الشافعي ساعة، ثم قال الرجل للشافعي: قد أحلتك ثلاثة أيام ولياليها، فإن جئت بحجة من كتاب الله في الاتفاق وإلا تبت إلى الله!! فتغير لون الشافعي ثم إنه ذهب فلم يخرج إلا بعد ثلاثة أيام.

قال الراوي: فخرج إلينا في اليوم الثالث وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام -أي مريض- فجلس فلم يكن بأسرع إذ جاء الشيخ وسلم وجلس فقال: حاجتي!!

فقال الشافعي: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} (النساء:115)

ثم قال الشافعي: لا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض.

فقال الرجل: صدقت. وقام فذهب فلما ذهب الرجل قال الشافعي: قرأت القرآن كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقعت عليه. (انظر مفتاح الجنة للاحتجاج بالنسبة للسيوطي 68-69)

(2) الاستقراء:

الطريقة الثانية التي اتبعها العلماء لمعرفة هذه القواعد، والقضايا الكلية هو الاستقراء، ومعناه تتبع المسائل المتماثلة للوقوف على قاعدة كلية تجمعها كما تتبعوا مثلاً الأوامر القرآنية بعد النهي فوجدوا أنها بوجه عام تكون للإباحة، مثل قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة:2) وقوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} (البقرة:222)

فاستخرجوا من هذا قاعـدة كلية تقول: كل أمر بعد نهي يقتضي الإباحة، ثم بذل جهد آخر فوقع أصولي على قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} (التوبة:5)

ولما كان قتال المشركين أمراً بعد النهي وليس هو للإباحة تغيرت القاعدة وأصبحت:

"كل أمر بعد النهي يعود إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي"

والاستقراء عملية تفتيش وتتبع لكل المتماثلات ثم النظر فيها واستخلاص قاعدة كلية تبين القدر المشترك في هذه المتماثلات.

(3) السبر والتقسيم:

السبر هـو الاختبار، ومنه يقال للعصا التي يعرف بها عمق الماء مسبار، والآلة التي يعرف بها درجة حرارة الجسم مسبار، والتقسيم في اللغة معروف وهو بمعنى التوزيع والتفريق.

والمقصد هنا في هذا العلم هو رفض الفروض الخاطئة التي لا يؤيدها الدليل وإبقاء الصحيح المؤيد بالدليل ثم تقسيم هذا الصحيح القسمة المناسبة فمثلاً: في معرفة أنواع الحكم الشرعي التكليفي بعـد عملية السبر بالدليل والتقسيم تبين أن الحكم الشرعي التكليفي لا يخرج عن كونه: أما أمراً، وإما نهياً، وإما تخييراً.

وباختبار الأوامر وجد أخيراً أنها لا تعدو كونها: إما واجباً لازماً، وإما مستحباً مندوباً..

وباختبار النهي وجد أنه لا يعدو كونه: إما حراماً يجب تركه، وإما مكروهاً يتنزه فقط عن فعله..

ووجد أن المباح ليس إلا قسماً واحداً يخير المسلم بين فعله وتركه، وبذلك أصبحت أقسام الحكم التكليفي خمسة لا سـادس لها هي: الوجوب، والندب، والإباحة، والحرمة، والكراهة. ومن ذلك استنبطت قاعدة كلية يندرج تحتها كل أحكام التكليف فقيل: الحكم الشرعي التكليفي هو أحد هذه الأقسام الخمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والحرمة، والكراهة.

ثانياً: المقاصد العامة للشريعة

الشريعة حكيمة:

الشريعة الإسلامية مبنية بناء متيناً حكيماً لأنها تنزيل العزيز الحميد، وكل صغير وكبير في هذه الشريعة موضوع في موضعه تماماً، فكما أن خلق الله سبحانه وتعالى لا تفاوت فيه فكذلك أمره سبحانه وتعالى لا تفاوت فيه فكل أوامره عدل وكل أمره قد تنزل على وفق العلم التام والحكمة البالغة: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (الملك:14) فالذي خلق هذا الإنسـان هو الذي أنزل له ما يصلحه في هذه الدنيا، وما يناسبه تماماً.

وكلما تعرفنا على طريقة بناء هذه الشريعة كلما ازددنا إيماناً بعظمة الخالق وحكمة أوامره وإحاطة علمه، وعظيم خبرته. قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} وهذا في المحصلة يدعونا إلى التسليم لأمره سبحانه وتعالى، والإذعان له واليقين أنه سبحانه وتعالى قد وضع كل أمر في نصابه، وأنه لا يظلم أحداً ولا يجور في حكمه، ولا ينسى ولا يميل ولا يحيف.

غايات الخالق سبحانه وتعالى من الخلق:

وحتى نتعرف على طريقة بناء هذه الشريعة الحكيمة يلزمنا أولاً أن نعرف غايات الخالق من الخلـق، وذلك أن هذه الشريعة إنما جاءت محققة لهذه الغايات، فالشريعة هي الصراط والطريق الموصل إلى هذه الغايات.

وقد أعلمنا الله سبحانه وتعالى أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته قال سبحانه وتعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56)

وقال أيضاً عن الملائكة: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون* يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} (الأنبياء:26-28) فالملائكة والإنس والجن ما خلقـوا جميعاً إلا لعباده الواحد الأحد سبحانه تعالى والسموات والأرض ما خلقت ولا نصبت إلا لتحقيق هذه الغاية قال تعالى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً} (الإسراء:44) فكل شيء إنما هو عابد لله مسبح له.

فكان تسخير الله للسموات والأرض من أجل الإنسان ليقوم هذا الإنسان بعبادة خالقه وربه ومولاه سبحانه وتعالى.

لا نحيط علماً بالحكمة الإلهية:

وبالرغم من علمنا بهذه الغاية الكبرى، وهذه الحقيقة الكلية العامة إلا أننا لا نستطيع أن ندرك على التفصيل الحكمة الإلهية من خلق كل مخلوق، ومن تنظيم الأمر على هذا النحو، ولماذا كان هذا ولم يكن غيره، وذلك لأن إدراك الحكمة الإلهية كما هي عليه في الحقيقة أمر مستحيل، فأين عقل المخلوق واستيعابه، وفهمه من حكمة الخالق وسعة علمه، ولذلك نظل مهما أوتينا من قوة العلم ورجاحة العقل وسعة الإدراك نظل قاصرين أن نفهم الحكمة الإلهية على وجهها الأكمل، وأن نحيط علماً بمشيئة الله وأمره ونهيه، وكثيراً ما أرشدنا الله إلى ذلك حيث يقول: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} (الإسراء:85)

ويقول أيضاً سبحانه: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة:216)

ولذلك وجب التسليم لأمر الله ومشيئته، واعتقاد أن حكمته فوق كل حكمة، وأن علمه فوق كل علم وأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ولا يعني هذا بالطبع أن لا ندرك بعض حكم الله سبحانه وتعالى في الخلق والتشريع والأمر والنهي بل الله جل وعلا قـد بين الغايات الكلية والمقاصد العامة لخلقه وتشريعه، وقد بين أيضاً سبحانه وتعالى بوجه عام الحكمة من وراء معظم الأحكام وذلك ليزداد المؤمنون إيماناً ونصل إلى اليقين بأن الرب العظيم هو المتصف بالعلم المحيط والحكمة البالغة.

ونستطيع أن نجمل المقاصد العامة للتشريع فيما يلي:

1- التعبد غاية شرعية:

وذلك أن الله لم يخلق الخلق إلا ليعبد وحده ويعرف سبحانه بأسمائه وصفاته، فالله جل وعلا وإن كان هو المحمود لذاته، والذي لايحيط أحد علماً به إلا هو، ولا يثني أحد عليه كما أثنى هو سبحانه على نفسه، فإنه خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ونعني بالخلق كل مخلوق سواء من الملائكة أو من الجن أو الإنس أو الجمادات أو غير ذلك. قال تعالى في شأن الملائكة وأنهم عباده وليسوا أولاده كما زعم المشركون: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء:26-27)

فأخبر سبحانه أنهم عباده وأنهم ليسوا أولاده، وقال في الجن والإنس والسبب في خلقهم: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56-27)

ولا يخفى أن الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى هذه العبادة لأنه المحمود بذاته الذي حمد نفسه وأثنى على نفسه ولا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره، ويعلم عظمته وسلطانه وعلو شأنه إلا الرب سبحانه وتعالى.

ولا شك أنه الغني عن كل خلقه الذي لا تنفعه عبادتهم، ولا تضره معصيتهم كما قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: [يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً] (رواه مسلم 2577 من حديث أبي ذر الغفاري)

ولكنه سبحانه وتعالى يحب أن يعبد وأن يقدس وأن يمدح، ويثيب على ذلك، وهو كذلك يكره الكفـر ويمقت الكافرين جل وعلا والمهم أن مقاصد التشريع الأولى هي العبادة بل هو المقصود الأسمى الذي من أجله خلق الله الملائكة والجن والإنس.

ولذلك كان من فروع هذه الغاية تشريع أمر قد لا تبلغه عقول المكلفين وذلك لاختبار طاعتهم وتحقيق عبوديتهم، وذلك لأن العبادة هي الطاعة الكاملة فيما عقل معناه من المكلف وفيما لم يعقل معناه أيضاً مع كمال الذل والخضوع وحب الآمر، وهذا يفسر لنا كثيراً من أوامر الشريعة التي لا نص على حكمة مشروعيتها، ولا يوجد استنباط متفق عليه لهذه الحكمة كتقبيل الحجر الأسود، والطواف بالبيت، ورمي الجمار، والسعي، وأعداد الركعات ونحو ذلك من الأوامر والأحكام.

2- إنشاء الإنسان الصالح:

المقصد الثاني من مقاصد الشريعة هو إنشاء الإنسان الصالح، والإنسان الصالح هو المسلم الصالح، والمؤمن التقي، والإسلام والإيمان هنا بمعنى واحد وإذا استقرأنا نصوص القرآن الكريـم والسنة في هذا الصدد تحصل لنا مواصفات هذا الإنسان وأنه المؤمن بالله، التقي البار، الخائف من ربه كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون* الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} (الأنفال:2-3) ..

وقـوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (الحجرات:15)

وقوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (البقرة:177)

فالذين وصفتهم هذه الآيات هم المؤمنون الذين أنزلت الشريعة من أجل بنائهم وإنشائهم، وأرسل الرسول من أجل تربيتهم وتزكيتهم قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة:2)

وقد أمضى النبي صلى الله عليه وسلم عمره الرسـالي متعهداً أصحابه مربياً لهم مزكياً لنفوسهم وذلك بتعليمهم كتاب الله المشتمل على قواعد التربية وأصول الأخلاق، ومقومات تزكية النفوس، وضرب رسـول الله صلى الله عليه وسلم المثال بنفسه ليكون أسوة وقدوة فكانت سنته مطبقة وشارحة للقرآن.

والخلاصة: أن هدف الشريعة هو إصلاح النفوس وتنشئة الإنسان الصالح طاهر القلب نقي الثوب الشجاع الأمين الصادق البار الوفي، المخلص الطيب سليم النية والطوية البعيد عن كل الأدناس والأرجاس الحسية والمعنوية، وقد جاءت الشريعة محققه لهذه الغاية على أتم الوجوه وأكمل الصور.. ومن قواعد الشريعة في هذا الصدد ما يلي:

أ- مراعاة الفطرة البشرية:

أول ما نلمسه من التشريع الإلهي لتحقيق غاية المؤمن الصالح أن الشريعة راعت الفطرة البشرية فلم تصادمها بل شرعت ما يشبعها بأحسن الطرق وأقوم الوسائل فقد فطر الإنسان محباً لنفسه محتاجاً للطعام والشراب، والكساء، والسكن، والتربية، وقد ركبت فيه غريزته الجنسية وميله إلى الجنس الآخر، ولذلك جاءت الشريعة بإباحة الملكية الفردية إلى أبعـد الحدود مع وجوب الابتعاد عن الظلم والغش والكسب الخبيث، وأباحت للإنسان أكل الطيبات ولم تحـرم عليه إلا الخبائث المستقذرة طبعاً وأثراً في النفس والبدن، وأباحت الزواج بأربع من الحرائر وشرعت الطلاق لتعطي الفرصة للعلاج أو الفراق وأباحت كل زينة طيبة وكل متاع صالح ولم تحرم إلا ما زادت مضاره على منافعه باتفاق كافة العقلاء المنصفين، وشرح هذا يطول والمهم التنبيه على أن الشريعة الحكيمة راعت كل متطلبات الإنسان الفطرية وسلكت في سبيل إشباعها أقوم السبل وأحسن الطرق: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (الملك:14)

ب- العدل فريضة والظلم حرام:

ولتقويم النفس جعلت الشريعة الحكيمة العدل فريضة دائمة، وحرمت الظلم بكل أنواعه وأشكاله وفي كل أحواله، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالـدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتتبعوا الهوى إن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} (النساء:135)

وقال تعالى أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله} (المائدة:8)

وقال تعالى في الحديث القدسي: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا] (رواه مسلم 1828)

وقد وضع الله سبحانه وتعالى قوانين العدل وموازين القسط في كل علاقة بين الإنسان والإنسان ولم يترك هذا للاجتهـاد الشخصي بل أقام الحقوق والواجبات في كل عقد شرعي مما يحتاجه الناس في حياتهم كعقود البيع والإجارة والمزارعة والزواج والطلاق والبيعة، وغير ذلك، فالعقود الشرعية كلها قائمة على تحقيق هذا المطلب الشرعي، وقال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد:25)

ومن هذا السياق نعلم أن العدل في ذاته هدف وغاية ومقصد من مقاصد الشريعة، وهذا العدل أيضاً وسيلة إلى غاية أخرى وهي تربية الإنسان الصالح الذي يؤمر بالعدل ويبتلى بتطبيقه لتصلح نفسه وتزكو أخلاقه، وهكذا يكون العدل غاية من جهة، ووسيلة من جهة أخرى، غاية في نفسه، فهو مطلب شرعي ووسيلة لتحقيق غاية أخرى وهي تكوين وإنشاء المسلم الصالح.

ج- فتح المجال للإحسان، واستغلال الطاقة:

ومما وضعته الشريعة الحكيمة للوصول إلى الكمال الإنساني وتكوين الإنسان الصالح أنها فتحت المجال على مصراعيه للإحسان، وفتحت الميادين لإشغال الطاقة والموهبة ليصل الإنسـان إلى نهاية الكمال المقدر ففي مجال العبادات وضعت حدوداً دنيا للطاعة، وهو الواجب والفرض وهذا مما يدخل في طوق كل مكلف إلا أصحاب الأعذار والضرورات ولم تكتف بذلك بل فتحت المجال لإشغال النهم، والرغبة في الاستزادة من الخير، فلم تضع الشريعة حداً للأذكار (ذكر الله) قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً} (الأحزاب:41-42)..

وقال: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب* الذين يذكـرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} (آل عمران:190-191)

وقال تعالى في الحديث القدسي: [أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه] (ذكره البخاري تعليقاً 13/508 وصححه الألباني في صحيح الجامع 1906)

وقال صلى الله عليه وسـلم: [من قال حين يصبح وحين يمسي:سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه] (أخرجه مسلم 2692، وأبو داود 5019، والترمذي 3469 وقال حسن صحيح غريب)

وحدَّ النبي صلى الله عليه وسـلم حدوداً عُليا لقراءة القرآن ثلاثة أيام، والقيام إلى ثلثي الليل، والصيام بصيام يـوم وإفطار يوم، وهذا غاية ما يستطيع البشر ومن زاد فوق ذلك كان هذا على حساب واجبات أخرى من حق النفس والزوج وأدى ذلك إلى ضعف البدن المؤدي إلى الفرار من الزحف والعجز عن حقوق الناس، وهذا إفراط في العبادة يؤدي إلى التفريط في جانب آخر.

والخلاصة: أن الشريعة الحكيمة فتحت مجالات العبادة على مصراعيها، ووضعت حدوداً قصوى لا لكبت الطاقة، وتحجيم الخير وإنما للنهي عن الغلو والإفراط كما أن الشريعة أيضاً فتحت مجال أداء حقوق الناس وخدمتهم فأمرت بالبر والإحسان إلى الوالدين، والأقربين وجعلت خير الناس خيرهم لأهله، وأمرت بالتسامح والعفو مع القدرة، ومجازاة السيئة بالحسنة، وأثابت على خدمـة الناس والسعي في معالجتهم وكل ذلك بما يشغل الطاقة في البر والإحسان، وينمي الموهبة ويفتح المجال ليصل المؤمن إلى منتهى الكمال المقدر له وكل ذلك يصب نحو الهدف والغاية التي نحن بصددها (الإنسان الصالح).

د- وضع حدود دنيا للتعبد والأخلاق:

وإذا كانت الشريعة قد راعت الفروق الفردية وأفسحت المجال لأهل الفضل والمواهب ليتنافسوا في الخير ويتسابقوا في الإحسان فإنها أيضاً وضعت حدوداً دنيا جعلتها فروضاً عينية واجبة على كل مكلف وذلك لتزكو أنفس الجميع، ويتطهر الكافة ويكون كل من دخل تحت مظلة الإسلام صالحاً في الحد الأدنى ففرضت للقيام بحق الله واجبات عينية على كل مكلف كالصلوات الخمس في اليوم والليلة، وصيام شهر واحد في العام هو رمضان، وزكاة واجبة للأموال وحج واحد في العمر، كما فرضت في التعامل وجوب رد الجميل ومقابلة الإحسان بالإحسـان وأجازت رد الإساءة بالإساءة وأوجبت معاملة الناس على النحو الذي يحب الإنسان أن يعامل هو به.

وبذلك أوجبت الشريعة الحكيمة على كل إنسان أن يكون صالحاً ولو في الحدود الدنيا التي لا يجوز تجاوزها هبوطاً إلى الإثم، وبذلك راعت الشريعة الحكيمة كل المستويات وصولاً إلى الغاية التي قررتها وهي الوصول إلى المسلم (الصالح).

ثانياً: إقامة الأمة الصالحة:

الغاية الثانية من التشريع الإسلامي هي إقامة المجتمع الصالح وحتى نفهم هذه الغاية على وجهها الصحيح سنقسم البحث فيها على النحو التالي:

(1) مفهوم المجتمع الصالح.

(2) أدلة وجوب إقامة هذه الأمة.

(3) التشريعات التي شرعها الإسلام لإقامة هذه الأمة.

(4) كيف قامت هذه الأمة قديماً؟ وكيف تقام الآن؟

1- مفهوم الأمة الصالحة:

الأمة الصالحة التي نعنيها هنا هي الأمة القائمة بأمر الله سبحانه وتعالى المقيمة لحدوده سبحانه العابدة لله وحده، التي قد جعلت الدنيا مزرعة ومعبراً للآخرة، والتي يتراحم أفرادها ويتعاطفون، وتتآلف قلوبهم وتجتمع جهودهم على محبة الله ورضوانه، ويكون دين الله ظاهراً بها.. الأمـة التي يكون فيها وبها كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وأصدق مثال لهذه الأمة هو عهد النبوة والخلافة الراشدة (صدر الإسلام) ففي هذا العهد ظهرت هذه الأمة على أكمل صورة، وأفضل مثال، ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى هذه الأمة في ذلك العصر في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} (الفتح :29)

فمن صفات أفراد هذه الأمة أنهم متراحمون فيما بينهم، أشداء على أعدائهم، قائمون بأمر ربهم ركعاً سجداً، وجوههم تطفح بالنور والإشراق من أثر السجود لخالقهم، هم غيظ لأعدائهم، وبهجة ونور لأوليائهم، وقد وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً بجوامع كلمه فقال: [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر] (رواه البخاري 6011، ومسلم 2586 عن النعمان بن بشير)

وناهيك عما كان في هذه الأمة من شوق إلى الآخرة، وزهد في الدنيا، وتسابق وتنافس نحو البر والخير، فأي أمة هذه التي يحرم الرجل نفسه من طعامه وطعام أولاده ليطعم ضيفه، والذي ينفق ماله كله في سبيل الله فلا يدخر شيئاً لولده، والذي يبايع الصحابة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت في سبيل الله وألا يفروا ولو كان العـدو أضعافهم، والتي فيها يتقاسم المهاجرون والأنصار أموالهم والتي يتآخى فيها الغرباء والمواطنون ويكونون في أخوتهم أفضل من أخوة الدم؟!!

ولا يعني وجود هذه الأمة أن تكون خالية من الجريمة ومن النفاق فهذه الأمة في صدرها الأول على طهارتها وصلاحها لم تكن خالية من المنافقين، فقد كان هناك عدد كبير منهم، وكذلك لم يخل مجتمعها من الجريمة فقد كان هناك من زنى فرجم، ومن سرق فقطعت يده، ومن غدر فجوزي بجنس عمله قطعاً ليديه ورجليه وسملاً لعينيه، وكل هؤلاء من الذين استظلوا بمظلة الإسلام، وأشهروا وأعلنوا إسلامهم، ولكن كان الشر هذا مستخفياً لا مستعلناً، واليد العليا للمسلمين والكلمة العليا لله ولرسوله وللقائمين بأمره.

2- أدلة وجوب إقامة هذه الأمة:

قد دل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه سلم على وجوب إقامة هذه الأمة وعلى أنها قدر الله الذي لا يرد ومشيئته النافـذة إلى يوم القيامة، ومن ذلك قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً} (الفتح:28)

ولا يظهر دين الله على الأديـان كلها إلا بأن يكون مع النبي صلى الله عليه سلم أمة قائمة بأمر الله مجاهدة في سبيله، ولذلك قال تعالى لرسوله: {.. هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين* وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (الأنفال:62-63)

فمن سبحانه على رسوله بأن أيده وقواه بنصره وبالمؤمنين الذين شرح الله صدورهم للدين وأقامهم وحدة متآلفة حول الرسول صلى الله عليه سلم.

ومن الآيـات الدالة على وجوب إقامة هذه الأمة أيضاً قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكـر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104).. والآية هنا تأمرنا أن نكون أمة على هذا النحو.

ولما قامت هذه الأمة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصفها الله تعالى بقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110)..

ووعد الله هذه الأمة بالنصر والتمكين في الأرض فقال سبحانه وتعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (النور:55)

وقـد نص الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة على ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: [بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم] (رواه أحمد 2/50 عن ابن عمر، وصححه الألباني في الإرواء 1269)

وقـال صلى الله عليه وسلم: [إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها] (رواه مسلم 2889 عن ثوبان)

وبشـر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أمته ستظل طائفة منها على الحق منصورة إلى قيام الساعة فقال: [لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك] (رواه البخاري 7311، ومسلم 1921 من حديث المغيرة بن شعبة وهـو حديث متواتر روي عن جمع من الصحابة منهم معاوية بن أبي سفيان، وثوبان، وابن سمرة، وجابر بن عبدالله، وعقبة بن عامر، وغيرهم رضي الله عنهم)، وقال أيضاً: [حتى يقاتل آخرهم الدجال] (رواه أبو داود 2484 عن عمران بن حصين)

ومن محصلة هذه النصوص نرى أن هذه الأمـة هي قدر الله الذي بشر به وأقامه سبحانه حيث صدق الله وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وأقام أمة الإسلام القوية التي ملكت الدنيا شرقاً وغرباً والتي ظهر دينها على كل الأديان، وإن يكن قـد أصابها ضعف في هذه الأيام فإنما كان بتفريطها في جنب الله سبحانه.

أسس إقامة الأمة الإسلامية في الشريعة:

وضعت الشريعة المطهرة الأسس التي تقام عليها أمة صالحة قائمة بأمر الله سبحانه وتعالى، وحيث أن هذه الأمة لا تقام إلا بالحفاظ على الضرورات الست: الدين، والنفس، والنسل، والعرض، والعقل والمال - فإن الشريعة قد جاءت بالحفاظ على هذه الضرورات على أكمل الوجوه، وإليك البيان لكل ذلك.

أولاً: الحفاظ على الدين:

الدين الحق ضرورة للإنسـان لأنه لا نجاة للإنسان من عذاب الله وعقوبته إلا بالدين الحق، ولا فلاح له في الدنيا والآخرة إلا بأن يعرف ربه ويؤمن به ويعبده على النحو الذي شرعه سبحانه وتعالى ومن غير الديـن يكون الإنسان سائمة وحيواناً بل أحط لأن الحيوان والأنعام قد خلقها الله لمهمة وهي قائمة بها تسخيراً وتذليلاً من الله سبحانه وتعالى، وأما الإنسان فإنه خلـق ليعبد الله اختياراً وطواعية فمن عبد الله فقد عرف مهمته وغاية وجوده، ومن لم يعبد الله لم يعرف غاية وجوده، وبذلك كان أحط دركاً من الحيوان قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجنهم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (الأعراف:179)

ولما كان الدين بهذه المثابة والأهمية فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع من الشرائع ما يحافظ على هذا المقوم الأساسي للفرد، والأمة ومن هذه التشريعات:

أ- لا إكراه في الدين:

جعل الرضا والاقتناع هو سبيل الدخول في الدين، ونهى سبحانه وتعالى عن الإجبار والقهر كما قال تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} (البقرة:256) وهذه آية مدنية من آيات سورة البقرة وهي نص واضح أنه لا يجوز إجبار أحد الدخـول في الدين وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، والآيات في هذا المعنى كثيرة مكية ومدنية كقـوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (النحل:512)، وقوله تعالى: {لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر} (الغاشية:22-24) ، وقوله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ} (المائدة:99)

ولا يخالف هـذا أمر الله سبحانه وتعالى بقتال العرب حتى يسلموا بعد نزول سورة براءة، وفيها قوله سبحانه وتعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} (التوبة:5)

وذلك أن هـذه الآيات في العرب خاصة الذين اختارهم الله لرسالته ونزل القرآن بلغتهم، وأعذر الله إليهم في البيان وظهرت لهم الحجة وشاهدوا معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وتحداهم الله أن يأتـوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن، فعجزوا وصبر الله عليهم قبل نزول هذه الآيات عشرين سنة كاملة أو تزيد، ولم يصبح لهم عذر بعد ذلك في الكفر، وإنما هو العناد فقط ولذلك أمر سبحانه وتعالى بقتالهم حتى يسلموا ويقيموا الصلاة والله سبحانه وتعالى يحكم في عباده بما يريد.

وأما غير العرب فإنه لا إجبار لأحد منهم على الدخول في الدين وإنما الغاية فقط من قتالهم هي أن تكون كلمة الله هي العليا في كل الأرض، وأن ينضووا تحت لواء الأمة الإسلامية وإن بقوا على كفرهم وشركهم، ما داموا مسالمين معطين للجزية المفروضة عليهم.

والمهم هنا أن الله سبحانه وتعالى جعل الدخول في الدين اختياراً حتى تطمئن له القلوب وترتاح له النفوس، ويدخل من يدخل فيه اقتناعاً وحباً.

ب- قتل المرتد:

وشرع الله سبحانه وتعالى القتل للمرتد عن الإسلام وذلك رعاية لجناب الدين، وحفاظاً على هيبته، وقطعاً لدابر المفسدين الذين يمكن أن يلجئوا إلى الدخول فيه لمعرفة أسرار المسلمين وكشف عوراتهم، ثم الردة بعد ذلك، ولو لم يجعل تشريع لقطع دابر هذا الفساد لأدى ذلك إلى خلخلة صفوف المؤمنين وهدم كيانهم كما أراد اليهود ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول الله عز وجل عنهم: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران:72)

وهذه خطة خبيثة أراد بها اليهود التشكيك في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمزيق صف المسلمين، ولذلك جاء التشريع بقتل المرتد عاصماً من تلاعب المتلاعبين بالدين، فقال صلى الله عليه وسلم: [من بدل دينه فاقتلوه] (رواه البخاري 2269 من حديث ابن عباس)

وقال أيضاً: [لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] (رواه البخاري 6878، ومسلم 1676 من حديث ابن مسعود)

ج- جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم:

ومما شرعـه الله أيضاً للحفاظ على الدين أن جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم ومسلمة كما قال صلى الله عليه وسلم: [من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان] (رواه مسلم 49 من حديث أبي سعيد الخدري)

و{مَن} من صيغ العموم وتشمل الذكر والأنثى، ولذلك قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} (التوبة:71)

وهذا معناه أن تكون الأمة جميعاً متضامنة ومتعاونة ومتحابة، آخذة على يد السفيه، مانعة أي انحراف عن الدين، وهكذا يكون الحفاظ على الدين مسؤولية كل أحد في الأمة، هذا إلى جعل تبليغ الدين ونشر رسالته مهمة الأمة كلها كما قال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110)

وقوله سبحانه وتعالى أيضاً: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104)

وبذلك تعيش الأمة كلها لدينها وعقيدتها، بل جعل الله الموت في سبيل الحفاظ على الدين هو الشهادة والجائزة، كما قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: [من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله] (أخرجه البخاري 2810، ومسلم 1904 من حديث أبي موسى الأشعري)

ومعنى هذا أن من قاتل لغير ذلك فليس في سبيل الله.

ولو ذهبنا نستقصي ما شرعه الله سبحانه وتعالى للحفاظ على الدين الذي هو المقوم الأول لحياة الفرد لتوسع الموضوع جداً، والمقصود هنا البيان والتدليل على أن الشريعة الإسلامية قد رسمت أفضل السبل للحفاظ على الدين وصونه في الأمة، وذلك لأن الدين هو الحياة والنجاة والفلاح، والكفر هو الموت والخسارة والبوار.

ثانياً: الحفاظ على النفس:

جعل الله الإنسان مخلوقاً مكرماً عنده، فآدم أبو البشر خلقه الله بيديه، وأسجد له الملائكة، وفضل ذريته على كثير من الخلائق، ولذلك شرع الله من التشريعات ما يحافظ على النفس الإنسانية، فقـد جعل الله سبحانه وتعالى العـدوان على النفس الإنسانية بالقتل جريمة كبرى بل لا أكبر منه بعد الشرك كما قال سبحانه وتعالى تعقيباً على قتل أحد ولدي آدم لأخيه: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} (المائدة:32)

وقال أيضاً سبحانه: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (النساء:93)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم] (أخرجه الترمذي 1395، والنسائي 3987 وصححه الألباني في صحيح الجامع 5077)

وجعل حرمة العدوان على النفس واحدة فالمرأة كالرجل والطفل كالشيخ، والغني كالفقير، وجعل سبحانه وتعالى القصاص عقوبة للعدوان على النفس بالقتل ردعاً لهذه الجريمة، وجعل وأد البنات وهو ما كانت تزاوله الجاهلية الأولى من أكبر الكبائر، قال تعالى: {وإذا الموءودة سئلت* بأي ذنب قتلت} (التكوير:8-9)

ولا شك أن العدوان على الجنين في بطن أمه بعد أن يتخلق وتنفخ فيه الروح كذلك لأنه بذلك يصبح نفساً إنسانية، والعدوان عليه في البطن لا يختلف عن العدوان عليه بعد الولادة.

ولم يبح الله سبحانه وتعالى قتل النفس البشرية إلا في جرائم محددة، وأما الكافر فإنه لم يبح قتله وقتاله إلا إذا كان محارباً معتدياً فقط، وجعل سبحانه وتعالى أولاد المشركين ونساءهم ومن لم يحارب منهم معصومي الدم.

ثالثاً: الحفاظ على المال:

المال قوام الحياة، ولا قيام لإنسان ولا بقاء إلا بالمال فهو الطعام والشراب والسكن والعدة والعتاد وقد وصفه الله بذلك فقال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} (النساء:5) فالمال قوام الحياة.

و قد شرع الله سبحانه وتعالى من التشريعات ما يكفل الحفاظ عليه، وتنميته بكل وسيلة صالحة، فأباح الله للمسلمين أن ينموا أموالهم بالزراعة، والصناعة، والرعي، وإحياء الموات، واستخراج المعادن، والصيد والتجارة، والمشاركة والمقارضة.. ووضع التشريعات التي تكفل تنظيم كل ذلك حتى لا يطغى شريك على شريك، ولا عامل على صاحب عمل والعكس، ولا البائع على المشتري والعكس، ولا المستأجر على المؤجر والعكس، وكل ذلك في نظام تشريعي يكفل العدل وتوزيع الثروة، وقيام الحافز وشحذ الهمة للربح والعمل.

كما جعـل للفقراء في مال الأغنياء بالصدقة والزكاة حتى يتم التكافل والتحابب والتعاون، وتسد خلات الناس جميعاً.

ونهى سبحانه وتعالى عن كل ما من شأنه أن يكون أكلاً لأموال الناس بالباطل كالرشاوي والقمار والرهان، وحرم الربا لما يجر من فساد في المجتمع لأنه يجمع الثروة في أيدي طائفة من المرابين الرأسماليين فقط، والربا لا شك أنه مصدر الكوارث الاقتصادية والفساد الاجتماعي، هذا في باب تنمية المال بالطرق المشروعة وتحريم الكسب الخبيث.

أما ما شرعه الله سبحانه وتعالى للحفاظ على المال، فكثير جداً، فمن ذلك:

سن الله سبحانه وتعالى حد السرقة ليكون هذا ردعاً عن التعدي على المال الخاص أو العام. ولا يخفى ما للسرقة من هدم للثروات لأنه بانتشار السرقة يحجم الناس عن إخراج المال للعمل والاستثمار، وينفق الناس كثيراً من الأموال في الحراسة.. هذا إلى ما للسرقة من هدم للمجتمعات وإشاعة للخوف بين الناس ولذلك كانت العقوبة الشرعية لجريمة السرقة عقوبة زاجرة رادعة وهي قطع اليد، وجاءت الشريعة بما هو أشد من ذلك أيضاً وهو قطع الأيدي والأرجل من خلاف وذلك لمن يتجرأ على قطع الطريق، وإخافة السبيل وذلك لما لهذا من آثار مدمرة على اقتصاد الأمة حيث يمنع الناس من السفر بأموالهم والضرب في الأرض للتجارة.

قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} (المائدة:33)

ولم تكتف الشريعـة المطهرة بسن هذه العقوبات الزاجرة فقط حفاظاً على المال بل منعت أيضاً من تمكين التصرف في المال للسفيه من أجل صغره أو من أجل عقله كما قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم} (النساء:5)

ونهى سبحانه وتعالى عن الإسراف والتبذيــر كما قال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (الأعراف:31)

وقال تعالى أيضاً: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً} (الإسراء:29)

وهكذا نجد أن الشريعة الكاملة المطهرة قد جاءت بالحفاظ على المال بكل سبيل، وتنميته بكل طريق صالح وحمايته من الضياع أو السرقة، وذلك لأن المال قوام الحياة.

رابعاً: الحفاظ على النسل:

وأما المقوم الرابع من مقومات المجتمع الصالح والأمة الصالحة فهو النسل ولا نعني بكلمة النسـل هنا مجرد الولادة والإنسال لأن للإنسان ميزة خاصة عن سائر الحيوانات في النسل هي القرابة التي تسمى في الشريعة الإسلامية بالأرحام فالأبوة والبنوة، والأخوة، والأمومة، والعمومة، والخؤولة.

هـذه الصلات التي تقوم بين أبناء الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة ثم القبيلة ثم الشعب هي التي يتوقف عليها وجود أمة صالحة يترابط أفرادها وكذلك وجود فرد صالح تنمو فيه المشاعر الإنسانية كالرحمة والفداء والعطف، والشعور بالمسؤولية، ويظهر هذا جلياً فيما لو تصورنا نسلاً إنسانياً لا يقوم على أساس الزواج الشرعي وإنما عن طريق الإنجاب والشيوعية الجنسية، حيث ينشأ الطفـل لا يعرف أباً بعينه ولا أماً ولا أخاً ولا عماً ولا خالاً، إن مثل هذا النسل ينشـأ مبتوت الصلة عن العواطف والمشاعر فهو لا يعرف الشعور بالحب نحو الأب والأم ولا يشعـر بشعور التراحم والتكافل الذي ينشأ بين الأخوة والأخوات ومع الأعمام والأخوال... الخ.

ولذلك فالنسل الذي نعنيه هنا والذي هو قوام الأمة الصالحة التي يبتغي الإسلام إنشاءها هو النسل الذي شرع الله له من التشريعات ما يجعله نقياً نظيفاً طاهراً ولذلك شرع الزواج وحرم السفاح والزنا، وجعل للزواج شروطاً لا تصح إلا به، ومن ذلك تحريم مجموعة من النساء اللائي يدخلن في دائرة الأرحام وهي الأم والبنت والأخت والعمة والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخ، وأم الزوجة، وبنت الزوجة، وما يحرمه الرضاع ، وهو يماثل ما يحرمه النسب، لقوله صلى الله عليه وسلم: [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] (أخرجه البخاري 3105 ومسلم 1444 من حديث عائشة)

وهكذا شرع الإسلام طريقاً سليماً لنسل نظيف يعرف الإنسان فيه نسبه ونسبته، حتى لا يكون الإنسان في المجتمع والأمة رقماً من الأرقام كما هو الحال في مزارع الدواجن والبهائم.

وقد شرع الإسلام عقوباتشديدة الزجر للزنا نظراً لمايؤدي إليه من اختلاط الأنساب فجعل الرجـم عقوبة للزاني المحصن (وهو الذي سبق له الزواج) والجلد عقوبة الزاني البكر كما جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: [خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً - البكر بالبكر جلد مائة، ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم] (رواه مسلم 1690)

وشرع أيضاً ربنا سبحانه وتعالى عقوبة رادعة لمن ينشر جريمة الزنا عن طريق سب الأشخاص واتهامهم بالزنا لما في ذلك من تعريف للغافل وهدم لسمعه النظيف الطاهر فقال سبحانه وتعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} (النور:40)

وهكـذا يقطع الإسلام الطريق على الفساد الأخلاقي الذي يؤدي إلى انتشار فاحشة الزنا، وكثرة أولاد السفاح، وكل ذلك لتنشأ الأمة ذات النسل النظيف الصالح.

وناهيك بما شرعـه الله سبحانه وتعالى سداً لذريعة الزنا من إيجاب الحجاب، وإيجاب الاستئذان قبل الدخول، وتحريم الخلوة بالأجنبية، والسفر دون محرم، وغير ذلك مما شرعه الله سداً لذريعة الزنا، وكل ذلك من أجل الحفاظ على النسل.

خامساً: الحفاظ على العرض:

جاءت الشريعة أيضاً بالحفاظ على العرض، والمقصود بالعرض هنا هو النفس المعنوية للشخص، فكما حافظت الشريعة على النفس المادية، وحرمت العـدوان على الدم كما مضى في (ثانياً) فإنها جاءت أيضاً بالحفاظ على نفس الإنسان المعنوية وهي سمعته، وكرامته وعرضه.. فجعلت سباب المسلم فسوقاً، وحرمت الغيبة والنميمة، والغمز واللمز، والطعن في الأنساب، وتفاضل الناس باللون أو الجنس، وجعلت العقوبات على التعدي على هذه الأمور عقوبات تعزيرية متروكة لحكم الحاكم واجتهاده، وذلك ليقرر فيها العقوبة المناسبة، ولكن الشريعـة فرضت عقاباً واحداً مقرراً منصوصاً عليه في القرآن والسنة وهو حد القذف والقاذف هو الذي يتهم غيره بالزنا قال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} (النور:40)

ولا شك أن حكم قذف المحصن كحكم قذف المحصنة لأن كلا من الرجل والمرأة تتضرر سمعته بذلك، وقد قـام الإجماع على أن المرأة والرجل سواء في هذا الحكم ولا شك أن الحكمة من مشروعية حد القذف هي الحفاظ على الأعراض حتى يعيش الفرد في مجتمعه المسلم آمنا على عرضه، كما يجب أن يأمن أيضاً على دينه ونفسه وماله، ولا ينافي حد القذف للحفاظ على النسل إذ هـو للأمرين معاً؛ للحفاظ على النسل سداً للذريعة، والحفاظ على العرض بالأصالة...

وحد القذف أيضاً يشمل الشهود الذين يشهدون بالزنا على شخص ما دون أن يكونوا أربعة مجتمعين فلو أن ثلاثة شهدوا بالزنا ولم يأتوا برابع معهم فإنهم يحدون حد الفرية، وكذلك يشمل هذا الحد من قذف المحدود في الزنا أيضاً، ومن قذف ولد الزنا علماً بأن هؤلاء قد يكونون صادقين فيما قالـوه ولكن لقطع قالة السوء، ودابر الشر فإن الشريعة الحكيمة قد جاءت بالعقوبة لكل هؤلاء.

وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بما يحافظ على الأعراض، ويصون كرامة الأشخاص رجالاً كانوا أو نساء، وكل ذلك من أجل إقامة الأمة الإسلامية والمجتمع المسلم النظيف الطيب وقد عرفنا أن هذه غاية من غايات التنزيل السماوي.

سادساً: الحفاظ على العقل:

والضرورة السادسة التي جاء الإسلام بالحفاظ عليها هي ضرورة العقل، ونعني بالعقل هذا السـر الداخلي في الإنسان الذي يملك به التمييز ويفهم به الأشياء ولا شك أن مكانه القلب، وإن كان المخ هو مكان تجمع المعلومات واتصال كافة الأحاسيس قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (الأعراف:179)

وعقل الإنسان يضيع بالسكر، ويتعطل به - ولذلك سمى المسكر خمراً يخامر العقل ويستره... ولذلك جاءت الشريعة الحكيمة بتحريم شرب الخمر لما يؤدي إليه شربها من ستر العقل وتغطيته وذلك حفاظاً على هذه الحاسة الجليلة والسر العظيم الذي أضحى به الإنسان إنساناً، فشرعت لذلك عقوبة رادعة وهي الجلد أربعين جلدة (على الراجح الصحيح) وحرمت كل سبيل يوصل بها إلى الخمر كما قال صلى الله عليه وسلم: [لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه] (رواه أبو داود 3674 وصححه الألباني في صحيح الجامع 5091)

وحـرم كذلك كل ما يفتر العقل كما جاء في الحديث: [نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر] (رواه أحمد 6/309 وأبو داود 3686 وفيه شمر بن حوشب وضعف الألباني اللفظة الأخيرة في ضعيف الجامع 6077)

وهذا يدخل فيه كل ما يخدر الجسم وينيم العقل والإحساس، وكل ذلك ولا شك للحفاظ على العقل الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة.

أما العقل الذي هو ملكة الفهم، وقواعد الإدراك فإن الإسلام قد جاء بما يحافظ على سلامة الفهم فنهى عن نشر الخرافات والخزعبلات، والأوهام وأمر أن يطالب كل أحد بدليل ما يقول، ونهى عن السحر والكهانة، وادعاء علم الغيب، والاتصال بالجن، وكل ما من شأنه أن يشوش الفهم السليم، ويصرف العقل عن مساره الصحيح، وفرض في بعض هذه الأمور عقوبات رادعة، وإن كان بعضها يدخل في باب الحفاظ على الدين، لأن بعضاً منها قد يؤدي إلى الردة والكفر ومعلوم أن حد الردة قد شرع حفاظاً على الدين.

الخلاصة: هذه باختصار المقومات التي جاءت الشريعة الإسلامية بالحفاظ عليها إقامة للأمة الصالحة التي هي هدف من أهداف الشريعة فهي الأساس للأمة الصالحة التي تحقق الهدف من خلق الإنسان وهو عبادة الله تعالى ووضعت عقيدة واحدة للأمة تجتمع عليها وذلك لتكون قلوبها واحدة، وتصورها للرب والكون والحياة واحداً، ورسمت لها شريعة واحدة في كل شئون الحياة ليكون عملها واحداً وصراطها في هذه الحياة صراطاً واحداً، وجعلت محبة المسلم للمسلم فرضاً كما قال صلى الله عليه وسلـم: [لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم] (رواه مسلم 54 من حديث أبي هريرة)

وشرعت من التشريعات ما يجعل المؤمنين متوادين متراحمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وحرمت الفرقة والخلاف بكل سبيل ووضعت عقوبات زاجـرة لكل من اعتدى على مقوم من مقومات الحياة الأساسية، وهي: الدين، والنفس، والمال، والنسل، والعرض، والعقل.

وبذلك كفلت للمسلم الذي يعيش في وسط الأمة الإسلامية المطبقة لشريعة الله أن يكون آمناً على دينه، ونفسه، وماله، ونسله، وعرضه، وعقله، ليعيش النـاس السعادة الممكنة والمستطاعة على هذه الأرض وهذا -ولا شك- ثمرة معجلة من ثمار الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

قال جل وعلا: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:97)

والحياة الطيبة هي الحيـاة في ظل مجتمع يطبق شريعة الله كما أنزلت ويكون الفرد فيها عضواً من أمة الإسلام العظيمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس.

أولاً: الحاكم

1- الحكم لله وحده:

الحكم في كل أمر وشأن هو لله تعالى وحده قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} (الأنعام:57) قال جل وعلا: {والله يحكم لا معقب لحكمه} (الرعد:41)

والحكم الشرعي هو المسند إلى الله سبحانه وتعالى، فالحاكم الذي له الحق أن يأمر وينهى هو الله سبحانه وتعالى وحده، لأنه خالق الخلق ورب العالمين، وفاطر السموات والأرض، قال تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف:54)

فالرب الذي خلق السموات والأرض واستوى على عرشه -والعرش سقف هذه المخلوقات وأعلاها- وسخر الشمس والقمر والنجوم وخلق الخلق جميعاً هو الذي يحق له أن يأمر وينهى، ويشرع لعباده ما يشاء ولا يصح هذا لغيره مطلقاً، ولذلك قال سبحانه: {ألا له الخلق والأمر} (الأعراف:54) أي فكما أن له الخلق فله سبحانه الأمر.

وعلى أساس هذه العقيدة قامت السموات والأرض، وذلك أن الله ما خلق الخلق إلا ليأمرهم وينهاهم ويختبرهم بما شاء وكيف يشاء، قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون* فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} (المؤمنون:115-116)

قال سلف المفسرين: عبثاً: أي سدى لا تؤمرون ولا تنهون، وهذا للأسف ظن الذين كفروا حيث يعتقدون أنهم وجدوا في هذه الحياة ليعيشوا فيها ويتمتعوا فيها كيف شاءوا دون أن يكونوا ملتزمين بشريعة معينة بل بما تمليه عليهم أهواؤهم، ولذلك قال تعالى في شأنهم: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النـار* أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} (ص:27-28)

فحقيقة عقيدة الكفار أنهم خلقوا ليعيشوا ويتمتعوا كما يشاءون، ولذلك شرعوا لأنفسهم وتركوا تشـريع الله سبحانه وتعالى، وقد أرسل سبحانه وتعالى الرسل ليعلنوا للناس أنه سبحانه ما خلق الخلق عبثاً وسدى وباطلاً، وإنما خلقهم ليشرع لهم ما تزكو به نفوسهم، وتطهر به مجتمعاتهم ولذلك قال سبحانه: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} (ص:28) وهذا سؤالٌ استنكاريٌّ أي لا نجعل من تمسك بشريعتنا ورضي بديننا من أهل التقوى والصلاح كمن تنكب ذلك من المفسدين الفجار.

ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه ليضع للناس الدين الذي يحبه ويرضاه ويبين للناس الصراط المستقيم الذي يجب عليهم اتباعه.

والخلاصة: أن الحاكم في كل شؤوننا هو الله سبحانه وتعالى، وأن الحكم الشرعي معناه حكم الله أو ما نظن أنه حكم الله سبحانه وتعالى، وذلك في الأمور التي لا نص فيها من كتاب أو سنة.

2- الرسول صلى الله عليه وسلم يحكم بحكم الله:

والرسول صلى الله عليه وسلم مشرع بأمر الله: {وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى} (النجم:-4) ولا يشرع من عند نفسه، وحكم الله سبحانه وتعالى هو ما أنزله في كتابه، وما بلغه الرسول عن ربه تبارك وتعالى، وهذا يعني أن الحكم الشرعي لا يسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلـم على أنه من عنده ومن تشريعه، بل الأصل في الرسول أنه مبلغ ما أمره الله به، وما أوحـاه إليه، قال تعالى: {والنجم إذا هوى* ما ضل صاحبكم وما غوى* وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى} (النجم:1-4)

وقـال تعالى: {فلا أقسم بما تبصرون* وما لا تبصرون* إنه لقول رسول كريم* وما هو بقول شاعـر قليلاً ما تؤمنون* ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون* تنزيل من رب العالمين* ولو تقول علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين} (الحاقة:38-46)

وفي هذا بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستحيل أن يتقول على الله وإلا تعرض لعقابه وسخطه، وفي الآية السابقة آية النجم دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق بشيء من الدين بهواه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: [وما حدثتكم عن الله فلا أكذب على الله] (رواه أحمد 1/162 ومسلم 2361 وابن ماجه 2470 عن طلحة بن عبيدالله)

والخلاصة: أن الرسول مبلغ عن الله كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44)

وهذا يعني أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي تبليغ كلام الله، ثم تبيينه للناس حسب مراد الله سبحانه وتعالى، وحسب ما يوفقه الله تعالى له كما قال عز وجل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً} (النساء:105)

فالله هو الذي يوفق الرسول ويريه، فاجتهاد الرسول حق لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مسدد وموفق ومعصوم بعصمة الله له، ولا يقره الله على اجتهاد خالف فيه الأولى والأحرى -وسيأتي لهذا الأمر تفصيل وشرح في باب السنة من مصادر التشريع- والمهم هنا أن نقرر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو الحاكم في الحكم الشرعي بل الله هو الحاكم، وإن كان الحكم يسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لكلام الله وحاكم بأمر الله وقاض بقضائه سبحانه وتعالى ولذلك كانت طاعته طاعة لله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء:80)

3- العلماء والفقهاء والقضاة والأئمة ليسوا مشرعين:

والحكم الشرعي إذا نسب إلى عالم وفقيه مجتهد، أو قاض، أو إمام كأمير ونحوه فإنه لا يعني أن الحاكم هو أحد هؤلاء، بل هؤلاء جميعاً موقعون عن الله واجتهادهم وقضاؤهم وأوامرهم يجب أن تكون جميعها مستندة إلى حكم الله سبحانه وتعالى من كتابه أو سنة رسوله، وهؤلاء إن حكموا بالنص القرآني أو الحديثي، فقد حكموا بحكم الله، وإن لم يجدوا نصاً واجتهدوا بآرائهم أو بقياسهم، فيجب أن يكون اجتهادهم هو ما يظنون أنه حكم الله، وليس لأحدهم أن يحكم بهواه، أو برأيه المجرد، أو بما يستحسنه من عند نفسه دون نظر إلى مقاصد الشرع وأهدافه وقواعد الشريعة وأحكامها، وهذا يعني في المحصلة النهائية أنهم يحكمون بحكم الله، فإن أصابوا فمن الله، وإن أخطأوا -لأنهم غير معصومين- فإن هذا الحكم ينسب لأنفسهم ولا ينسب إلى دين الله وتشريعه.

ولما كان العلماء المجتهدون، والقضاة، والحكام يجتهدون فيصيبون أحياناً، ويخطئون أحياناً كان الدين الذي تعبدنا الله به هو كلامه وكلام رسوله فقط، لأن كلام الله وكلام رسوله هو الكلام المعصوم من الخطأ فقط.

وسيأتي لهذا مزيـد تفصيل في أبواب الاجتهاد إن شاء الله تعالى، والمهم هنا أن نفهم أن من له الحكم وحده هو الله سبحانه وتعالى، وأن العلماء مجرد موقعين عن الله مبلغين عنه وعن رسوله، محاولين باجتهادهم أن يصلوا إلى حكم الله سبحانه وتعالى، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (رواه البخاري 7352 ومسلم 1716 من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه)

4- الإجماع من حكم الله:

وإجمـاع الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على مسألة ما من مسائل الدين ليس تشريعاً جديداً لأن الإجماع يستند دائماً إلى دليل شرعي (آية من كتاب الله أو حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم)، وبذلك يكون الإجماع في نهاية أمره مردود إلى الله سبحانه وتعالى إذ لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة.. وهذا من توفيق الله لها، وبالنهاية فإجماعها من حكم الله.

*أثر الإيمان بهذه القاعدة (إن الحكم إلا لله):

للإيمان بهذه القاعدة آثار عظيمة في التشريع الإسلامي، وهاك أهم هذه الآثار:

أ- تحري الحق والرجوع إلى القرآن والسنة قبل الإفتاء:

أول هذه الآثار هو غرس تحري الحق والبحث والتنقيب عن حكم الله سبحانه وتعالى في كل قضية وعدم اللجوء إلى الرأي إلا في أضيق الحدود، وعندما يتم العجز التام عن وجود نص عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك مخافة أن يدخل المسلم تحت قول الله سبحانه وتعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون* متاع قليل ولهم عذاب أليم} (النحـل:116-117) ، وبهذا يضيق مقـام التقول على الله سبحانه وتعالى والتعجل في إصدار الحكم الشرعي، وذلك أن كل عالم ومفت وإمام وحاكم إذا استقر في قلبه أنه يصدر شكلها باسم الله، وكان مع ذلك من أهل الإيمان والخوف من الله سبحانه وتعالى فإنه سيبذل قصارى جهده في أن يصل إلى مراد الله حقاً وصدقاً وأن يتعرف على ما يحبه الله ويرضاه وعلى مقاصد تشريعه وأهداف رسالته في الأرض.

ب- رد كل خلاف بين المسلمين إلى كلام الله وكلام رسوله:

وأما الثمرة الثانية لهذا الأصل فهي تضييق شقة الخلاف بين المسلمين وذلك أنهم سيصدرون في فتاويهم وآرائهم عن كـلام الله وكلام رسوله، ثم يعودون في كل خلاف ينشأ بينهم إلى كلام الله وكلام رسوله عملاً بقوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (النساء:59)، وبهذا تضيق شقة الخلاف ويقل تحكيم الرأي والهوى، وتعظم طاعة الله وطاعة رسـوله، ويجتمع المسلمون ما أمكن على كلمة سواء، ويكون كلام الله هو الفيصل دائماً عند نشوء أي خلاف في الرأي والاجتهاد.

ج- لا إلزام إلا بكلام الله وكلام رسوله وما وافق ذلك:

والثمرة الثالثة هي الاعتقاد أن الدين هو كلام الله وكلام رسوله فقط، وما سوى ذلك ليس من الدين فكلام العلماء والمجتهدين والقادة الذي يخالف نصاً عن الله أو عن رسوله ليس من الدين، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأما الآراء والاجتهادات التي لا تخالف النص فتبقى آراء يجوز مخالفتها لمن وجد أن غيرها أحسن منها ولا يعتبر مخالف الرأي الفقهي مخالفاً للدين بحال، إلا إذا كان هذا الرأي الفقهي مستنداً إلى الدليل الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله فتحرم مخالفته، وفي هذه الحالة أيضاً يستمد الرأي الفقهي وجاهته وقوته من استناده إلى الدليل الشرعي لا من عند نفسه، وأما من تجب علينا طاعتهم بأمر الله كأولي الأمر فمعلوم أن طاعتهم ما كانت واجبة إلا بأمـر الله ورسوله حيث يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (النساء:59)

ويقـول صلى الله عليه وسلم: [من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني...] (رواه أحمد 2/467 ومسلم 1835 عن أبي هريرة)

ولا شك أن طاعة أولي الأمر مشروطة أيضاً بأن يكون ذلك في مرضاة الله سبحانه وتعالى ووفق شريعته وأوامره لا فيما يسخطه الله وينهى عنه كما قال صلى الله عليه وسلم: [السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة] (رواه البخاري 7144 ومسلم 1839 عن عبدالله بن عمر)

* خلاصة القواعد في هذا الباب:

(1) لا حكم إلا الله {إن الحكم إلا لله} {ألا له الخلق والأمر}.

(2) الرسول حاكم بأمر الله.

(3) الإجماع من حكم الله.

(4) الاجتهاد محاولة الوصول إلى حكم الله، هو بذل الجهد للوصول إلى ظن بحكم شرعي.

(5) الاجتهاد الصائب ما وافق حكم الله، والخطأ ينسب إلى صاحبه وليس تشريع الله.

(6) لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ثانياً: المحكوم عليه:

الغاية من الخلق: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56)

الأصل الأول في هذا الباب هو مضمون قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56) وهذا يدلنا على أن الله ما خلق البشر والجن إلا لعبادته وحده لا شريك له، ومن أجل ذلك خلق السموات والأرض، وسخرها وما فيها للإنسان الذي خلق أصلاً لهذه الغاية العظيمة.

ومن أجل هذه الغاية أرسل الله الرسل، وأنزل الشرائع من أجل هداية الإنسان إلى صراط الله سبحانه وتعالى... وذلك أن الله جل وعلا قد تكفل لآدم عندما أهبطه إلى الأرض بسبب معصيته في الجنة بأن ينزل عليه وعلى ذريته هدى، فمن اتبع هذا الهدى فقد اهتدى، ومن تنكبه فقد ضل وهلك.

قال تعالى: {قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى* ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه:123-124)

وهـذه الهداية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى هي دينه وشريعته وحلاله وحرامه، كما أنها أيضاً هي العقيدة الهادية التي تحدد الإنسان أبعاد هذا الكون كيف بدأ وإلى أين يسير، وتعرف الإنسان بربه وخالقه، ولماذا خلقه، وعاقبة هذا الإنسان ومآله...

فالإنسان هو مناط التكليف، ومن أجله أنزلت الشرائع السماوية، وأرسلت الرسل، بل من أجله أيضاً خلق الله هذه السموات وهذه الأرض وسخر له ما فيها كما قال سبحانه وتعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} (لقمان:20)

وبهـذا نعلم يقيناً أن العالم ما قام إلا ليُكَلف الإنسان ويُبتلى، وقال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً* إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً} (الإنسان:1-2)

فما خلق الله الإنسان إلا ليبتليه ويختبره وهذا الابتلاء هو التكليف، والإنسان بهذا الابتلاء هو المكلف.

التكليف الشرعي:

ولا شك أن التكليف الشرعي تشريف عظيم للمكلف... فالعبادة التي خلق الله الناس من أجلها هي أشرف الأعمـال، وأشرف الخلق هم من حققوا هذه العبادة على وجهها الأكمل، ولذلك كان الرسل أشرف البشر وأعلاهم منزلة في الدنيا والآخرة وأفضل العالمين، وكان أعظم وصف للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصفه الله به أنه عبد لله كما قال عنه سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده} (الإسراء:1).. وفي مقام إنزال الكتاب {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} (الفرقان:1).. وفي مقام الدعوة: {وأنه لما قام عبدالله يدعوه} (الجن:19)، وفي مقام التحـدي: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} (البقرة:23) وهذه أشرف المواطن، فما وصف الله رسوله بالعبودية فيها إلا تعظيماً لهذا الوصف.

وقال عن عيسى: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} (الزخرف:59) وقال عن الملائكة: {بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول} (الأنبياء:26-27)

والخلاصة: أن من استعمله الله في طاعته وخدمته والقيام بأمره فقد أكرمه وقربه، ومن خذله الله وأبعده فقـد أهانه وحرمه، ولا شك أن من أهانه الله ليس له من مكرم ولذلك قال الله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} (الحج:18)

فمن أهانه الله خذله وحرمه من السجود له.. ولهذا يجب أن ينظر إلى التكليف على أنه تشريف وكرامة وعلو منزلة لا على أنه كلفة ومشقة وإهانة وعنت تعالى الله أن يكون القائم بأمره كذلك {طه* ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى* إلا تذكرة لمن يخشى* تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى* الرحمن على العرش استوى} (طه:1-5)

فيستحيل أن يكون نزول القرآن لشقوة الرسول وشقوة أتباعه بل لسعادتهم وعزتهم في الدنيا والآخرة، بل الشقوة على من خالف أمر الله، وابتعد عن طريقه كما قال عز وجل: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه:124)

فالمعرض عن الله هو الشقي المنكود، والمقبل على الله هو السعيد الموعود بكل خير وبر، وهذه القاعدة قد بسطنا القول فيها لما لها من أهمية في كل فرع من فروع التشريع، وذلك أنه ينبني على هذه القاعدة (التكليف تشريف) ما يأتي:

أ- لا يجوز أن تكون العبادة عقوبة:

ما دام أن التكليف تشريف فلا يجوز لنا أن نفرض العبادات نوعاً من العقوبات والتعزير لأن العبادة شرعت ووضعت للتكريم لا للإهانة ومكان العقوبة الإهانة لا التكريم، ولا ينقض هذا كون الكفارات نوعاً من العقوبات لأن الكفارات في حقيقتها رحمة بالمسلم لنوع خاص من المخالفات التي هي في الحقيقة من الأخطاء لا من الإجرام كقتل الخطأ، واليمين التي يحنث فيها صاحبها، والظهار، والجماع في نهار رمضان، وهذه كلها أخطاء لا تدخل في دائرة الإجرام كالسرقة وتعمد القتل والقذف، وشرب الخمر ونحو ذلك، وعلى كل حال فهناك اتفاق عام على أنه لا قياس على الكفارات.

والمهم أن نقرر هنا أن العبادات لا يجوز أن تفرض عقوبات لأن العبادات تشريف وليست تكليفاً.

ب- لا يستوي أهل الإيمان وأهل الكفران:

ومما ينبني أيضاً على أن التكليف تشريف، أنه لا تسوية مطلقاً بين المؤمن والكافر، بل التسوية بينهما ليست عدلاً، ومخالفة لما قامت عليه السموات والأرض كما قال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} (القلم:35-36).. وقال تعالى أيضاً: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلاً ما تتذكرون} (غافر:58)

وهذا التفريق بين المؤمن والكافر كما هو في الآخرة حيث يكرم المؤمنون بالجنة، ويهان الكافر بالنار فهو في الدنيا أيضاً، فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالتفريق بين المؤمنين والكافرين في كثيـر من المعاملات والقضايا فقد أهدرت الشريعة دم الكافر المحارب، وأباحت ماله واسترقاق أولاده ونسائه، وعصمت مال الكافر بعقد الذمة وجعلت حقوق الذمة خاضعة للمشارطة لا للنصوص الشرعية ووضعت فروقاً كثيرة بين حقوق أهل الذمة وحقوق المسلمين في الدولة الإسلامية مما هو معلوم في مكانه ومصادره وليس هذا مجال تفصيله والمهم هنا أنه بناء على قاعدة "التكليف تشريف" وصلنا إلى قاعدة ثانية هي (لا يستوي أهل الإيمان وأهل الكفران).

* متى يكون الإنسان مكلفاً؟

ولكن للإنسـان حالات كثيرة لا يكون فيها أهلاً للتكليف فمتى يكون الإنسان أهلاً للتكليف ومتى لا يكون؟

والجواب أن الإنسان لا يكون أهلا للتكليف إلا إذا كان عاقلاً بالغاً، قد وصله الأمر، وبلغته الذكرى، غير مكره ولا مضطر وتفصيل ذلك على النحو التالي:

* الحالات التي يخرج فيها الإنسان عن دائرة التكليف:

1- الصغير حتى يبلغ:

وذلك أن الصغير جاهل غير مدرك ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: [رفع القلم عن ثلاثة.. عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل] (رواه أحمد 1/116 وأبو داود 4403 والترمـذي 1423 وحسنه ابن ماجه 2042 وابن خزيمة 1003 في صحيحه وصححه الألباني في الإرواء 297)

ولا ينافي رفع التكليف عن هؤلاء أن يكون أولياؤهم مأمورين بحسن تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم تمهيداً لدخولهم تحت مناط التكليف.

فأمر الصغير المميز بالصلاة، وضرب من بلغ العاشرة على التهاون فيها، وتعليم الصغير على الصدق واحترام الكبير وفهم الدين والبعد عن العادات السيئة والأخلاق الشريرة، كل ذلك لا يدل على دخول الصغير تحت التكليف وإنما يدل فقط على أن أوليـاء الصغير مأمورون بتهيئته لتلقي التكليف في حال البلوغ.

ولا ينافي ذلك أيضاً أن يكون الصغير مأجوراً على عمله الحسن وهذا من رحمة الله وواسع إحسانه ويـدل على هذا الحديث الآتي: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً بالروحاء فقال: [من القوم]؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: [رسول الله]، فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: الهذا حج؟ قال: [نعم ولك أجر] (رواه مسلم 1336)

وفي هذا دليل على أنه يكتب أجـر العمل الصالح للصغير ولو كان طفلاً لا يدرك معنى العبادة كما في هذا الحديث، وأن لوالديه أجـراً بتعليمه وحمله على الصالحات، ومن تمام فضل الله ونعمته أنه لا يسجل عليه سيئة حتى يبلغ.

كيف يعرف البلوغ؟:

والبلوغ هو الاحتلام للذكر والحيض للأنثى، وله علامات ظاهرة فمن علاماته في الذكور ظهـور شعر الوجه -الشارب واللحية- وانشقاق آرنية الأذن، وغلظ الصوت، ونزول الحنجرة، ومن علاماته الظاهرة في الأنثى نمو النهدين.

2- المجنون حتى يعقل:

والمجنون غير مكلف كمـا في الحديث: [وعن المعتوه حتى يعقل] ولا شك أيضاً أن عدم تكليفه يعني أيضاً أنه غير مطالب بما فاته من عبادات واجبة حال جنونه.

3- النائم حتى يستيقظ والناسي حتى يذكر:

وأما النائم والناسي فإنهما معذوران حال النوم والنسيان، وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: [من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك] (أخرجه البخاري 597، ومسلم 684 عن أنس بن مالك)

ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: [ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى] (رواه مسلم 681 عن أبي قتادة)

وفي الصحيحين أيضاً وأبي داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: [من يكلؤنا] أي يحرسنا ليرعى الفجر - فقال بلال: أنا!! فناموا حتى طلعت الشمس فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا افعلوا كما كنتم تفعلون:قال ففعلنا:قال صلى الله عليه وسلم: فكذلك فافعلوا لمن نام ونسي] (أخرجه أبو داود 447 من حديث عبدالله بن مسعود وأصله في الصحيحين من حديث أبي قتادة، وعمران بن حصين)

وكل ذلك -ولا شك- داخل في قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصـراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} (البقرة:286)

وفي مسلم أن الرسول قرأها وقال: [قال الله تعالى:قد فعلت] وفي رواية [قال الله:نعم] (مسلم 125) أي أن الله استجاب هذا الدعاء للمسلمين، فلا تكليف على نائم وناس ولكن على كل منهما أداء حقوق الله تعالى، وحقوق الناس التي يمكن أن تضيع في ذلك الوقت.

ولا شك هنا أن سماح الله وإذنه للنائم والناسي بأن يؤدي ما فاته من حقوق إنما هو قبول لعذره أولاً ثم تكريم له لأن أداء حق الله تعالى تكريم، وليس إهانة كما يتصوره بعض الناس، وهذا بخلاف المتعمد لترك الواجب فإنه غير مأمور شرعاً بالقضاء وذلك - إهانة له وتحقير كما قال صلى الله عليه وسلم: [من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك الصبح] (رواه البخاري 579 ومسلم 608 عن أبي هريرة)

وهذا في المتعمد للتأخير بخلاف النائم والناسي يصلي الصلاة إذا ذكرها ولو بعد حين لأنه معذور والفرصة التي أمامه هي أن يصلي الصلاة في وقتها المحدد لها شرعاً لأن الصلاة فرضت في أوقاتها كما قال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} (النساء:103)

أي فريضة مؤقتة فإذا ذهب وقتها المفروض فقد زالت وذهبت والمتعمد لترك الصلاة في وقتها المكتوب يدخـل في باب الإهانة وليس في باب التكريم ولذلك لا يجوز أن يمكن من الإعادة ولا أن يوهم أنه يلحق الصلاة مرة ثانية لأن هذا يشجع على مخالفة الشرع والاستهانة بالتوقيت الشرعي للصلاة، وهذا تماماً كتارك الصوم المفروض في رمضان لا يجزؤه أن يصوم في أي شهر آخر إذا تعمد ترك الصوم، وهكذا كل عباده مؤقتة بوقت من تركها عمداً فقد ذهبت منه وضاعت الفرصة من يده، وإن أراد استدراك ما فات فليس أمامه إلا التوبة والرجوع إلى الله لا مجرد إيقاع العبادة في أي وقت آخر من عمره.. وهذه فائدة جليلة فافهمها واحرص عليها.

4- هل الجاهل مكلف فيما يجهله؟:

والإنسان الجاهل غير مكلف بما يجهله سواء كان جهله جهلاً بأصل التشريع ونزول الرسالة أو كان جهلاً جزئياً بأمر من أمور الدين أو فرعية من فرعياته،والدليل على أن الجاهل غير مكلف قول الله تبارك وتعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} (الإسراء:15) وقوله سبحانه وتعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} (الأنعام:19)

فمفهوم هذا أنه من لم تبلغه النذارة فليس بمنذر، والدلالة العقلية تدل كذلك على أن الجاهل معذور وأن تكليف الجاهل تكليف بما لا يطاق، ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لتقوم الحجة على العباد، ولذلك قال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً* ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً* رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً} (النساء:163-165)

فقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} أي تنقطع حجتهم، ولا يكون لهم عذر.. وأما من حيث الجهل ببعض الشرائع فإن الله عذر الجاهل بجهله كما قال تعالى: {ما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} (التوبة:115)

وقد نزلت هذه الآية عندما استغفر بعض المسلمين لآبائهم الذين ماتوا على الشرك فأنزل الله قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} (التوبة:113)..

ولما نزلت هذه الآية خشي المؤمنون على أنفسهم من المؤاخذة فأنزل الله قوله: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} (التوبة:115) وهذا نص في أنه لا مؤاخذة إلا بعد البيان والبلاغ.

هذا وقد أجمع سلف الأمة على أنه لا تكفير للمتأول الذي جهل الحق، ولا حكم بالردة إلا بعد إقامة الحجة واستتابة المرتد، فلا يكون مرتداً إلا من أقيمت الحجة عليه أو من قطعنا بأنه بلغته النذارة وعلم الحق.

وهذا معنى قولهم (جحد المعلوم من الدين بالضرورة كفر) والمعلوم من الدين بالضرورة هو الذي لا يسع مسلماً جهله لنشوئه في دار الإسلام كتحريم المحارم في النكاح، ووجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ونحو ذلك ولكن يجب العلـم أن هذه المسألة نسبية، وأن ما قد يكون معلوماً بالضرورة عند أناس لا يكون معلوماً عند آخرين لغلبة الجهل بالحق، ونشوء التأويل الفاسد من كثير من العلماء فكم من عالم أفتى بجواز دعاء غير الله، والتحاكم إلى غير شريعته والذبح والنذر لغيره، وبجواز شرب أنواع من الخمر، وجواز النظر إلى الصور العارية، وجواز القبلة للأجنبية، وحل أكل أنواع الربا، وجواز حلق اللحية ونحو ذلك إلى مما هو في الأصل داخل تحت المعلوم من الدين ضرورة لكثرة النصوص فيه، وتناقل الناس العلم به جيلاً بعد جيل ولذلك فالتعجل بالحكم بالكفر على من جهل ذلك إثم عظيم، وكذلك لا يجوز إقامة الحد والتعزير لمن فعل شيئاً من ذلك جاهلاً أو متأولاً بل كل ذلك لا يجوز إلا بعد البيان عملاً بهذه القاعدة (الجاهل معذور) (ولا مؤاخذة إلا بعد العلم).

وقد شذ عن هذه القاعدة أناس كثيرون منهم المعتزلة الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقلي، وأوجبوا على كل إنسان أن يعلم الحسن بعقله والقبح بعقله، حتى لو لم يرد الشرع وأنه يجب عليه لذلك ترك القبيح وفعل الحسن وهذا خطأ في الحقيقة لأنه لولا هداية الله ما اهتدى الإنسان

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

والمشاهد أن الناس إذا عدموا هداية الله ضلوا واستحسنوا القبيح، واستقبحوا الحسن، وكذلك ضل في هـذا الأصل من تشدد وتنطع في الدين، وأوجب على المسلم العلم بكل فروع الشريعة بمجرد الدخول فيها، وقال بوجوب مؤاخذة المسلمين اليوم بما أخطئوا فيه وجهلوه، ولم يعذر المسلمين بالجهل بل حكم عليهم بالكفر والردة، قبل إقامة الحجة والبلاغ، وأراد تطبيق الحـدود الشرعية دون إنذار وتعليم ولا شك أن مثل هذا غلو وتنطع والحق أنه لا تكفير إلا بعد إقامة الحجة والإعذار إلى الله ولا حكم بالردة إلا باستتابة وإعذار.

5- هل الكافر مطالب بفروع الشريعة؟

من المعلوم قطعاً أن الكافر مطالب بالإيمان بالله وعبادته وحده، والدخول في شريعته وذلك أن خطاب الله بالإيمان للجميع كما قال سبحانه وتعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:21)، وقال أيضاً سبحانه وتعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19).. وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:85)..

وكل هذه الآيات توضح أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى من عباده إلا أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يسلموا له سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن كل إنسان مكلف ومخاطب بالإيمان ومن دخل الإيمان لزمه أداء التكاليف الشرعية التي فرضها الله سبحانه وتعالى -أي يلزمه فعل الواجب وترك الحرام والالتزام بأمره سبحانه وتعالى-.

ولكن السؤال: هل الكافر مطالب بفروع الشريعة أيضاً؟ أي هل هو مطالب مثلاً بالصلاة والزكاة والحج، وبر الوالدين وصلة الأرحام وصدق الحديث، والابتعاد عن الزنى والربا وشرب الخمر وغير ذلك من الموبقات أم أنه لكفره لا يحاسب على ذلك ولا يطالب شرعاً بهذه الفروع ما دام كافراً؟

والجواب: أن الكافر مطالب من حيث الجملة بهذه الأمور كلها، ولكن العبادة لا تصح منه دون الإسلام، فالإسلام شرط لصحة الصلاة والصيام والزكاة والحج لأن شروط قبول العمل الصالح عند الله سبحانه وتعالى الإسلام وذلك لقوله سبحانه وتعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً} (الفرقان:23) ولحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله عبدالله بن جدعان كان يطعم الحاج في الجاهلية فهل ينفعه ذلك عند الله يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين] (رواه مسلم).

أي لأنه لم يؤمن بالآخـرة فلا ينفعه عمله الصالح في الدنيا وهكذا كل كافر، ولكن هذا لا يعني أن الكافر غير مطالب بالصلاة والزكاة والحج، بل هو مطالب شرعاً بكل ذلك كما قال سبحانه: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} (البقرة:21) وهذا أمر بعبادة الله والصلاة والصوم والزكاة والحج داخل في العبادة -ولا شك-.

ولكن هذه العبادات لا تقبل منه طالما بقي على الكفر بالله وهكذا القول في ارتكاب الكافر للمحرمات فإنه مطالب بتركها معاقب على فعلها في الآخرة عقاباً زائداً على عقوبة الكفر.

قال تعالى: {والذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون} (النحل:88)، وهذا يعني في المحصلة أن الكافر يوم القيامة يحاسب على تركه للواجبات وفعله للمحرمات عقوبة زائدة على كفره.

وأما في الدنيا فلا يجب علينا معاقبة الكافر المعاهد والذي داوم على ترك الواجبات العبادية وعلى فعل المحرمات التي يرى إباحتها في دينه: كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر، ولكن العقوبات الجزائية لعدوانه على مسلم أو نقضه لعهده فإنه يعاقب عليها وهذه عقوبة دنيوية للتعدي على حقوق الناس، وأما حق الله سبحانه وتعالى فهو متروك للآخرة.

6- للمضطر أحكام خاصة:

والشريعة الحكيمة قد جعلت للمضطر أحكاماً خاصة، ولم تجعله كغيره ممن لا يقع تحت ضرورة فأباحت له قول كلمة الكفر بلسانه اضطراراً كما قال تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} (النحل:106)، وأباحت له كذلك مصانعة الكفار ومدارتهم خوفاً كما قال سبحانه وتعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} (آل عمران:28)

وأباحت له كذلك أكل ما حرم عليه من أطعمة، قال تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام ذلك فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (المائدة:3)

وأباحت له كذلك ترك الهجرة الواجبة إذا لم يستطع عليها كما قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالـوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً* إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً* فأولئك عسى الله أن يعفـو عنهم وكان الله عفواً غفوراً} (النساء:97-99)

والخلاصة: أن المضطر في الشريعة له أحكام خاصة وليس مكلفاً بما يكلف به غير المضطر، وللضرورات في الشريعة أحكامها، وسيأتي إن شاء الله تفصيل لهذه القاعدة عند الكلام على الحكم الشرعي.

7- هل المتأول مكلف؟:

والمقصود بالمتأول هنا هو الذي يفهم الأمر الشرعي على غير وجهه وهو نوع من الجهل كمن فهم من قول الله تبارك وتعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} (المائدة:93) ظن أن هـذه الآية تبيح له ولأمثاله أن يشرب الخمر، وهذا الاستدلال خاطيء لأن الآية نزلت فيمن ماتوا قبل تحريم الخمر فأخبر الله عنهم أنه لم يكن عليهم جناح فيما طعموا قبل التحريم ولأن من اتقى وعمل الصالحات وأحسن لا يمكن أن يشرب الخمر بعد العلم بتحريمها، وكل من تأول تأولاً خاطئاً لا يحاسب إلا بعد البيان كما قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم الطائي الذي وضع عقالاً أبيض وعقالاً أسود وظل يأكل حتى تبين له الفرق بينهما متأولاً قول الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} (البقرة:187) قال له صلى الله عليه وسلم: [إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل] (رواه البخاري (1916) ومسلم (1090))

وجاء في الصحيحين أيضاً من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد (من الفجر) فعلموا إنما يعني الليل والنهار) (رواه البخاري 1917، 4511 ومسلم (1091)).

ومثل هذا قد يحصل كثيراً في الدين فكم من استفتى بعض العلماء فأفتاه بما يعد خطأً في الشريعة، وكم من مسلم فهـم بعض آيات الله أو أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على غير وجهها ومثل هـذا إذا كان مجتهداً مريداً للحق غير متبع لهواه فهو معذور إن شاء الله ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والمهم هنا هو التقرير أن المتأول المخطيء غير مكلف حتى يظهر له الحق ويتبين له خلاف ما ظنه حقاً.

8- ليس الذكر كالأنثى في التكليف:

والشريعة الحكيمة أيضاً قد جاءت بالتفريق بين الذكر والأنثى في التكليف، فهناك تكاليف شرعية يشترك فيها كل من الذكر والأنثى، وهناك ما يفترقان فيه، فيشتركان في الإيمان بالله ورسالاته ولوازم هذا الإيمان من محبة الله وتقواه، وخشيته والطمع في رضوانه والأمر بالمعـروف والنهي عن المنكر، ويدخلان جميعاً تحت دائرة الحساب كما قال تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب } (آل عمران:195)

ولكنهما يفترقان في القتال حيث أوجبه الله على الرجال دون النساء، وإن كان يشرع للمرأة دفاعاً عن نفسها، وصلاة الجماعة حيث وجبت على الرجال دون النساء وخفف عن المرأة إعادة الصلاة أيام الحيض... الخ

والخلاصة: أن كلاً من الرجـال والنساء مكلفون من حيث الجملة، فالمرأة مكلفة كالرجل، ولكن الشريعـة جاءت بأحكام خاصة مناسبة لكل من الرجال والنساء مما هو معلوم تفصيله في القرآن والسنة.

9- سقوط التكليف عن الميت:

ويسقط التكليف عن الإنسان بمجرد موته، ولكن ما تسبب فيه في حياته من خير وشر يظل أثره من حسنات وسيئات ما بقي هذا الأثر كما قال صلى الله عليه وسلم: [من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً] (أخرجه مسلم (2674)، وأبو داود (4609) وغيرهما عن أبي هريرة) .. وقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له أو علم ينتفع به] (أخرجه مسلم (1631)، وأبو داود (2280) وغيرهما عن أبي هريرة)..

والمؤمن الصالح يستمر قبول عمله الصالح إلى أن تخرج روحه ويكتب له كل قول صالح.. قـال صلى الله عليه وسلم: [من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة] (أخرجه أبو داود من حديث معاذ بن جبل وحسنه الألباني في الإرواء (687))، وأما الكافر الفاجر فإنه يحرم قبول التوبة والعمل الصالح منه إذا كان في النزع كما قال صلى الله عليه وسلم: [إن الله عز وجل ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر] (أخرجه الترمذي (3537) وابن ماجه (4253) وحسنه الترمذي والألباني في صحيح ابن ماجه (3430))..

وقال سبحانه وتعالى عن فرعون: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين* آالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين* فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} (يونس:90-92)

ومما يدل على أن الميت يتحمل نتائج ما قدمه من تقصير في العمل في حياته، قوله صلى الله عليه وسلم: [إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه] (أخرجه البخاري (1286)، ومسلم (1928) من حديث ابن عمر)، وقد فسر هذا بمن علم من أهله النياحة عليه ولم ينههم عن ذلك، هذا وجه من وجوه تفسير هذا الحديث وهو موافق لهذه القاعدة التي نحن بصددها وهي: (أن الميت مسؤول عما يحدث بعده مما تسبب فيه أو من الشر الذي يكون بسببه وهو يعلم بذلك ولم ينه عنه في حياته كما أنه مأجـور أيضاً على كل خير تسبب فيه واستمر بعد موته) كالولد الصالح والعلم النافع والصدقة الجارية، وهذا يدل على فضل الله وإحسانه كما أن ذلك من عدل الله وقضائه، ولا يظلم ربك أحداً.

10- حكم المغمى عليه:

ولا خلاف على أن المغمى عليه بفعل خارج عن إرادته لا يكون مكلفاً حال الإغماء ويجب عليه ما يجب على الناسي إذا أفاق فيؤدي الصلاة التي فات وقتها ويقضي ما لزمه حال الإغماء، وكذلك الحال أيضاً فيما إذا كان إغماؤه بفعل إرادي مباح، كمن أخذ مخدراً لإجراء عملية فإنه يلزمه ما يفوته من صلاة واجبة وصيام واجب ونحو ذلك.

11- هل السكران مكلف:

وأما من شرب مسكراً فضاع عقله فقد ذهب مجموعة من الأصوليين والفقهاء إلى أنه مكلف بما يصدر عنه حال السكـر كالطلاق والعتاق، ومحاسب على هذيانه وافترائه والذين قالوا بهذا الرأي نظروا إلى وجوب تغليظ العقوبات لأنه المتسبب في ذلك، ولعل القائلين بهذا القول أخذوا بما جاء في الأثر الذي رواه مالك -رحمه الله- في الموطأ أن ابن الخطاب رضي الله عنه استشار في حد الخمر فقال له علي رضي الله عنه: (أرى أن تجلده ثمانين جلدة فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى) فجلده عمـر في حد الخمر ثمانين ولكن هذا الأثر في سنده انقطاع فهو ضعيف.

وقال عنه الألباني في الإرواء (81/47/ 4378) وعضل ضعيف.

وقال ابن قدامة قال ابن عباس: "طلاق السكران جائز إن ركب معصية من معاصي الله نفعه ذلك؟ ولأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف بدليل ما روى أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد إلى عمر فأتيته في المسجد ومعه عثمان وعلي وعبدالرحمن، وطلحة، والزبير، فقلت: أن خالداً يقول إن الناس انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة، فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال فجعلوه كالصاحي ولأنه إيقاع الطـلاق من مكلف غير مكره صادف ملكه فوجب أن يقع كطلاق الصاحي ويدل على تكليفه أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة وبهذا فارق الجنون" (المغني 8/256،257)

وقد قـال آخرون أن شارب الخمر آثم لشربه، ولكن إذا سكر فهو غير مكلف فيكون حكمه حكم المجنون والمغمى عليه، ويلزمه ما يفوته من حقوق الله والعباد.

ثالثاً: الحكم الشرعي

تعريف الحكم لغة:

الحكم في اللغة يعني إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، ويعني أيضاً القضاء والإلزام والمنع قال جرير:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا

ويقال أحكمت فلاناً أي منعته، وبه سمى الحاكم حاكماً لأنه يمنع الظالم، وحكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يده وحكمة اللجام ما أحاط بحنكي الدابة. (لسان العرب. مادة حكم (12/144))

تعريف الحكم اصطلاحاً:

أ- اصطلاح الأصوليين:

يعرف علماء أصول الفقه الحكم الشرعي بأنه (خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً)، فيعنون بخطاب الله كل ما يدخل تحت الدليل الشرعي كالقرآن، والسنة، والإجماع، والقياس لأن كل ذلك إما أن يكون خطاب الله مباشرة كالقرآن وإما أن يعود إلى القرآن والسنة، فالسنة شارحة للقرآن عائدة إليه والإجماع بتوفيق الله للأمة لأن الأمة لا تجتمع بتوفيق الله على ضلالة، وأما القياس والاجتهاد فهو ما يظن أيضاً أنه حكم الله وخطابه إلى المكلفين، والمهم أن التعريف الأصولي يعني (بخطاب الله) كل ذلك.

وقولهم (المتعلق بأفعال المكلفين) خرج بذلك خطاب الله الذي لا يتعلق بأفعال المكلفين، كأسماء الله وصفاته والغيب والآخرة.

وأما قولهم (طلباً) أي ما طلب منهم فعله أو الكف عنه، وما طلب الله فعله ينقسم إلى واجب ومستحب، وما طلب الكف عنه ينقسم إلى قسمين أيضاً، حرام ومكروه.

وقولهم (أو تخييراً) يعنون به قسماً واحداً وهو المباح.

وقولهـم (أو وضعاً) يعنون به ما جعله الله شرطاً لحكم ما، أو مانعاً منه، أو سبباً، وهكذا ينقسم الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين إلى قسمين من حيث الجملة:

(1) الحكم الشرعي التكليفي.

(2) الحكم الشرعي الوضعي.

الفرق بين الحكم الشرعي في اصطلاح الفقهاء واصطلاح الأصوليين:

الفقهاء وعلماء الفروع يعنون بالحكم الشرعي في لغتهم الأثر الذي يترتب على الدليل كالوجوب والحرمة والإباحة، وأما علماء الأصول فيعنون دليل الحكم الذي هو الآية أو الحديث أو نص الإجماع وهكذا، فمثلاً قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} (البقرة:43) هذا هو الحكم نفسه عند الأصوليين، وأما عند الفقهاء فيعنون ما يترتب على هذا النص وهو وجوب الصلاة.

أقسام الحكم الشرعي التكليفي:

ينقسم الحكم الشرعي التكليفي إلى خمسة أقسام هي: (الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والتحريم) وهي -كما ترى- طرفان وواسطة.

فالطرف الأول: هو المطلوب من المكلف الإتيان به، وهو الواجب والمندوب فالواجب ما طلب منا فعله على وجه الإلزام، والمستحب ما طلب منا فعله على وجه الندب والاستحباب.

أما الطرف الثاني: فهو المطلوب منا تركه والكف عنه وهو الحرام والمكروه، فالحرام مطلوب منا الكف عنه إلزاماً، والمكروه ما طلب منا الكف عنه تنزيهاً فقط دون الإلزام.

وأما الواسطة: فهو المباح الذي لا إلزام فيه بالفعل أو الترك فهو مخير فيه.

وإليك تفصيل هذا الإجمال:

الواجب

الواجب في اللغة: هو الحتم اللازم يقال وجبت الشمس إذا سقط قرصها وغاب، وقال تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} (الحج:36)

أي سقطت على الأرض بعد النحر، والمعروف أن الإبل تنحر واقفة معقلة بإحدى الرجلين الأماميتين.

والواجب في اصطلاح علماء الأصول هو: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه.. كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وإخراج الزكاة المفروضة، والحج مرة في العمر، وبر الوالدين، وقول الصدق ونحو هذا.

والخلاصة أن الواجب هو ما أمرنا به أمراً لازماً ولا فرق في اصطلاح جمهور علماء الأصول بين الواجب والفرض، ولكن علماء الحنفية في مصطلحاتهم فرقوا بين الفرض والواجب، فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي (كالقرآن والسنة المتواترة) والواجب ما ثبت بدليل ظني كسنة الآحاد (وسيأتي شرح معنى الدليل الظني في مبحث القرآن والسنة إن شاء الله تعالى)

مباحث في الواجب

1- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:

هذه إحدى القواعـد الأصولية الثابتة بالحقيقة العقلية ومعناها أن كل ما يوصل إلى الواجب فهو واجب ما دام أنه في قـدرة المكلف واستطاعته، مثال ذلك قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبـة لقوله صلى الله عليه وسلم: [لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب] (رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت) ومعلوم أن هذا يحتاج إلى حفظ فيكون الحفظ واجباً، وهذا الحفظ قـد يكون بترديد السورة حتى تحفظ أو كتابتها أو سماعها مرات، وكل ذلك ما دام أنه لا يتم الواجب (وهو قراءة الفاتحة) إلا به فهو واجب.

وهكذا القول في السعي إلى الصلاة المكتوبة، وتعلم أساليب العدو في القتال، وذلك لدفع عدوانه، وتعلم مباديء الكفر للرد عليها. فكل هذه ليست واجبة بالنص، وإنما تجب بأعمال هذه القاعدة وهي: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومعلوم أن الدفاع عن أموال المسلمين وأعراضهم واجب ولا يتم هذا الواجب إلا بمعرفة خطط أعداء المسلمين، وكذلك الدفاع عن عقيدة المسلمين واجب ولا يتم ذلك إلا بدراسة شبهات الكفار، وعقائدهم الباطلة حتى نتعلم كيفية الرد عليها، وكيفية دعوتهم إلى الإسـلام، فالدفاع عن عقيدة الإسلام واجب بالنص كما قـال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً* فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً} (الفرقان:51-52)

أي بالقرآن، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على النصارى واليهود والمشركين من واقع عقيدتهم وعلم صلى الله عليه وسلم أفكارهم ومعتقداتهم وجادلهم فيها، وكل ذلك من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ما دام أنه في استطاعة المسلم فعل ذلك.

2- ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب:

ولكن القاعدة السابقة أيضاً ليست على إطلاقها، حيث توجد أمور لا يتم الواجب إلا بها، وهي في طوق المكلف في العادة ولكن الشريعة الحكيمة لم توجبها، ومن ذلك إيجاب السعي على الفقير لتحصيل نصاب للزكاة حتى يخرج الزكاة الواجبة، وكذلك حتى يجمع مالاً يمكنه من الحج الواجب، وهذا لم توجبه الشريعة ولذلك فلا يجب، وذلك أن هذا كان في طوق المكلفين وقت نزول التشريع، ولم يوجبه الله عليهم، ويعرف علماء الأصول هذا الاستثناء بقولهم: (ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فوجوب الزكـاة يشترط له النصاب، ووجوب الحج يشترط له الاستطاعة ولا يجب على المكلف السعي لتحصيل النصاب، وبلوغ الحج.

3- ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب:

هذه القاعدة تعني أنه إذا تعذر علينا أن نترك الحرام إلا بترك أمر ما فإن هذا الترك يكون واجباً، ومثاله: ما إذا اختلط الحرام بالحلال بصورة يستحيل تمييزها كمن اختلط عليه لحم مذكى بآخر ميتة، أو من اختلط عليه من يحل له الـزواج بها بأخته من الرضاع فعند ذلك يجب ترك الجميع لأنه لا يستطيع توقي الحرام إلا بفعل ذلك (الترك) فيكون الترك واجباً .

تقسيمات الواجب

1- الواجب العيني والواجب الكفائي:

ينقسم الواجب بحسب من يقوم به إلى قسمين:

(أ) واجب عيني: وهو ما يجب ويلزم كل فرد من المكلفين كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت مرة في العمر... الخ، وهذه الواجبات ينظر فيها الشارع الحكيم إلى عين المكلف تهذيباً لنفسه، وعبادة لربه.

(ب) واجب كفائي: وهو ما ينظر فيه الشـارع إلى نفس الفعل بصرف النظر عمن يقوم به ذلك كالإمامة الكبرى، وإمامة الصلاة، والدفاع عن المسلمين، وسد حاجة المحتاجين، ودفن الميت، وبناء المساجد، وصناعة السلاح، واكتفاء المسلمين في معاشهم عن الكفار...

وغير ذلك مما يحتـاج إليه مجتمع المسلمين ليكون مجتمعاً كاملاً متكاملاً آمنا عزيزاً قوياً مؤدياً لحقوق الله، وكل هذه الواجبات تجب على مجموع الأمة فإن قام بها بعض منهم سقط الواجب على جميع الأمة لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (النساء:58)

وهذا خطاب للأمة كلها فإن قامت به، وعينت الإمام العادل الكفء سقط الإثم عنها، وحصلت المثوبة لها، وإن لم يقم به أحد كان الجميع آثمون.

وهكذا رد الغاصب المحتل والدفاع عن حوزة الدين من المارقين والكافرين، ونشر راية الإسلام في العالمين، كل ذلك واجب على مجموع الأمة فإذا قام بعضهم بذلك بالغاً مبلغ الكفاية سقط الإثم عن الجميع، وإن قصر الجميع فيه ولم يقم أحد به، كان الجميع آثمين، ولذلك قلنا إن الشرع ينظر إلى نفس الفعل لا عين الفاعل، وسميت هذه الواجبات واجبات كفائية لأن الأمة إذا قام بعضها بهذا الواجب فقد كفى البقية.

2- الواجب المضيق والواجب الموسع:

ينقسم الواجب بحسب وقت أدائه إلى قسمين أيضاً:

(أ) واجب مضيق: وهو ما كان وقته المحدد له شرعاً لا يسع إلا فعله فقط كصوم رمضان، فإنه لا مجال فيه لتأخيره وهو شهر محدد يجب صومه كله على من شهده سليماً حاضراً في بلده، ولا يجوز تأخير صومه إلى شهور أخرى.

(ب) واجب موسع: وأما الواجب الموسع فهو ما يمكن أن يؤدي فيه هذا الواجب في وقته المحـدد له شرعاً ويبقى فائض آخر من الوقت، وذلك كالصلاة فإن لكل صلاة وقتاً طويلاً يسع الصلاة، ويبقى فائض من الوقت.

وقد لجأ علماء الأصول إلى هذا التقسيم بناء على تصورهم أن الواجبات التي تجب على المسلم هي حقوق في ذمته لله، وأنه لو أوقعها في أي وقت من حياته فإنها تقع صحيحة، ولكنه يأثم بالتأخير فقط، ولذلك سموا فعل الصلاة في وقتها المحدد شرعاً (أداء).. وأما إيقاعها وفعلها في غير وقتها المحدد شرعاً فإنهم اصطلحوا على تسميتها (قضاء)، وأن المكلف إذا فعل الصلاة في وقتها المحدد شرعاً فهي أداء يؤجر عليه، ويسقط عنه الإثم في تركها، وأما إذا فعلها في غير وقتها المحدد شـرعاً كأن صلى الظهر مثلاً ليلاً، وصلى العشاء صبحاً، والفجر ضحىً أو عصراً فإنه يكون (قضاء) ويعنون بذلك أن الفاعل يثاب على فعلها، ولكنه يعاقب على تأخيرها، وهي صحيحة عندهم، وهذا السبب في تقسيم علماء الأصول للواجب إلى موسع ومضيق.

والصحيح أن هذا الذي ذهبوا إليه خطأ من وجوه كثيرة أهمها ما يلي:

أ- اصطلاح (القضاء والأداء) خطأ:

أن الاصطلاح على تسمية فعل العبادة في غير وقتها المحدد شرعاً (قضاء) يخالف نصوص القرآن التي نصت على أن إيقاع العبادة في وقتها المحدد شرعاً (قضاء)، كما قال تعالى عن صلاة الجمعة التي تصلى في وقتها: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} (الجمعة:10)

وفي الحج الذي يؤدى في وقته: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} (البقرة:20)

فسمى الله فعل الصلاة في وقتها المحدد شرعاً، وكذلك الحج في وقته المحدد شرعاً قضـاء ولم يسمه أداء والواجب علينا مراعاة المدلول الشرعي للكلمة وعـدم وضع مصطلحات تخالف المدلول الشرعي.

ب- القول بأن الواجبات المحددة بمواقيت معينة هي واجبات في الذمة وأن المكلف يأثم فقط بالتأخير وأنها تقبل منه في أي وقت أداها من عمره.

هذا القول كذلك فيه تهوين من شأن العبادة، واستهانة بالتوقيت الشرعي في الصلاة وغيرها من العبادات المؤقتة.. يقول تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} (النساء:103)

و{موقوتا} هنا صفة للمكتوب وهو الصلاة، والصفة ملازمة للموصوف لا تنفك عنه، لذلك جاءت الأحاديث التي تبين هدم العمل السابق لتارك صلاة واحدة متعمداً كقوله صلى الله عليه وسلم: [من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله] (البخاري (553) من حديث بريدة)

ومثل هذا الذي يحبط عمله بترك صلاة العصر لا يمكن أن يكون قد ارتكب مجرد ذنب التأخير بل قـد ارتكب إثماً عظيماً هدم عمله السابق الصالح كله حسب نص الحديث، ولذلك فالقول بأن مؤخر الصلاة عن وقتها المحدد لها شرعاً تصح منه الصلاة في أي وقت ويأثم فقط بالتأخير قـول خاطيء مبني على قاعدة فاسدة من قواعد أصول الفقه، ومما يدلك أيضاً على فسـاد هذه القاعدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر] (رواه البخاري (579)، ومسلم (608) من حديث أبي هريرة)

وذلك دليل واضح على أن المكلف يستحيل أن يدرك الصلاة إذا تركها حتى يذهب وقتها المحدد لها شرعاً.

هذا بالطبع في المتعمد بخلاف الناسي والنائم فهما معذوران -كما مر بنا- في بحث المكلف أن الناسي والنائم غير مكلفين وقت النوم والنسيان، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: [من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك]

ولذلك قلنا أن بعض ما ينبني على هذه القاعدة وهي تقسيم الواجب إلى موسع ومضيق باطل.

3- الواجب المعين والواجب المبهم:

يقسم علماء الأصول أيضاً الواجب إلى قسمين بحسب تعيينه والتخيير فيه إلى قسمين:

(أ) واجب معين لا يقوم غيره مكانه وذلك كالصلاة والصوم.

(ب) واجب مخير فيه، كحال كفـارة اليمين، فإن الحانث مخير بين أمور ثلاثة هي: عتق رقبة، أو إطعـام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يستطع شيئاً من هذه الثلاثة صام ثلاثة أيام كما قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} (المائدة:89)

الحكمة في الإيجاب الشرعي:

يظهر لنا من دراسة الواجب أن المقاصد الشرعية فيه هي:

التعبد لله سبحانه وتعالى بتقديسه وامتثال أوامـره لذلك خلقنا، ثم لإصلاح نفس العابد، ولا يتأتى هذا الإصلاح إلا بإلزامه بما يصلحه ويوجهه.

ثم إصلاح الأمة وذلك بالواجبات الكفائية التي ألزم الله بها الأمة إقامة لمجتمعها وصيانة لها، وحفاظاً لعزتها وكرامتها، وقد فصلنا ذلك في باب المقاصد العامة للشريعة الإسلامية والمقصود هنا التنبيه والتذكير.

المندوب

المندوب لغة:

هو الأمر الذي يطلب من فاعله دون إلزام له وإيجاب عليه قال الشاعر:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم لنائبات على ما قال برهاناً

أي حين يحثهم على القتال معه، ونصرته، وأخذ حقه.

ويعرف المندوب شرعاً: بأنه (ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه) أو (المأمور به أمراً غير لازم). ويسمى المندوب بأسماء كثيرة منها:

* المستحب: أي ما حببنا الله فيه دون إلزام.

* والنفل: وهو بمعنى الزيادة لأن المندوب زيادة في الخير على الواجب.

* وكذلك يسمى السنة: ووجهه أنه ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم زائداً على الفرض، وذلك لأن أكثر المندوبات جاءت بالحديث ولا ينافي هذا أن يكون كثيراً من المندوبات قد ثبت بالقرآن أيضاً، ويسمى التطوع وهو مأخوذ من قوله تعالى: {فمن تطوع خيراً فهو خير له} (البقرة:184) أي زاد عن المفروض طواعية من عنده.

أبواب المندوب واسعة جداً:

أبواب المندوب واسعة جداً بحيث لا يستطيع فرد مهما أوتي من قوة التحمل ووافر الهمة عزيمة النفس أن يحيط بها جميعاً أو يحصيها كلها.. ففي باب الصلاة -مثلاً- شرعت صلاة الليل بداءً من ثلث الليل إلى ثلثيه، وهذه عبادة لا يقوى عليها إلا الأفذاذ من أهل الهمة والعزيمة، وكانت واجباً في حق النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} (الإسراء:79)

ولكنها مستحبة في حق الأمة لقوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} (المزمل:20)

وهذه الآية ناسخة لوجوب قيام الليل على المسلمين الذي كان فرضاً عليهم في أول الإسلام والثابت بقوله تعالى: {يا أيها المزمل* قم الليل إلا قليلاً} (المزمل:1-2)

ويأتي بعد قيام الليل الرواتب في الصلوات وهي اثنتا عشرة ركعة: ركعتا الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ويأتي بعد ذلك النفل المطلق غير هذا وهذا، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [الصلاة خير موضوع] (رواه الطبراني في الأوسط وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3870))

ونفل الصيام حد النبي صلى الله عليه وسلم أقصاه بأنه صيام يوم وإفطار يوم، ونفل الصدقة والزكاة وهو إخراج كل ما فاض عن الحاجة الضرورية للإنسان وقد ندبنا إلى الحج والعمرة ولو كان ذلك كل عام، وتأتي نوافل الخير المطلق، من صلة الأرحام، وبر الوالدين، والسعي في حاجات الناس، والذكر والدعاء، ونشر العلم، وقراءة القرآن والدعوة إلى الله... الخ.

وهكذا نجد أن أبواب المندوب أبواب واسعة لا يستطيع المسلم مهما أوتي من الجلد والقوة أن يحيط بها جميعاً وأن يغطي كل أبوابها، ولذلك شرع لنا أن نأخذ منها ما نستطيع، وأن لا نغالي فيها حتى لا تنقطع النفس، وتفتر العزيمة.

حكمة المندوب:

وقد شرع المندوب لحكم عظيمة منها:

(1) جبر النقص الحاصل في الواجبات، وذلك أن الإنسان مهما أوتي من الحرص والحذق لا بد وأن يحصل له بعض التقصير في الواجبات لذلك شرعت النوافل تتميماً وتكميلاً لنقص الفرائض والواجبات.

(2) فتح المجال لصلاح النفوس، وإشباع نهمتها من العبادة والتقرب، وفي هذا إفساح المجال للطاقة، وبناء الشخصية الإسلامية، والترقي بالإنسان في مجال الكمال الإنساني، وكل ذلك من أهداف الشريعة الإسلامية.

(3) فتح المجال لإصلاح المجتمعات بدفع الناس إلى البر والإحسان وتحسس حاجات الفقراء والمساكين، والسعي في مصالح الناس، وإصلاح المجتمع والإرتقاء بالأمة وهذا الأمر مقصد شرعي.

(4) بناء حصون مضاعفة بين المؤمن والفساد فمعلوم أن كل نفل من النوافل هو بمثابة بعد جديد وستار بين المسلم والمعصية فصيام يوم إنما هو بناء سور جديد بين الصائم والمعصية، وصلاة ركعتين ذكرى جديدة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت:45) ودينار صدقة إنما هو رقـة جديدة للقلب وتذكير بالآخرة وبالتالي حاجز جديد بين المؤمن والوقوع في المعاصي.

(5) بالنوافل يتفاضل المؤمنون في الإيمان والصلاح والتقوى فعلى قدر العمل الصالح والتقوى يكون القرب من الله والفوز بمحبته ورضوانه كما قال تعالى في الحديث القدسي: [ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به... الحديث] (رواه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة)

والجنة مائة درجة وتفاضل أهل الجنة إنما يكون بحسب تقواهم وعملهم الصالح فليس ثواب من أدى الواجبات واكتفى كمن تدرج في مدارج الكمال، وكان له باع طويل في النوافل والمستحبات، وأهل الجنـة يتفاضلون تفاضلاً عظيماً بذلك، بل تفاضل أهل الجنة فيها أعظم من تفاضل أهل الدنيا فيها كما قال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً* ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً* كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً* انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} (الإسراء:18-21)

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: [إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفـق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم...] (رواه البخاري (3256) من حديث أبي سعيد)

ومما فضل به أبو بكر الصديق رضي الله عنه كثرة نوافله وتطوعه في الخير ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [من أصبح منكم اليوم صائماً؟] قال أبو بكر: أنا، قال: [فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟] قال أبو بكر: أنا، فقال: [فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟] قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما اجتمعن في امريءٍ إلا دخل الجنة] (رواه مسلم (1028) من حديث أبي هريرة)

وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من الجنة: يا عبدالله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة]، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على أحد دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [نعم وأرجو أن تكون منهم] (رواه البخاري (1867) من حديث أبي هريرة)

وباختصار فالمندوب أبواب كثيرة من الخير ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: [الإيمان بضع وستون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق] (أخرجه البخاري (9) ومسلم (35) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم)

وقد شرع المندوب لما ذكرناه من الحكم العظيمة.

المبـاح

المباح لغة:

هو ما ليس دونه مانع يمنعه قال عبيدالله بن الأبرص مفاخراً:

وقد أبحنا ما حميت ولا مبيح لما حمينا

أي أن نهبنا وأخذنا ما تحمونه حدث دون مقاومة منكم ومعارضة لنا، ولا يستطيع أحد أن يبيح ويستبيح ما نمنعه ونحميه.

المباح اصطلاحاً:

هو ما أذن الله لنا في فعله وتركه بغير مؤاخذة ولا مدح بين الفعل والترك.

الطريق إلى معرفة المباح:

يعرف المباح في الشرع بطريقتين:

1- الإباحة العقلية، أو البراءة الأصلية:

والمقصود بذلك ما لم ينزل فيه نص من الله سبحانه وتعالى يحرمه أو ينهى عنه فالأصل في الأشياء والأعمال الإباحة ما لم يأتنا دليل شرعي ينقلنا عن هذه الإباحة ودليل هذه الإباحة العقلية أن الله خلق الإنسان في هذه الأرض ليعمرها ولم يكلفه سبحانه إلا بما يأمره به على ألسنة رسله، فما لم يأتنا به الشرع فالأصل فيه الإباحة لأن مجرد خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض هو بمثابة الإذن له بالسعي والكد، وسلوك سبيل الحياة المناسب كما قال تعالى على لسان صالح عليه السلام: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} (هود:61)

ومعنى {استعمركم} أي خلقكم لتعمروها ولا تكون عمارتها إلا بالسعي والكدح واستكشاف المجهول والتعلم عن طريق التجربة والخطأ...

وكذلك قال تعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهـرة وباطنة} (لقمان:20)، وهذا التسخير يعني إباحة ما في السموات والأرض لمنفعة الإنسان وحياته ومعاشه.

وهذه الإباحة العقلية تسمى أيضاً في علم الأصول (استصحاب العدم الأصلي) وسيأتي تفصيل آخر لها في باب الأدلة إن شاء الله تعالى.

2- الإباحة الشرعية:

والمقصود بها ما ثبتت إباحته بنص شرعي على خصوصه كقوله تعالى: {وأحل الله البيع} (البقرة:275).. وقوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} (البقرة:187) أو إباحة شرب الخمر المفهوم من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (النساء:43)، وذلك كان قبل النسخ .

الفرق بين الإباحة العقلية والشرعية:

والفرق بين الإباحتين من جهة النسخ، فإذا أنزل الله قرآناً أو تكلم الرسول بحكم يرفع الإباحة العقلية فإن هذا لا يسمى نسخاً. فتحريم الربا ليس نسخاً لحكم شرعي لأن المسلمين كانوا يفعلونه على البراءة الأصلية والإباحة العقلية قبل ورود النص فيه، وأما تحريم الخمر الثابت في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} (المائدة:90) هو نسخ للإباحة الشرعية السابقة في قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} (النساء:43)

مباحث في الإباحة العقلية:

هناك خلاف بين علماء الأصول حول هذه الإباحة ومحصلته ما يلي:

(أ) قال بعضهم الأصل في الأشياء والأعمال هو المنع حتى يرد دليل شرعي لأن التصرف في ملك الغير مذموم، ولا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك الله بغير إذنه وهذا القول لا شك في خطئه لأن في هذا تحجيراً كبيراً على تصرف الإنسان وتجميداً للحياة على الأرض، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنكم به، وإن كان من أمور دينكم فإلي] (رواه أحمد (6/123) وابن ماجه (2471) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2003))

وهذا دليل واضح على أن الدنيا يسعى فيها، وتعم كل سبيل دون انتظار للأمر الشرعي في شئونها فإذا ورد الأمر الشرعي فهو الحاكم، فشئون الزراعة، والصناعة، والرعي، وعلوم الأحياء، والكائنات، والكون، كل ذلك مباح للإنسان قد أذن الله فيه إذناً عاماً له بمجرد أن أهبطه إلى هذه الأرض، وكان هذا هو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم فقد تعاملوا بما كانوا يتعاملون، وعاشوا حياتهم كما كانوا يعيشون ولم ينتهوا عن أمر ما إلا بعد أن وصلهم الحكم الشرعي فيه.

(ب) وقال آخرون بل الأصل في الأشياء والأعمال هو التوقف، وهذا في النهاية مرده إلى القول الأول لأن المتوقف عن الفعل وإن لم يحرم ما توقف عنه إلا أنه منتظر أيضاً وصول الأمـر الشرعي كالذي يحرم تماماً، والرد على هؤلاء هو الرد على أولئك ولذلك فالصحيح هو ما قدمناه من أن الأصل في الأشياء والأعمال هو الإباحة والبراءة الأصلية، ولا شك أن من ثمـار هذا الأمر أن ينطلق الإنسان إلى الإبداع والاختراع والسعي والتحصيل، والعلم.. قال تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} (الملك:15)

وهذا حث على السعي والتعلم والكسب، وهذه الآية نص في الإباحة العامة والبراءة الأصلية.

الحرام

الحرام لغة:

هو الممنوع. يقال: أرض حرام أي ممنوع دخولها أو الصيد فيها، ومنه سميت أرض مكة بالحرام، لأن الله حرم فيها ما أباح في غيرها من الصيد،وقطع الشجر، ومن هذا المعنى قوله تعالى عن موسى عليه السلام: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} (القصص:12)، أي معناها وهو طفل أن يقبل غير ثدي أمه...

وكذلك قوله تعالى عن بني إسرائيل: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} (المائدة:95) وذلك بعد أن أحجموا عن القتال، وجبنوا، والمعنى ممنوع عليهم دخولها قهراً، وجبراً من الله، وهذا المعنى أيضاً جاء في قوله تعالى: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} (الأنبياء:95)

وأما الحرام اصطلاحاً:

فهو ما يعاقب فاعله، ويثاب تاركه، وهو بهذا المعنى ضد الواجب، ومن أمثلة الحرام الشرك بالله، وقتل النفس التي حـرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وهكذا سائر المعاصي والذنوب فالحرام كل ما نهى الله عنه نهي تحريم لا نهي تنزيه.

مباحث في الحرام:

1- الذنوب كبائر وصغائر:

ينقسم الحـرام إلى قسمين كبائر هي الذنوب والمعاصي الكبيرة البالغة مبلغها في القبح والفحش والفظاعة، وصغائر دون ذلك والدليل على ذلك قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً} (النساء:31).. وقوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، الذين يجتنبون كبائر الإثم، والفواحش إلا اللمم.. الآية} (النجم:31-32)

وقـد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على كثير من الكبائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حـرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات] (رواه البخاري (2766)، ومسلم (89) من حديث أبي هريرة)

ولا شك أن هذه ليست هي الكبائر كلها، ولذلك قال ابن عباس لما سئل عن الكبائر سبع هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب، وأما الصغائر فهي غير ذلك ومثالها: لمزة وغمزة، وتطفيف حبة، ونظرة إلى غير محرم ونحو ذلك.

وينبني على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر الحكم بالتثبت، ورد الشهادة لا يكون إلا لمرتكب الكبائر، وذلك أن الصغائر لا يكاد أحد يسلم منها لقوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (النجم:32)

وقـال أيضاً صلى الله عليه وسلم: [كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون] (رواه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4515))

فلا يجوز رد الشهادة بعمل الصغائر التي لا يسلم منها أحد، وكذلك بالكبائر التي تاب منها صاحبها، وأما فاعل الكبائر المجاهر بها فحريٌّ به أن ترد شهادته، ويتثبت في أخباره وأقواله.

2- الحرام لذاته، والحرام لسد الذرائع:

ينقسم الحرام أيضاً إلى قسمين: حرام لذاته وهو الأمر الفاحش الغليظ الذي يؤدي إلى فساد عظيم في إحدى الضرورات الست (الدين والنفس، والمال، والعرض، والنسل، والعقل) وعموم الكبائر كذلك وهناك من الحرام ما حرمه الله سبحانه وتعالى سداً لذريعة الوصول إلى الحرام كتحريم الخلوة بالأجنبية والنظر إليها،وسفر المرأة بغير محرم لأنه قد يجر إلى الزنا، وتحريم قبول الهدية من المدين لأنه قد يفضي إلى الربا، وتحريم استعمال أواني الخمر، وشهود مجالسها وإن لم يشرب الشاهـد والحاضر حتى لا ينزلق إلى الشرب، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لأنه يفضي إلى قطع الأرحام.

وهكذا قد سد الشارع الحكيم أبواب الذنوب الكبيرة التي حرمت لذاتها وضررها بأمور ليست ضارة ولا فاسدة في ذاتها، وإنما توصل إلى حرام فإنه حرمها.

ولا شك أن هذا الذي حرم لما يجر إليه من حـرام، وليس لذاته، قد يباح بعضه أحياناً لمصلحة راجحة كما أبـاح الله النظر إلى المخطوبة قبل الزواج، وذلك لدوام العشرة، وقد يباح أيضاً هذا النظر في العلاج، وما هو من جنس الحاجات فضلاً عن الضرورات، وأما المحرم لذاته فإنه لا يباح إلا في ضرورة.

3- هل يكون العبد طائعاً عاصياً في وقت واحد؟:

هذه المسألة يذكرها علماء الأصول في هذا الباب ويضربون لذلك أمثلة منها:

الصلاة في الأرض المغصوبة، فالإمام أحمد يرى في هذه المسألة أن الصلاة عينها في غصب لأن قيام المصلي، وقعوده في ملك غيره غصب، وليس صلاة، فالصلاة هنا لاغية لأن فعل الطاعة هو نفس فعل المعصية، وجمهور العلمـاء يرون أن الصلاة حقيقة مستقلة عن الغصب، فالصلاة طاعة، والغصب معصية... ولذلك فصلاة المصلي صحيحة.

وأما على قول الإمام أحمد فصلاته باطلة، وعليه إعادة هذه الصلاة في أرض ليس غاصباً لها، ويورد الجمهور على الحنابلة في هذه القضية الصلاة في الحرير والذهب فيقولون: إذا كانت الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة فكذلك يجب عليكم أن تقولـوا في الصلاة مع لبس الحرير ولبس الذهب لأن المصلي عاص أيضاً وقت صلاته، والحنابلة يرون هنا أن جهة النهي منفكة لأن اللبس غير القيام والقعود في الأرض المغصوبة.

ومن المسائل أيضاً التي تذكـر هنا:سرقة المصلى أثناء صلاته، والصحيح أن مثل هذه المسألة لا يجوز التوقف في القول ببطلان صلاة من صلى وسرق، لأنه حتماً ساهٍ عن صلاته، ولاهٍ عن غايتها وثمرتها، فكيف يكتب له ثواب صلاة يسرق فيها!

وعلى كل حال فإن من قال ببطلان الطاعة وقت المعصية يوجب الإعادة، ومن قال الطاعة هنا منفصلة عن المعصية لا يوجب الإعادة، وهذه المسألة مبنية على قاعدة أصولية وهي: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟

بعض الأصوليين يرون أن الأمر بالشيء غير النهي عن ضده، وآخرون يرون أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ومذهب ثالث يرى أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن الضد وهذا المذهب الأخير هو الصحيح فلا يجوز أن يكون وقت الطاعة هو عينه وقت المعصية.

حكمة وجود الحرام في الشريعة:

1- التعبد، والابتلاء.

2- الحفاظ على الضرورات الست: الدين، العقل، النفس، العرض، المال، النسل.

3- سد الذرائع إلى الفواحش والإثم وكبائر الذنوب.

المكروه

المكروه لغةً:

ما تعافه النفس، وتنفر منه.

ولكن معناه الاصطلاحي:

هو الأمـر الذي لا يعاقب فاعله ويثاب تاركه. ومعنى ذلك أنه الشيء الذي نهينا عنه نهى تنزيه فقط لا إلزام معه بالترك، ولكن اعلم أن المكروه قد جاء في القـرآن بمعنى الحرام، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء بعد أن ذكر قتل النفس والزنا، وأكل مال اليتيم، واتباع الظن والكبر قال تعالى: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً} (الإسراء:38)

ومعلوم أن بعض ما ذكر من الكبـائر العظيمة، ولذلك فالمعنى الاصطلاحي هنا يخالف المدلول الشرعي للكلمة، ولكن جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يفرق بين الحرام والمكروه فيجعل المكروه درجة أخف من الحـرام ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [إن الله تعالى حـرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم:قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة)

ومعلوم أن الذنوب الثلاثة الأولى في الحديث من الكبائر وأنها أعظم من الذنوب الثلاثة الأخرى، ولكن على كل حال ليست الكراهة في الحديث هنا أيضاً كراهة بمعنى التنزيه فقط الذي لا إثم فيه بل يشعر الحديث أن هناك إثماً لمن فعل ذلك، وهذا غير المكروه بالمعنى الاصطلاحي لأن المكروه في عرف الفقهاء واصطلاحهم هو ما لا يعاقب فاعله.

ويدخل في المكروه كثير من الأمور التي يجب أن يتورع عنها المسلم تنزهاً كفضول القول والجدال العقيم الذي لا فائدة منه، وقد يمثل له أيضا بالبول واقفاً، والمزاح في غير حاجة، وكثرة الضحك، ونحو ذلك من عادات السلوك السيئة التي لم يأت نص قاطع بتحريمها.

أمثلة للمكروه:

تأخير الصـلاة عن أول وقتها (وقت الكراهة).. التوسع في المآكل والمشارب والملابس والزينة فهو مباح مع الكراهة، فإذا بلغ حد الإسراف فهو حرام.. تأخير الفطور، وتعجيل السحور في الصوم.. دخول عرفة قبل الزوال.. المزاحمة عند الحجر الأسود.. والخروج من منى لغير حاجة.. كثرة السؤال.. إضاعة المال.. قيل وقال.. يكره سؤال الناس.. وقبول هدية المنان.. رفع الصوت لغير حاجة.. وزيارة المسلم وهو مستاء والبقاء في ضيافته أكثر منثلاث.. والجلوس على مكرمته إلا بإذنه.. ودخول منزله في غيبته حتى وإن أذن له.. والتعرض لمواطن الشبهة.. ومنه الأكل في الطرقات، والجلوس عليها مع أداء حقها..

حكمة المكروه:

1- الحفاظ على جانب الحرام، وهذه درجة بعد سد الذرائع.

2- استكمال النزاهة، وسمو الخلق، وحسن السمعة.

3- الحرص على الفضائل.

الأحكام الشرعية بالوضع

قدمنا أن الحكم ينقسم إلى قسمين:

* حكم تكليفي وهو أربعة أقسام: الواجب والمندوب، والمباح، والمكروه.

* وحكم وضعي وهو أقسام هي: الأسباب، والشروط، والموانع، والصحة، والفساد، والرخصة، والعزيمة .. وإليك تفصيل ذلك:

معنى الوضع:

سميت هذه الأحكام السبعة بالوضع لإنها موضوعة بالخطاب الشرعي وضعاً، وذلك أنه لا بد للإيجاب الشرعي مثلاً من سبب وكل حكم له شروط، وقد تعترضه موانع، وقد يوصف بالصحة لاستكمال شروطه وتخلف موانعه، وقد يوصف بالفساد إذا خالف ذلك. والحكم الشرعي إما أن يكون رخصة بالوضع أيضاً، أو عزيمة بالوضع، فالذي يفرض هذا، ويضع هذا كله هو خطاب الله سبحانه وتعالى ولذلك سميت هذه الأحكام بالأحكام الوضعية.

أولاً: الأسباب والعلل:

السبب في اللغة: هو ما يوصل إلى شيء.. قال زهير بن أبي سلمى:

من هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم

وأما في اصطلاح الفقهاء:

فهو الأمر الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع إمارة على وجود الحكم..

ومن أمثلة ذلك: غروب الشمس فهو سبب لوجوب صلاة المغرب، وزوالها سبب لوجوب الظهر، والسرقة سبب للحد، يقال سرق فقطعت يده. أي بسبب سرقته، والزوجية سبب للميراث، وهكذا ففي الأمور السابقة كلها عندما وجد السبب، وهو أمر ظاهر منضبط وجد الحكم.

تقسيمات للأسباب:

1- السبب المعلل وغير المعلل:

السبب إمـا أن تكون دلالته على وجود الحكم دلالة معقولة ككون السرقة سبباً لقطع اليد، وكون الزوجية سبباً للتوارث، وعنـد ذلك يسمى مثل ذلك علة كما يسمى سبباً، وذلك أن السبب هنا معقول وظاهـر لارتباط المسبب به، وإما أن يكون السبب مجرد علامة على ظهور الحكم دون أن يكون هناك تلازم عقلي بين الحكم وسببه، وهذا يسمى سبباً فقط.

ومثال ذلك زوال الشمس لإيجاب الظهر، فليس هناك علة معقولة لوجوب صلاة في هذا الوقت إلا أن الله سبحانه وتعالى قد جعـل هذا الوقت علامة على وجوب صلاة معينة لنعبده ونذكـره.. قال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} (الإسراء:78)

ودلوك الشمس هـو زوالها عن كبد السماء، وهذا الزوال هو السبب الظاهر الذي جعله الشارع علامة على وجوب صلاة الظهر.

2- وينقسم السبب أيضاً إلى قسمين من حيث فاعل السبب:

(أ) سبب من فعل المكلف، كالذبح مثلاً فإنه سبب لحل الحيـوان المشروع أكله، والسرقة سبب لقطع يد السارق، والسفر لجواز القصر، وهكذا وكل هذه أسباب من فعل المكلف.

(ب) سبب ليس من فعل المكلف كالزوال فإنه سبب لوجوب الظهر، والاضطرار فإنه سبب لحل أكل الميتة، وهكذا .

ثانياً: الشروط:

الشرط في اللغة:

هو العلامة.. قال تعالى: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها} (محمد:18) أي علاماتها الدالة على قرب مجيئها.

وأما في الاصطلاح فمعناه:

الأمـر الذي يتوقف على وجوده وجود الحكم، ويلزم من عدمه عدم الحكم، وقد يوجد ولا يوجد الحكم.

ومثاله الوضوء بالنسبة للصلاة فلا تكون الصلاة صحيحة إلا بوجود الوضوء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ] (رواه البخاري (6954)، ومسلم (225))

ومعنى ذلك أن الصلاة تنتفي إذا انتفى الوضوء، والوضوء قد يوجد من الشخص ولا يصلي، فهو أمر خارج عن الصلاة ولكنه ضروري لوجودها.

ومثاله في الصلاة أيضاً ستر العورة، واستقبال القبلة، ودخول الوقت وكل هذه شروط لا بد من توفرها حتى تكون الصلاة صحيحة، وقد توجد هذه الشروط، ولا توجد الصلاة.

ومثاله أيضاً وجود الشاهدين لصحة عقد النكاح، فيشترط وجودهما ويبطل العقد دونهما.

الفرق بين الشرط والركن:

ركن الشيء هو جانبه، وهذا يعني أن الركن جزء من حقيقة الشيء فنقول مثلاً قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، وكذلك الركوع والسجود والاعتدال من الركوع والقيام هذه أركان للصلاة، وهكذا يتضح لنا الفرق بين الركن والشرط.

فالشرط ليس جزءاً من حقيقة الشيء وإنما هو أمر خارج عنه يطلب وجوده، وأما الركن فهو جزء أساسي من حقيقة الشيء كالإيجاب والقبول في العقود، والطواف والسعي في الحج، ونحو ذلك.

تقسيمات الشروط:

ينقسم الشرط إلى قسمين بحسب المشترط:

(أ) الشروط الشرعية: هي إقامة الشارع شروطاً بالنص الشرعي كاشتراط الوضوء للصلاة، والشهادة لصحة النكاح والبيع وهكذا.

(ب) الشروط الجعلية: وهي ما تعاقد عليه المسلمون فيما بينهم في معاملاتهم كاشتراط البائع أن يبقى المبيع عنده مدة معينة قبل تسليمه، كمن باع منزلاً واشترط بقاءه في يده شهراً مثلاً حتى يتمكن من إخلائه، وفي الصحيح أن جابر بن عبدالله رضي الله عنه باع بعيره للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في سفر، واشترط حملان البعير إلى المدينة، وكالزوجة تشترط على زوجها شرطاً ما لتقبل بالزواج منه، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: [إن أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم به الفروج] (رواه مسلم (1418)، وابن ماجه (1954))

وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: [المسلمون عند شروطهم] (رواه مسلم (2274)، وأبو داود (3594))

ولكن هذه الشروط الجعلية تنقسم أيضاً إلى قسمين:

1- شروط يجوز اشتراطها وهي الشروط المباحة التي لا تغير أصل العقـود، ولا تدخل الفساد إليها، ولا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، وهذه يجب الوفاء بها عملاً بقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً} (الإسراء:34)

2- شروط لا يجـوز إبرامها، وإن أبرمها المسلم فلا يجوز أن يوفي بها، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: [ما من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط] (رواه البخاري (2729)، ومسلم (1504))

وهذا الحديث له سبب مشهور وهو ما رواه البخاري ومسلم -رحمهما الله- في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين في كل سنة أوقية، فأعينيني. فقلت لها: أن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة واعتقك ويكون الولاء لي فعلت، فذكرت ذلك لأهلها، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فأتتني فذكرت ذلك، قالت: فانتهرتها فقالت: لا ها الله إذا قالت فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته فقال: [اشتريها واعتقيها واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن اعتق] ففعلت.

قال: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: [أما بعد فما بال أقـوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله عز وجل، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق، ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق فلاناً والولاء لي، إنما الولاء لمن أعتق])

وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يجوز لمسلم أن يشترط شرطاً يغير به صيغ العقود كما شرعها الله وفيه أنه يجوز اشتراط الشرط الباطل مع نية مخالفته وإبطاله لمن قصد بذلك مصلحة شرعية.

ثالثاً: الموانع:

المانع في الاصطلاح:

هو ما يلزم من وجوده عدم الحكم كالحيض بالنسبة للصلاة فمن جاءها الحيض وجد عندها مانع للصلاة والصوم والمكث في المسجد، والرضاع مانع لجواز النكاح، ومبطل لعقد الزواج، والأبوة مانعة من القصاص؛ فالأب الذي يقتل ابنه لا يقتص منه، وذلك أن الأبوة مانعة من تطبيق القصاص، والقتل مانع من الميراث فمن قتل من يرث منه شرعاً لا يجوز أن يورث لأن قتله سبب في حرمانه وذلك أن سبب التوارث هو التراحم والصلة فلما قتل القاتل من له معه سبب للميراث فإنه بذلك يكون قد قطع الصلة التي يتوصل بها إلى الميراث فيعاقب بنقيض قصده.

رابعاً: الصحة والفساد والبطلان:

إذا وقع الفعل من المكلف مستوفياً للشروط والأركان بريئاً من الموانع فإنه يوصف بالصحة، وأما إذا انهدم ركن منه، أو فقد شرطاً من شروطه أو حصل مانع يمنع صحته فإنه يوصف بالبطلان، ولكن هناك فرقـاً عظيماً بين العبادات والمعاملات في هذا الصدد، فالعبادات وكل ما يتقرب به العبد إلى الله يشترط له شرط زائد في الصحة عن الشروط والمواصفات التي تشترط للمعاملات، فالمعاملات الصحيحة يجب أن تستوفي أركانها وشروطها، وتنتفي موانعها.

فالبيع الصحيح هو ما كان فيه إيجاب وقبول في مجلس واحد كأن يقول البائع للمشتري بعتك هذه السلعة بكذا، ويقول المشتري وأنا قبلت، وأن يكون البائع قادراً على تسليم البضاعة وأن لا يكتم عيباً.. الخ

والزواج الصحيح ما كان بإيجاب، وقبول، وتراض، وولي، وشاهدين، ومهر، ولم يكن هناك مانع يمنع صحة العقد كرضاع، أو تحليل، أو تأجيل.

والخلاصة: أن المعاملة الصحيحة ما استوفت الأركان والشروط وابتعدت عن الموانع.

علماء الحنفية والتفريق بين الفساد والبطلان:

لا فرق عند جمهور الفقهاء بين الفساد والبطلان فالعبادة الفاسدة هي الباطلة في اصطلاحهم، وكذلك المعاملة، والعقد الفاسد هو الباطل، وأما علماء الحنفية فإنهم يفرقون بين الفساد والبطلان، فيطلقون البطلان على العقـد الذي انتفى ركنه والفاسد على العقد الذي انتفى شرطه، فيقولون الباطل هو ما ذهب أصله وهو الركن، والفاسد ما ذهب وصفه، وهو الشرط..

فالبيع الباطل ما فقد ركنه كالعاقـد مثلاً، وأما الفاسد ما انتفى شرطه كأن يكون هناك جهالة في الثمن مثلاً.

ويبنون على هـذا التفريق أن العقد الباطل يولد ميتاً، وليس له من أثر مطلقاً وأما الفاسد فإن له آثاراً تترتب عليه، ويمكن اصلاحه بإصلاح الخلل الذي دخل على وصفه.

خامساً: العزيمة والرخصة:

الأحكام الشرعية جميعها تنقسم إلى قسمين:

1- العزائم: وهي ما شرعه الله ابتداء للناس على وجه العموم لا على وجه الخصوص لحالة ما أو طائفة ما، ويشمل هـذا جميع أحكام التكليف من واجب، وحرام ومباح. فالبيع مثلاً عزيمة وهو مباح، وإيجاب الصوم والصلاة والحج عزيمة، وتحريم الزنا والقتل والكفر كل ذلك عزائم.

2- الرخصة: وهي ما شرعه سبحانه وتعالى استثناءً من حكم عام، وذلك بقصد التسهيل والتخفيف على عباده، فقصر الصلاة، وإباحة الفطر في الصوم أثناء السفر رخصة، وقول كلمة الكفر للمضطر رخصة، وأكل الميتة رخصة، والقعود في الصلاة للعاجز عن القيام رخصة، وهكذا.

تقسيمات للرخصة:

(1) تنقسم الرخصة بحسب منزلتها إلى ثلاثة أقسام:

أ- رخصة للضرورة: وذلك كإباحـة الميتة للمضطر فقد شرعت لدفع ضرورة ملجئة وهي الموت جوعاً، وقول كلمة الكفر لمن أكره على ذلك ونحو ذلك.

ب- رخصة للحاجة: وهي ما شرعت لدفع حاجة ومشقة كإباحة القصر، والفطر للمسافر والتيمم للمريض، ونحو ذلك.

ج- رخصة للترفيه والتوسعة: وهي ما شرعت توسعة وترفيهاً على العبـاد: كإباحة المسح على الخفين، وإباحة بيع العرايا، وهي النخلات تشترى بخرصها تمراً، وحكمها مستثنى من تحريم بيع الرطب بالتمر، ونحو ذلك من الرخص التي شرعت للتوسعة والترفيه.

(2) وتنقسم الرخصة أيضاً بحسب الفعل والترك إلى قسمين:

أ- رخصة فعل: كأكل الميتة وكلمة الكفر.. الخ

ب- رخصة ترك: كترك القيام في الصلاة، وترك الصيام في السفر.. الخ

(3) وتنقسم الرخصة أيضاً بحسب حكمها إلى ثلاثة أقسام:

أ- الرخصة التي يجب فعلها: وهي ما ألزمنا الله بقبولها كالقصر في السفـر حيث شرع القصر أولاً للخوف، وذلك لقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} (النساء:101)

ولكنها أصبحت عامة عند خوف الفتنة من الكفار، وعند الأمن من ذلك، فقد روى مسلم عن يعلى بن أمية قال:قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته] (رواه مسلم (686))

فقول النبي صلى الله عليه وسلم: [فاقبلوا صدقته] دليل على وجوب ذلك ومثال الرخصة الواجبة أيضاً أكل الميتة للمضطر لأنه لا يجوز أن يترك نفسه للهلاك مع قدرته على ذلك، ومثال ذلك وجوب الفطر في رمضان لمن يقابل عدواً، ولا يستطيع مع الصوم أن يقوم بواجبات القتال كما جاء عن جابر أنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: أن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم فبلغه أن ناساً صاموا فقال: [أولئك العصاة] (رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني في صحيح الترمذي (571) وأصله في مسلم)

ب- ورخصة يستحب الأخذ بها: وهي التي شرعت تسهيلاً وتخفيفاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكـره أن تؤتى معصيته] (رواه أحمد (2/108) من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في صحيح الجامع (886))، وقوله صلى الله عليه وسلم: [عليكـم برخصة الله التي رخص لكم] (رواه مسلم (1115) من حديث جابر بن عبدالله)

ج- ورخصة يباح الأخذ بها: وهي التي شرعت ترفيهاً وتوسعة على المسلم، وهذا التقسيم للرخصة الواجبة والمستحبة، والمباحة مبني على التقسيم الماضي في الرخصة للضرورة، والحاجة والترفيه، فما كان لضرورة فهو واجب، وما كان لحاجة فهو مستحب، وما كان لترفيه فهو مباح. والله تعالى أعلم.

مصادرالحكم الشرعي

أدلة الأحكام

الدليل الأول: القرآن الكريم

1- تعريفه:

القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي تعبدنا الله بالإيمان به وتلاوته، وتدبر معانيه وهو هذا الكتاب المجموع في المصاحف المبتدأ بسورة الفاتحة، والمختم بسورة الناس لم ينقص منه حرف ولم يزد فيه حرف، ولم تبدل كلماته كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9).. {وإنه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:41-42)

وهو الذي نزل به جبريل الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بحروفه ومعانيه، فهو كلام الله كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} (التوبة:6)

2- القرآن كلام الله لفظاً ومعنىً:

هذا القرآن الكريم هو كلام الله لفظاً ومعنىً، وليس حكايةً عن كلام الله، ولا هو كلام نفسي قائم بذات الله فهمه جبريـل، ونقله بل القرآن كلام الله حقيقة بألفاظه، ومعانيه تكلم الله به على النحو الذي يليق بعظمته وجلاله، ونقله جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وليس مخلوقاً كما ادعت المعتزلة.

3- أسماء القرآن:

قد سمى الله كتابه قرآناً لأنه يقرأ، وسماه كتاباً لأنه يكتب وسماه فرقاناً لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، والحلال والحرام.. وسماه ذكراً لأنه للتذكر والعظة والاعتبار...

ووصفه سبحانه بالعزة، فقال: {وإنه لكتاب عزيز} (فصلت:41).. ووصفه بالإحكام فقال: {أحكمت آياته} (هود:11).. وبالبصائر فقال: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون} (الجاثية:20).. ونفى عنه سبحانه وتعالى كل شك وريب فقال: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة:2)

4- محتوياته ومشتملاته:

وقد أنزله الله سبحانه وتعالى كتاباً كاملاً جامعاً مبيناً لكل ما تحتاجه الأمة لتكون خير أمة أخرجت للناس قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} (النحل:89)

فقد فصل الله فيه أصول الإيمان، ومشاهد الغيب والقيامة، والبعث والنشور، والجنة والنار، ورد جميع شبهات الكفار على خلاف أديانهم ونحلهم من المشركين واليهود والنصارى والمجـوس والدهرية، وفصل فيه سبحانه وتعالى أصول الأخلاق، وأصول المعاملات، وأصـول العبادات، وصرف فيه من القول في الوعد والوعيد، والتبشير والتحذير، ما يحمل من كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد على الاتعاظ والاعتبار فهو كتاب معجز فريد لا يشبه كلام البشر ولا يدانيه كلام قط، ولا يوجد كلام يحمل من المعاني ما يحمله هذا الكلام الذي يظل حياً نابضاً لا ينتهي عجائبه، ولا تجف معانيه، ولا يخلق عن كثرة الرد، بل يظل حياً جديداً كلما قرئ، وتمعن فيه ظهر للمتدبر والمتمعن معان جديدة ما كان يدركها قبل ذلك، ولا يزال أهل الإيمان يرون منه في كل زمان عجباً.

5- هل "بسم الله الرحمن الرحيم" آية من القرآن؟:

(أ) ذهب بعض أهل العلم إلى أن البسملة ليست آية من القرآن، ولا من سورة الفاتحة.

(ب) وقـام الإجماع على أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية في أول سورة براءة، ولا تقرأ في أولها وعلى أنها جزء آية من سورة النمل في قوله تعالى: {قالت يا أيها الملؤا إني ألقي إلي كتاب كريم* إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} (النمل:29-30)

(ج) واختار الإمام الشافعي -رحمه الله- أن البسملة آية في بدء كل سورة من سور القرآن، ولذلك فإنه يجب القـراءة بها، وتبطل قراءة من قرأ الفاتحة، ولم يقرأ في أولها بسم الله الرحمن الرحيم.

(د) وذهب بعض الأصوليين إلى أنها من الفاتحة فقط وتذكر عند بدء كل سورة.

6- القرآن كتاب معجز:

أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن بلسان عربي، ولكنه سبحانه وتعالى جعله في منزلة من البلاغة، والفصاحة والبيان وحلاوة اللفظ، واتساق المعنى، بحيث يعجز جميع البلغاء والفصحاء عن أن يأتوا بسورة من مثل سوره، وكان هذا آية عظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كـان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمياً لم يقرأ، ولم يكتب، ولم يؤثر عنه قبل الرسالة أنه قال شعراً أو نثراً يؤثر، ولا كان ممن يشتغل بشيء من ذلك بل كان منصرفاً إلى العزلة والتعبد في غار حراء، يذهب إلى هناك الليالي ذوات العدد وحده، ثم يعود إلى مكة ليتزود ثم يعـود إلى حراء وهكذا، ولما أنزل عليه هذا القرآن تحدى الله به العرب أن يأتوا بمثله، ثم نزل معهـم إلى عشر سور ثم إلى سورة واحدة، ثم إلى سورة تشبه سورة منه، كما قال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} (البقرة:23-24)

ولقد عجز العرب البلغاء الفصحاء في وقت التنزيل عن أن يجاروا القرآن، أو أن يأتوا بكلام يشبه آياته.. وما زال هذا التحدي قائماً لليوم وسيبقى، ولا يستطيع أحد أن يقول أن هناك من ألف كلاماً كهذا القرآن الكريم.

ولقد عجز العرب عن الاتيان بشيء مثل القرآن مع قيام داعيهم الشديد إلى معارضته ليسلموا من التكفير، وإبطال عقائدهم وسب آلهتهم، وعيب ما كان عليه آباؤهم... وليبطلوا دين الرسول الذي واجههم بكل ما يكرهـون.. وكانوا هم أهل البلاغة والفصاحة، ولما عجزوا عن ذلك كان الإتيان بمثل القرآن أو سورة منه دليلاً قاطعاً على أن القرآن ليس كلام البشر، وإنما هو كلام خالق البشر سبحانه وتعالى.

7- وجوه إعجاز القرآن:

ووجوه إعجاز القرآن كثيرة:

(1) أولها هو أنه كلام عربي مبين باللسان الذي يتكلم به العرب ولكنه كلام في مستوى من الفصاحة والبلاغة والبيان، وحلاوة اللفظ، وامتلاء المعنى، واستدامة الجدة، وإحكام العبارة بحيث أنه لا يمكن أن يؤتى بكلام عربي مثله قط.

(2) أنه قد تضمن أخبار الأمم الماضية التي لم يطلع الرسول على شيء من أخبارهـا قط.. فلم يكن يعرف من هو نوح ولا موسى ولا عيسى، ولا لوط، ولا شعيب ولا كيف اختلف بنو إسرائيل فيمن يكفل مريم، ثم أخبر القرآن بكل ذلك كما جاء في الكتب السابقة تماماً دون أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد اطلع على شيء من هذه الكتب. قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} (العنكبوت:48)

وقال تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين* ولكنا أنشأنا قرونـاً فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين* وما كنت بجانب الطور إذ نادينا، ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما آتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} (القصص:44-46)

ولذلك كانت شهادة اليهود والنصارى الذين شهدوا أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسول هي الموجودة في كتبهم شهادة منهم أن محمداً رسول الله حقاً وصدقاً، ولم يستطع المعاندون منهم أن يكذبوا الرسول ويقولوا إن الأخبار والقصص التي حكاها عن أنبيائهم غير صحيحة، أو منقولة أو مفتراة، وكان هذا شاهد صدق الرسول، وإعجازاً للقرآن وأنه من عند الله.

(3) وكذلك كان من إعجاز القرآن إخباره بالغيوب الكثيرة المستقبلية كنصر الدين، وظهور الإسلام على كل الأديان كما قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً} (الفتح:28)

وما وعد هذه الأمة من النصر والتمكين كقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (النور:55)

وكذلك ما وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم من دخول مكة مع الذين منعهم الكفار من دخولها في السنة السادسة في غزوة الحديبية كما قال تعالى: {لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} الآية (الفتح:27)

ومثل هذا كثير في القرآن من الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله لأنه لا يعلم الغيب إلا هو، ولا يستطيع أحد أن يؤلف كلاماً يدعي فيه معرفة حوادث المستقبل ثم تكون كما يؤلف.

(4) إخبار القرآن بحقائق، وعلوم الحياة والكون التي لا يعلمها البشر جميعهم وقت نزول القرآن، ومثل هذا ما أخبر به القرآن عن الأجنة، والبحار، والرياح، والأنهار، والمطر، والسحاب، والبرق، والنبات، والحيوان، وتعاقب الليل والنهار، وبدء الخلق كقوله تعالى: {أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي} (الأنبياء:30)

والآيات النازلة في كل ذلك من حقائق هذه الكائنات كشفت ما لم يكن معلوماً وقت نزولها، وجاء الوقت الذي تتكشف فيه بعض هذه الحقائق مصداقاً لقوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} (فصلت:53)

8- المحكم والمتشابه:

(1) القرآن كله نازل في غاية الأحكام والاتقان كما قال سبحانه وتعالى: {ألر* كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} (هود:1).. فكل أخبـاره صدق، وكل أحكامه عدل كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً} (الأنعام:115) أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.

(2) والقرآن كذلك جميعه يشبه بعضه بعضاً في الرقة والعذوبة والبلاغة والبيان فليس فيه ضعيف وقوي، وبليغ وغير بليغ، كما هو الشأن في كلام البشر. قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم..} الآية (الزمر:23)

فهو متشابه في الأحكـام، ومثاني لأنه يثنى ويقرأ، أبداً دون أن يبلى أو يخلق أو يمل منه قارئه ومتدبره..

(3) وفي القرآن آيات محكمات وآيات متشابهات كما قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخـون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} (آل عمران:7)

والمحكم هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، ولا يختلف أهل العلم فيه، والمتشابه هو الذي يحتمل أكثر من معنى وقد يختلف أهل العلم فيه فمثال المتشابه قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام:82)

لأن هذا يشمل كل أنواع الظلم، ولذلك سأل الصحابة رسول الله عن ذلك فأخبرهم أن المراد بالظلم هنا الشرك.. وكذلك قوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدو ما أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} (البقرة:284)

فإنه يشمل كل حديث للنفس، ولما شق ذلك على الصحابة نزل التفسير: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (البقرة:286)، وعامة القرآن من المحكم المفصل.

الموقف من المتشابه:

وقد أرشـدنا الله سبحانه وتعالى إلى رد ما تشابه علينا فهمه وعلمه إلى المحكم منه بقوله: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب} (آل عمران:7)، ويجب الرد إلى هذه الآيات القطعية في دلالتها لنفسر بها المشتبه علينا، ثم تفويض ما لا نعلم منه إلى عالمه ومنزله.. {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} (آل عمران:7)

ولا شك أن الراسخين في العلم يعلمون من القرآن ما لا يعلمه غيرهم من غير الراسخين، وكان ابن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن يقـول: (أنا من الراسخين في العلم، وأنا أعلم تأويله).. وذلك بما جمعه من علوم القرآن، وأسباب نزوله من الصحابة، وببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: [اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل] (رواه أحمد (1/314) من حديث ابن عباس بهذا اللفظ وأصله في الصحيحين)

ولذلك كان يعلم من القرآن ما لا يعلم غيره.

ومن أجـل ذلك كان من أصول أهل السنة والجماعة تفسير القرآن بالقرآن، وهو من معاني رد المتشابه إلى المحكم.

وتفسير القرآن يكون أيضاً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه المأمور ببيانه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44)

وتفسير القرآن يكون كذلك بأقوال الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين- لأنهم هم الراسخون في العلم وهم الذين يعلمون تنزيله كالخلفاء الأربعة، والعبادلة الأربعة، وعلى رأسهم ابن عباس، وكذلك أبي بن كعب، وزيد بن ثابت الأنصاري وغيرهم.

9- القرآن كله قطعي الثبوت:

والقرآن كله قطعي الثبوت فكل حرف فيه قد نقل نقلاً متواتراً، وأجمع الصحابة على أن هذا المجموع في المصحف من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس هو كلام الله لم يسقط منه حرف، ومن ادعى غير ذلك فهو كافر بالله خارج عن إجماع الأمة.. كافر بالله لأن الله يقول: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9)، وقد فعل سبحانه وتعالى ما وعد به.

10- دلالة القرآن القطعية والظنية:

ومن آيات القرآن ما هو قطعي الدلالة، وهو المحكم الذي لا يختلف فيه أهل العلم، ومنه المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى، وهذه الآيات تسمى ظنية الدلالة.. كدخول المضمضة والاستنشاق في قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} (المائدة:6)، ودخول المرفق مع اليد في قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} (المائدة:6)

وكون الأيام الثلاثة التي أمر الحاج أن يصومها فدية عن الذبح هي في الإحرام أم في سفر الحج، وهي قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} (البقرة:196)، وهذه الدلالات الظنية هي التي يختلف عندها أهل الاجتهاد.

11- الناسخ والمنسوخ:

لا شك في وقوع النسخ في القرآن كما قال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} (البقرة:106)

* والنسخ الذي وقع في القرآن على ثلاثة أنواع:

1- نسخ الحكم وبقاء التلاوة:

كما نسخ الصبر على أذى الكفار، وترك معاقبتهم، ودفعهم بوجوب قتالهم، ورد عدوانهم فقد كان القتال محرماً في مكة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى الكفار حتى لو قتلوا من المسلمين كما قال تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً} (المزمل:11) ، قال تعالى: {فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً} (المزمل:10)

ثم أمر الله المسلمين بقتال الكفار كما في قوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير..} الآية (الحج:39).. وقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} (البقرة:190).. وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال:39)

ومثال المنسوخ حكمه مع بقاء تلاوته أيضاَ قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكـم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً} (النساء:115)

وقد نسخ هذا بنزول آية الحد في الزنا وهي قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} (النور:2)

ومثاله أيضاً في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} (النساء:43) الذي يفيد جواز شرب الخمر في غير أوقات الصلاة، وقد نسخ هذا بقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} (المائدة:90)

2- نسخ التلاوة وبقاء الحكم:

وكان من القرآن آيات تتلى ثم نسخت ولكن بقي حكمها ومن ذلك آية الرجم كما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في البخاري: (إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنـزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجـال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا فيما نقـرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (البخاري(6830))

3- نسخ التلاوة والحكم معاً:

وقد ثبت في الصحيح أن آيات من القرآن كانت تتلى ثم نسخها الله، ونسخ حكمها، ومن ذلك ما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن فنسخن بخمس معلومات) (رواه مسلم وغيره)

فائدة وقوع النسخ في القرآن:

(1) التدرج في التشريع، والرقي بالأمة من مرحلة إلى مرحلة كما كان الشأن في تحريم الخمر فإنها لو حرمت مرة واحدة لعسر على المسلمين ترك ذلك، وبقاء الآيات المنسوخة يبين الحكمة الإلهية في أخذ عباده بالتدريج تربية وتقويماً لهم.

(2) اختبـار أهل الإيمان ليعلم الراسخ في العلم من المرتاب الشكاك الذي في قلبه مرض الشك والريبة.

12- إنكار وقوع النسخ في القرآن:

ذهب بعض الباحثين المحدثين إلى إنكار وقوع النسخ في القرآن، مدعياً أن هذا يتعارض مع أحكامه وتنزيله مع الذي لا يخفى عليه شيء، ولا شك أن هذا مخالف للقرآن نفسه، ومخالف لما عليه سلف الأمة جميعاً، ومكابـرة ورد للحق الواضح... وتقديم للعقل على النص، وإن لاح للمجـادل أنه ينزه القرآن، وذهب بعضهم إلى أن النسخ هو إيقاف العمل بآية ما وإنزال آية أخرى مكانها، وهذا لا يعدو أن يكون خلافاً حول الألفاظ.

13- الحقيقة والمجاز:

ذهب بعض المتكلمين إلى أن القرآن يشمل الحقيقة والمجاز، ويعنون بالحقيقة ما جاء حسب الوضع الأصلي للغة..

والمجاز: ما جاء استعارة أو تشبيهاً أو كناية، كما استعير اسم الأسد للرجل الشجاع، والبدر للوجه الجميل، والوطء، والجماع، والمباشرة، والملامسة، ونحوها للفعل الواقع بين الذكر والأنثى... والتغوط والتبرز لقضاء الحاجة المعلومة.

وقد توسع القائلون بالمجاز في اللغة والقرآن، فجعلوا كل أسلوب من أساليب البلاغة العربية مجازاً.

ولما كان المجاز يقوم عند هؤلاء في مقابل الحقيقة، فإن هذا حملهم على نفي كثير من معاني القرآن التي جاءت وفق أساليب البيان والبلاغة عند العرب، فنفوا ما يحبون نفيه من معاني القرآن العظيم مدعين أن هـذا جاء في أسلوب المجاز اللغوي.. والمجاز عندهم يجوز نفيه لأنه تجوز في الكلام، وليس حقيقة لغوية ثابتة.

وعلى هذا الأساس نفوا صفات الرب سبحانه وتعالى وأسماءه!! وتوصل المبطلون إلى نفي جميع معاني القرآن بادعاء أنها مجازات لغوية أريد بها غير المتبادر منها.

فنفـوا صفة المجيء لله كما في قوله: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} (الفجر:22) قائلين أن هذا مجاز الحذف، والمعنى عندهم (وجاء أمر ربك) وعندهم أن الله لا يجيء لأنه ليس بجسم.

ونفوا رؤية الله في الآخرة الثابتة في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة} (القيامة:22-23)، وقالوا إن هذا أيضاً من مجاز الحذف، والمعنى عندهم (إلى نعم ربها ناظرة)..

ونفوا صفة اليد الثابتة في قوله تعالى: {مالك ألا تسجد لما خلقت بيدي} (ص:75) وقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} (المائدة:64).. وقـوله تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} (الزمر:67)، وقالوا المقصود بذلك هو القدرة لأن اليد تطلق مجازاً على القدرة، وعلى الكرم، ومستحيل عندهم أن يكون لله يد لأنه ليس بجسم.

ولا شك أن هذا الذي ذهب إليه هؤلاء المتكلمون يهدم الدين من أساسه لأنه يهدم موازين اللغة، وضوابط الفهـم، ويفتح الباب لكل متلاعب بالعقيدة والشريعة أن يقول أن المراد من هذا الكلام ليس هو الحقيقة بل هو المجاز، وهذا هو الذي نقله جميع فرق الباطنية الذين حملوا القـرآن على غير معانيه فأولوا معنى الصلاة بالذهاب إلى الإمام، والصوم بالصمت عن الكلام مع المخالفين، والحج بزيارة إمامهم، والجنة بأنها جنة معنوية لا حسية، والنار كذلك.. وبهذا بدلوا الشرائع وهدموا الدين، وضيعوا العقيدة وضلوا ضلالاً مبيناً.

والحق أن القرآن كله حق وأنه ليس فيه مجاز يجوز نفيه، وجميع التشبيهات والاستعارات، والكنايات فيه حقيقة، ويجب حمله كله على ظاهره، وحقيقة معناه كما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم وكما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين.

الدليل الثاني: السنة النبوية

1- تعريفها:

السنة النبوية هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وتقريره، وصفاته الخلقية والخلْقية.

فأما أقواله فنحو قوله صلى الله عليه وسلم: [من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار] (رواه البخاري (106) ومسلم، وهو حديث متواتر عن غير واحد من الصحابة)

وأما أفعاله، فنحو وصف الصحابة لركوعه وسجوده، وقيامه وتبسمه، ومشيته، وطريقة أكله... الخ.

وأما تقريره فهو كل ما رآه من مسلم وسكت عنه. والحجة في تقريره أنه لا يقر مسلما على باطل. ومثاله: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين. فقال صلى الله عليه وسلم: [أصلاة الصبح مرتين؟] فقال له الرجل: أني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلها فصليتهما. قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. (رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (948))

ورؤيته رجـلا يأكل الضب على مائدته فسكت. (رواه البخاري (7358) من حديث ابن عباس، فدل هذا على جواز الأمرين)

وأما صفاته الخلُقية فكما نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وأن ضحكه التبسم، وأنه كان إذا سر استنار وجهه، وعرف ذلك منه، وأنه ما قال لسائل لا قط...

وكل هذا يدل على كمال خلقه، وأنه الأسوة الكبرى لأمته.

وأما صفاته الخلْقية فمثالها ما جاء من أوصافه أنه كان أبيض مشربا بحمرة، ربعة، عريض المنكبين، له لمة تصل إلى كتفيه يفرق رأسه، له لحية تضرب في صدره... الخ.

ووجه كون هذه الصفات من السنة هي إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم، وموافقته في أعماله للفطرة وحسن تجمله.

2- حجية السنة:

السنة هي الدليل الثاني بعد كتاب الله عز وجل، وهي مثل القرآن في وجوب الإيمان والعمل بها، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله سبحانه وتعالى، ويدل على ذلك أدلة كثيرة.

(1) أمـر الله سبحانه وتعالى في كتابه بوجوب اتباع سنة نبيه، وهذا كثير جدا في القرآن كقوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء:80)

* وقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر:7)

* وقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (النساء:59)

* وقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)

* وقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (الأحزاب:36).

* وقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (النساء:65).

ومثل هذا كثير في القرآن، وكلها تدل على وجوب العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته في القليل والكثير، والحذر من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم.

2) الأحاديث النبوية الكثيرة التي يأمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب طاعته ويحذر من مخالفته كقوله صلى الله عليه وسلم: [من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله] (رواه البخاري (2957) ومسلم (1835) من حديث أبي هريرة)

وقوله صلى الله عليه وسلم: [يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته يحدّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل. فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله] (أخرجه أبو داود (4604)، والترمذي (2664) وقـال الترمذي حسن غريب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8186))

والأحاديث في هذا المعني كثيرة جدا كذلك...

(3) الإجمـاع بين الصحابة جميعا وأهل السنة والجماعة على أن السنة النبوية حجة في الدين، وأنه يجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يكتفى عنها بالقرآن، وأن الرسول صلى الله عليه وسلـم معصوم في البلاغ عن ربه، وبيان الدين، وأنه لا يجوز لمسلم أن يخالف أمره، وهذا الأصل لم يخالف فيه إلا أهل الأهواء من الخارجين عن كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة.

3- منزلة السنة النبوية من القرآن الكريم:

السنة النبوية مثل القرآن في وجوب الإيمان والعمل بها... وهي التطبيق العملي لكتاب الله. والبيان القولي والفعلي للقرآن الكريم، وهي كذلك دليل إضافي مع القرآن.

أوجه تعلق السنة بالقرآن:

1- التقرير والتأكيد:

القسم الأول من السنة ما جاء إلا تقريرا وتوكيدا لأوامر القرآن ونواهيه وأخباره وأحكامه وهذا قسم عظيم في السنة كقوله صلى الله عليه وسلم: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه..الحديث] (رواه البخاري (2442) ومسلم (2580) من حديث ابن عمر)

وقـوله أيضا: [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى] (رواه البخاري (6011) ومسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير)

وقوله صلى الله عليه وسلم: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه] ( رواه البخاري (2446) ومسلم (2585) من حديث أبي موسى الأشعري)

هـذا ومثله تأكيد وتقرير للآيات الكثيرة التي في هذا المعني كقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} (الحجرات:10) وقوله تعالى: {فأصبحتم بنعمته إخوانا} (آل عمران:103).

وهكذا كل ما جاء من السنة يأمر بمثل ما أمر الله به من بر الوالدين، وصدق الحديث، وأداء الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والتخلق بالأخلاق الطيبة، وكذلك كل ما جاء في السنة ينهى عما نهى الله عنه كالشرك والسحر وقتل النفس التي حرم الله والربا والزنا وسائر الموبقات. فكل هذا ومثله من السنة التقريرية التوكيدية التي جاءت لتقرير معاني القرآن وتوكيدها.

2- السنة البيانية:

وهذا النوع من السنة ينقسم الى قسمين:

أ- بيان وتفسير بالقول: وهو كل ما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله عز وجل من كلامه كتفسيره (الظلم) في قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام:82) بأنه الشرك.

وتفسيره الأمر بالصلاة في القرآن بالأحاديث الكثيرة التي بين فيها صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وأوقاتها بدءا ونهاية، وحكم من نام عنها ونسيها، ومقادير الزكاة، ونصابها، وكيفية إخراجها... الخ، وكذلك أحكام الصوم، وموعد الإفطار وموعد الإمساك.. وكذلك أعمال الحج.

ومن الأمثلة لبعض ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم: [خمس صلوت كتبهن الله..] الحديث (رواه البخاري (46))

وقـوله صلى الله عليه وسلم: [أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة وأشار بيديه على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا تكفت الثياب والشعر] (رواه البخاري (812) ومسلم (490) عن ابن عباس)

وقـوله: [من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك] (أخرجه البخاري (597) ومسلم (684) من حديث أنس بن مالك)

وقوله: [في الرقة ربع العشر] (رواه البخاري (1454)) [وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة] (رواه البخاري (1459))

وقوله: [إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم](رواه البخاري (1954) عن عمر بن الخطاب)

ب - البيان بالفعل: وقد بين رسـول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أحكام الدين بفعله، ونقل الصحابة هذا عنه فوصفوا عباراته صلى الله عليه وسلم، ومعاملاته كوصفهم لصفة ركوعه وسجوده، وتلاوته، وصومه، وحجه، وبيعه، وشرائه، فمن ذلك وصف عائشة رضي الله عنها [أنه إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك حتى لو صب عليه الماء لاستقر] (رواه ابن ماجه (872) من حديث وابصة بن معبد وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (712))، ووصف الصحابة لسجوده أنه كـان يجافي بين عضديه (رواه البخاري (807) وأبو داود (900) وغيرهما بألفاظ كثيرة)، ويحمر وجهه إذا خطب كأنه منذر جيش (رواه البخاري (91) ومسلم (867))، ولقراءته أنها كانت مداً يقف على رأس كل آية، ويمدها (رواه البخاري (5045)، (5046) من حديث أنس)، وأنه أحيانا كان يمد قائلا آآآ (رواه البخاري (7540) من حديث عبدالله بن مغفل)

وهذه السنة البيانية بالفعل هي تفسير لما أمر به الرسول والأمة في القرآن كقوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4)، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} (الحج:77)، وقـوله تعالى: {إنما أنت منذر} (الرعد:7)... وقوله تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} (الفتح:8)، ولذلك كان إذا خطب بشر وأنذر وعلا صوته كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.

3- السنة الإضافية:

والنوع الثالث من أنواع السنة هي الأحكام الإضافية التي زادت على ما في القرآن فلقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء كثيرة من الأقوال والأعمال لم ترد نصوصها في القرآن، وهذه السنة يجب الأخذ بها كالقرآن.

وهي السنة التي خالف فيها من خالف من فرق الضلال مدعين الاكتفاء بما ورد في القرآن...

ومن ذلك تحريـم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وتحريم حلق اللحى وإرخاء الشوارب، ولعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، والمتفلجات للحسن... ولعن الرجل يلبس لبس المرأة، والمرأة تلبس لبس الرجل، وتحريم المشي في نعل واحدة، والأكل بالشمال والتطهر باليمين... وهذا النوع من السنة كثير، وفيه يقول صلى الله عليه وسلم: [ألا وإن رسول الله قد حرم مثل ما حرم الله أو أكثر] (أخرجه أبو داود وسبق تخريجه)

أعمال الرسول البشرية الجبلّية:

أعمال الرسـول البشرية الجبلية لا تدخل في مسمى السنة التشريعية التي مضى تعريفها، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر مثل سائر البشر كما قال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} (الكهف:110) ومن طبيعة البشر أنهم يتفاوتون ويختلفون من يحبون ويكرهون بحكم طبيعتهم البشرية وبيئتهم التي نشؤوا فيها، وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التي فعلها بحكم هذه الطبيعة البشرية لا تدخل في مسمى التكليف والتشريع كما نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الحلواء، والدباء، ويكره أكل الضب، ويحب لبس القميص، وثوب الحبرة، وقد جاء عنه بحكم البيئة والوقت الذي بعث فيه أنه ركب الحمار والناقة، والبغل، واستخدم السيف، والرمح، ولبس الدرع، والنعال السبتية (أي التي لا شعر فيها).

وهذا النوع من أعماله صلى الله عليه وسلم لا يدخل في السنة التشريعية فركوب الحمار، والبغل، والناقة، والإرداف عليها ليس من السنة التشريعية، ولكن قد يستفاد في الإرداف تواضعه، وجواز مثل هذا العمل وكذلك محبة الحلوى، والدباء، وكراهة أكل الضب كل ذلك ليس من السنة التشريعية، ولكن من أحب ما يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجر على ذلك وقد كان بعض الصحابة يفعل ذلك موافقة لما يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويدخل في هذا أيضا استخدام عود الأراك في تنظيف الفم وتطهيره... فإن هذا قد استخدمه الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم وجوده وتيسره في الجزيرة ولا شك أنه إذا قام غير عود الأراك في التطهير والتطيب أجزأ، فالسنة تطهير الفم وتطييبه وتنظيفه، ولا يقال إن عود الأراك بذاته هو السنة، فمن نظف فمه بغيره لا يعد عادلا عن السنة.

وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر ما بحكم خبرته الدنيوية ليس من السنة كما أخبر عن تأبير النخل فخرج المحصول شبقا... ثم قال للصحابة: [محدثتكم عن شيء من أمور دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم، وما حدثتكم عن الله فلا أكذب على الله] (رواه مسلم (2361))

ولا يدخل في هذا ما أخبر به عن أمور من الطعام والشراب والدواء بما لم يكن معلوما في وقته فإن مثل هـذا من الوحي، كقوله صلى الله عليه وسلم في ماء زمزم: [ماء زمزم لما شرب له] (رواه ابن ماجه (3062) وصححه الألباني في الإرواء (1123))

ولقـوله صلى الله عليه وسلم: [الحبة السوداء شفاء من كل داء] (رواه البخاري (5688) ومسلم (2215))

وكقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخرة شفاء] (رواه البخاري (3320) وأبو داود (3844))

فإن مثل هذا لا يعلم إلا بالوحي.. وكذلك قوله: [غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء...] (رواه مسلم (2014) من حديث جابر بن عبدالله)

ثبوت السنة وحفظها:

السنة النبوية قد حفظها الله سبحانه وتعالى كما حفظ كتابه الكريم وذلك أنها كما تقـرر هي بيان القرآن، وضياع البيان ضياع للقرآن، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9) وقال سبحانه وتعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (النحل:44)، فلو لم يحفظ الله بيان القرآن لما كان القرآن محفوظا وذلك أن القرآن لا يطبق على وجهه الصحيح، ويفهم كما أراد الله إلا ببيان الرسـول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إن علينا بيانه} (القيامة:16-19)، وقد فسر ابن عباس هذه الآيـة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلاقي من القرآن شدة فكان يحرك لسانه به. حال الوحي فأمره الله أن يسمع عند إلقائه إليه، وأن عليه أن يجمعه في صدره، ويقرأه كما أنزل إليه، ثم إن عليه سبحانه أن يبينه له بعد ذلك.

وقد نقل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا البيان بقوله وفعله كما بيناه سابقا وقد توفرت بحمد الله كل الدواعي لحفظ السنة النبوية ومن ذلك:

1- أنها في الحكم قرينة القرآن فلذلك اعتني بها الصحابة رضوان الله عليهم فالتزموها، وأشاعوها، ونقلوها.

2- أن الصحابة قد أوتوا من قوة الحفظ، وصفاء الذهن، وعظيم التقوى ما مكنهم من حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

3 - نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر أن يكتب حديثه حتى لا يختلط بالقـرآن، وسمح لبعض الصحابة بالكتابة، وسمح بكتابة ما لا يختلط مثله بالقرآن كأسنان الإبل، ومقادير الزكاة.

ولما جمع القرآن وأصبح مأمونا أن يدخل فيه ما ليس منه، وحفظ في مصحف واحد، قام التابعون بتدوين السنة كتابة، فاجتمع للسنة الحفظ في الصدور، والكتابة في السطور.

4- نقل التابعون وتابعوهم بإحسان سنة النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الإسناد وهو أن ينقل اللاحق منهم عن السابق، والمبلغ عن الشاهد والراوي عمن قبله.

وقام علماء متخصصون كان همهم الأول جمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتدوينها، وتمييز هذه الأسانيد صحيحها من ضعيفها... وقام من أجل ذلك علم عظيم لم تعرفه أمة من الأمم السابقة التي تنقل عن أنبيائها كاليهود والنصارى... وإنما اختصت الأمة الإسلامية به دون سواها.. وهذا العلم هو علم الإسناد، وتحته أكثر من ستين فرعا أو نوعا، ومن هذه الفـروع وضع مصطلحات خاصة بهذا العلم، وضبط أسماء كل من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة تواريخهم وتفاصيل حياتهم، وضبط سني ولادتهم ووفاتهم، وتلاميذهـم، وشيوخهم وأوطانهم. ثم وضع ضوابط لتقييم كل راوٍ ومتى تقبل روايته، ومتى ترد، ومتى تكون مقبولة في الشواهد والمتابعات وتقوية رواية أخرى.

وهذه العلوم التي سميت بعلوم الحديث لا توجد عند أمة قط غير الأمة الإسلامية وهذه العلوم كانت كفيلة بحمد الله أن تميز ما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما افتراه الكذابون وأرادوا إلصاقه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

والخلاصة: أن السنة التي حكم عليها علماء الحديث بالصحة سنة ثابتة مقطوع بها من حيث الجملة، وقـد اتفقت الأمة الإسلامية على أن أصح كتابين بعد كتاب الله هما صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وصحيح الإمـام مسلم بن الحجاج النيسابوري... وقد تلقتهما الأمة بالقبول.

وكل حديث في درجة الصحيحين مما حكم عليه بذلك أئمة الحديث فهو في نفس الدرجة من القبول.

ولا شك أن التشكيك في ثبوت السنة طعن في خبـر الله سبحانه وتعالى: بحفظ القرآن، وخروج عن إجماع الأمة المعصومة التي لا تجتمع على خطأ، والتي قال الله في إجماعها: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء:115).

أنواع نقل السنة:

السنة المنقولة إلينا جاءت بطريقين:

(1) النقل المتواتر الذي رواه العدد الكبير من الصحابة ثم بعدهم العدد العظيم وهكذا.

وهـذه السنة قطعية الثبوت كأخبار غزواته صلى الله عليه وسلم، ومعظم عبادته كأعداد ركعات الصلاة، وتحريمه صلى الله عليه وسلم الكذب عليه.. ونحو ذلك مما يعلم أن الكثرة من الناس نقلوه لمن بعدهم.

أحاديث الآحاد:

وبعض السنة نقل آحاد أي رواه راو واحد أو اثنان مما لا يبلغ حد التواتر وهذا النوع من السنة إذا رواه العدل الضابط عن مثله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو يفيد العلم وهذا يوجب العمل -ولا شك-.

وإن كان يوجـد الاحتمال القليل في أن هذا الراوي الواحد أو الاثنين يمكن أن يكون قد نسي أو أخطأ مما هو من شأن البشر، فإن هذا الاحتمال لا يجيز رد خبر الواحد ما دام أنه ثقة عدل قد أمنا كذبه، وتدليسه.

وهـذا النوع من الأحاديث يطلق عليه (ظني الثبوت) ليكون في مقابل المتواتر الذي يطلق عليه (قطعي الثبوت).

وهـذا الاصطلاح غير دقيق لأن خبر الواحد العدل الثقة يفيد العلم الذي هو أكبر من الظن لأن الظن مجرد رجحان وقد يخطئ كثيرا، وأما العلم فهو أمر ثابت واحتمال نفيه قليل ونادر... والعلم فوق الظن -بلا شك-.

وجوب العلم بحديث الآحاد:

وأحاديث الآحاد يجب العمل بها إجماعا لأنها تفيد العلم كما أسلفنا، وقد عمل الصحابة، ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم بخبر الواحد.

فالواحد من الصحابة يسافر فيبلغ الدين، ويعلم الأحكام والشرائع فيتبع... وقد جاء صحابي واحـد إلى أهل قباء وهم يصلون فقال لهم إن القبلة حولت إلى الكعبة فداروا وهم في صلاتهم، ومازال المسلمون بعد الصحابة يأتيهم الخبر عن رسول الله فيقبلونه ويعملون به ولا يشترطون لذلك إلا التثبت من صدق الراوي، وحفظه.

حديث الآحاد يوجب الاعتقاد كما يوجب العمل:

وكما أنه يجب العلم بأحاديث الآحاد فكذلك يجب الآخذ بها في العقيدة والأصول كذلك فكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد الصحيحة يجب اعتقاده والعمل به سواء كان ذلك في صفات الله سبحانه وتعالى أو في مسائل الغيب، أو في الصلاة والزكاة والحج وسائر العبادات أو في المعاملات والحدود.

وهذا التفريق بين الحديث النبوي وقبوله في مسائل العبادات والمعاملات دون العقائد لم يأت به نص عن الله ولا عن رسوله ولا عن أصحابه، وإنما هو مما ابتدعه علماء الكلام، وكان الحامل عليه هو ما وضعوه بعقولهم في أسماء الله وصفاته من أنه يستحيل عليه الحركة، والكلام، والحوادث، ولما وضعوا هذه الضلالات بعقولهم وسموها قواطع عقلية رأوا أن الحديث النبوي قد جاء على خلاف ما توهموه بعقولهم من إثبات الاستواء لله، والكلام، والرؤية، والحب والبغض، والمقت، والضحك، ولذا أرادوا رد هذه الأحاديث ومعارضتها فقالوا هي أحـاديث آحاد، وحديث الآحاد ظني الدلالة، والظني لا يؤخذ في العقيدة لأنها يجب أن تقوم على الأمر القطعي، وقالوا دلالة العقل قطعية، وقد عارضها الحديث الظني فإذن يقدم العقل الذي هو قطعي على الحديث الذي هو ظني.

هذا هو سبب ضلالهم في هذا الباب ولا يخفى أن هذا تلبيس وتدليس وضلال لأن العقل المزعوم هم يختلفون فيه، فما يقطع به بعضهم ينفيه بعضهم الآخر ولا يوجد ضابط عندهم ولا أمر يجمعون عليه أنه مما تقطع به العقول.

ولا شك أن معارضة النقل الصحيح بالعقل ضلال عظيم... ولا شك أيضا أن العقل الصحيح لا يمكن أن يعارض نقلا صحيحاً.

ولذلك حكمت العقول الصحيحة الصريحة أن ما صح مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم حق وحكمة وتنزيه وإجلال للباري جل وعلا ووصف له بما يليق بعزته وكبريائه ورحمته، وإحسانه، وأنه سبحانه وتعالى لا يشبه في شيء من صفاته صفات مخلوقاته: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى:11).

ومكان هذا المبحث كتب التوحيد، ولكننا ذكرناه هنا لتفريق بعض علماء الأصول بين خبر الواحد وخبر التواتر، ووصفهم خبر الواحد أنه ظني الثبوت، فأردنا أن نبين منشأ هذا القول وأسبابه، وما يترتب عليه من الفساد ورد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وتقديم توهمات العقول على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا من الضلال المبين.

متى يرد الحديث؟:

(1) الحديث المكذوب المفترى لا تجوز روايته إلا لبيان حاله، ولا يجوز العمل به إجماعا، والحديث المكذوب ما كان أحد رواته من الكذابين الوضاعين.

ومثل هذا يسمى (حديثا) تجوزاً وإلا فإنه ليس بحديث بل كلام مكذوب منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

(2) والحديث المنسوخ الذي عرف نسخه وناسخه لا يجوز العمل به، ويجب أن يصار إلى الناسخ كحديث: [إنما الماء من الماء] (رواه مسلم (343) من حديث أبي سعيد الخدري) نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل] (رواه البخاري (291) ومسلم (349)) ، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا أسمع أحداً أفتى بغيره إلا جعلته نكالا.

والمنسوخ من الحديث قليل جدا وقد ذكر الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه لا يتعدى بضعة عشر حديثا، ومنه النهي عن زيارة القبور، والنهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث.

(3) ويرد الحديث إذا خالف إجمـاع الصحابة، ولا يأتي الإجماع مخالفا للحديث إلا وهو معتمد على آية من كتاب الله أو حديث آخـر، ومخالفة الحديث للإجماع دليل على أنه خطأ من راويه، وذهاب الى القول بالمقطوع من القرآن والسنة.

وليس معنى مخالفة الحديث للإجماع أن الصحابة يجمعون على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما معناه أن هناك حديثا آخر، أو قد أنزل قرآن على خلاف هذا الحديث، كما أجمعوا على حل الذهب، والحرير للنساء، فدل ذلك على نسخ أو ترك الأحاديث المحرمة.

(4) ويـرد الحديث بالشذوذ وهو مخالفة راوية الثقة لمن هو أوثق منه، كما جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال.

ويطلق الشذوذ أحيانا على ما تفرد به راو واحد مما تقوم الدواعي على نقله: كالتوضؤ من مس الذكر، وخيار المجلس في البيع، ونحو ذلك والصحيح أن هذا ليس من الشاذ ولا يجوز رد الحديث الصحيح به.

(5) ويرد الحديث أيضا بالإعلال، والعلة في الحديث هي مرض خفي يتفطن إليه النقاد من أهل الحديث، ويخفى على غير الخبير الناقد.

والحديث المعلول هـو من جنس الحديث الضعيف بل هو حديث ضعيف ولا شك ولكن ضعفه خفي وإن كان ظاهره الصحة.. والحديث المعلول يرد من أجل علته.

ما لا يجوز أن يرد الحديث به:

الحديث حجة بنفسه وهو الدليل الثاني من أدلة الأحكام بعد كتاب الله، وقد رد بعض الفقهاء الحديث بالأمور الآتية وكلها أمور لا يجوز أن يرد بها الحديث:

1- رد خبر الواحد فيما تعم به البلوى:

رد بعض الحنفية الأحاديث التي يرويها راو واحد إذا جاءت في أمور يعم بها التكليف كالوضوء من مس الذكر، ورفع اليدين في الصلاة، والصحيح هو قبول أحاديث الآحاد في ذلك وغيره، وقد قبل الصحابة خبر عائشة رضي الله عنها، في الغسل من التقاء الختانين (وهو أمر تعم به البلوى)، وخبر رافع بن خديج في الإجارة.

2- رد خبر الواحد في الحدود:

وقال قوم إن الحدود عقوبات، والأصل درء الحدود بالشبهات، فكيف يثبت الحد بخبر الواحد؟.

والصحيح أن خبر الواحد تشريع والحديث حجة بنفسه، ويجب على من بلغه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمل به، ودرء الحدود بالشبهات ليس حديثا، وإن صح معناه وإنما هو في مجال إثبات حد شرعي ما على معين، وأما في تشريع الحد فلا شك أنه يكفي فيه خبر الواحد كالتغريب مع الجلد، وحد شرب الخمر، والمماثلة في القصاص.

3- رد خبر الواحد إذا خالف الأصول أو القياس:

ورد بعض الفقهاء حديث الآحاد إذا خالف القياس أو خالف الأصول. والصحيح تقديم حديث الآحاد على القياس فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفاضل في دية الأصابع بسبب منافعها، فرجع عن ذلك لحديث أن في كل أصبع عشرة من الإبل.

ثم إن القياس استنباط وهو يرجـع إلى عقل الفقيه، وأما الحديث فنص معصوم، ولما كان العقل غير معصوم فلا يجوز تقديم غير المعصوم على المعصوم.

ولا شك أن كل قياس يخالف النص فهو فاسد الاعتبار، والقاعدة تقول: "لا قياس في مقابلة النص".

4- رد الحديث بمخالفة راويه له:

ولا يجـوز رد الحديث لأن راويه قد خالفه لأن الحجة إنما هي في الحديث لا في رأي واجتهاد الراوي.

ضوابط الحديث الصحيح الذي يجب قبوله والعمل به:

(1) والحديث الصحيح الذي يجب قبوله والعمل به هو ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشذ أو يعل.

(2) والشذوذ هو ما خالف فيه الراوي الثقة من هو أوثق منه.

(3) والعلة: مرض خفي يتفطن إليه نقاد الحديث المجيدون الخبراء بالنقل. ويخفى ذلك على المبتدئين في هذا العلم.

(4) وما يرسله الصحابة فيقول فيه الصحابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم أنه لم يحضـر ذلك ولم يسمعه فهو صحيح لأن الصحابة كلهم عدول، وفي العموم لا يروي الصحابي إلا عن صحابي، وهم جميعهم عدول بتعديل الله لهم، وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم.

(5) وما يرسله التابعي فيقول (قال رسول الله) هو من الضعيف لأنه ربما يكون قد سمعه من تابعي آخر،فما دام أنه لم يسمعه فربما كان الذي سمعه منه ممن تضعف روايته.

(6) والحديث الحسن وهو ما رواه عدل حسن الحفظ هو من جملة المقبول الذي يجب العمل به.

(7) وإذا جاء الحديث من طرق مختلفة فيها ضعف يسير وليس في أحدها كذاب أو وضاع فإنه يقوي بعضها بعضا فيكون صحيحا لغيره، أو حسنا لغيره.

(8) ولا يجوز العمل بالحديث الضعيف لأن احتمال صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم ضعيف، ولا يجوز التعويل على الظن والشك.

الدليل الثالث: الإجماع

الدليل الثالث من أدلة الأحكام الشرعية هو الإجماع وإليك أهم مباحثه بالتفصيل:

1- المعنى اللغوي لكلمة الإجماع:

الإجماع في اللغة يعني الاتفاق. ومنه قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام حيث يقول لقومه متحديا لهم {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} (يونس:71)

أي اتفقوا جميعا على حربي وعداوتي، ولا تمهلوني فإني أتحداكم بذلك لأنني متوكل على ربي ولن تصلوا إلي فهو يحميني منكـم. ومنه قوله تعالى أيضا عن يوسف عليه السلام: {فلما ذهبوا به. وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب} (يوسف:15) أي اتفقوا جميعا على إلقاء يوسف في البئر.

2- المعنى الاصطلاحي:

وأما معنى الإجماع في اصطلاح علماء الأصول فهو: اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين.

ومعنى هذا الاصطلاح: أن الإجماع لا يقع إلا بعد وفاة الرسـول صلى الله عليه وسلم، وأما في حياته فالعبرة بالوحي والمرجع في كل خلاف وتشريع إلى الله ورسوله فقط، ولا عبرة لقول أحد يخالف قوله صلى الله عليه وسلم، ثم إن الإجماع لا يكون إلا للمجتهدين من أهل العلم، فالعامة والجهلة، والمارقون لا دخل لهم في الإجماع.

3- مستند حجية الإجماع:

الإجماع دليل شرعي، ومما يدل على أنه حجة الكتاب والسنة فمن الكتاب والسنة آيات كثيرة تؤيده أشهرها:

(أ) قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110)

فلما مدح الله المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بذلك علم يقينا أنهم يستحيل أن يجتمعوا على ضلالة، وأن يصدر من جميعهم في عصر ما يخالف الحق، ويجعلهم خارجين عن الديـن، وخارجين عن هذه الخيرية، والآيات التي تدل على ما دلت عليه الآية السابقة كثيرة جدا.

(ب) قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء:115)

ولا شك أن مشاقة الرسول وحدها موجبة للعذاب فما دام أن الله جمع لذلك أيضا اتباع غير سبيل المؤمنين دل ذلك على أن هذا موجب للعذاب أيضا وإلا كان ذكره في الآية بغير فائدة.

(ج) وأما السنة فقـد دلت أحاديث كثيرة على ذلك منها حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خطب الناس بالجابية فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال: [أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يستحلف عليها، ويشهد على الشهادة قبل أن يستشهد، فمن أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فيلتزم الجمـاعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، ومن كان منكم تسره حسنته، وتسوؤه سيئته فهو مؤمن]) (رواه أحمـد (1/177)، وابن ماجه (2/64)، وأبو يعلى في مسنده (1/45)، وصححه الألباني في الصحيحة رقم (430))

ووجه الدلالة في هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإكرام أصحابه لما فيهم من الخير، والفضل والصدق، مثل هؤلاء لا يكون اتفاقهم على أمر من أمور الدين باطلاً حاشا وكلا..

ولذلك أمر الرسـول صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة، ومعلوم أن لزوم الجماعة لا يعني إلا لزوم رأيهم وكلمتهم، وهذا يعني أن من خالف رأي الجماعة هلك واتبع الشيطان.

4- أهل الإجماع:

لا شك أن أهل الإجماع هم العلماء العاملون المجتهدون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأفضل هؤلاء على الإطلاق هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أثنى الله عليهم، وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول صلى الله عليه وسلم: [إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم] (متفق عليه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه)

ولا شك أنه لا يعتد في الإجماع بقول أهل الكذب والشقاق كالرافضة والخوارج الذين خرجوا عن إجماع الأمة وشقوا عصاها وإن كان مع بعضهم بعض علم، وكذلك لا يعتد في الإجماع بقول العامة والجهلة والمغلوب على عقولهم؛ لأن هؤلاء لا نظر لهم ولا فقه لهم بالدين فلا عبرة إذاً بخلافهم، ولا يؤخذ رأيهم.

5- هل يؤثر في الإجماع خلاف الرجل والرجلين؟

قلنا إن الإجماع حسب تعريف الأصوليين هو اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على مسألة ما..

وهذا يعني في ظاهره أن يكون الاتفاق تاما، ولا يحدث هناك شذوذ مطلقاً والصحيح أن خلاف الرجل والرجلين أمام العدد الهائل لا يؤثر، لأنه يتعذر فعلا أن تجد أمرا ما من أمور الدين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال فيه جميع العلماء برأي واحد واتفقوا فيه على قول واحد من جميع الوجوه.

6- إمكانية وقوع الإجماع:

نازعت بعض الطوائف في إمكانية وجود الإجمـاع وأشهر من نازع في ذلك الروافض وبعض المعتزلة مدعين أن حد الاجتهـاد غير معلوم، وأن الوقوف على آراء جميع العلماء في العالم الإسلامي متعذر، وما احتجوا به ليس حجة على الصحيح، لأن معرفة المجتهد من غير المجتهد معلومة معروفة، وهذا أمر لا يخفى على العامة فضلاً عن أن يجهله العلماء فما زالوا يفرقون ويعرفون أهل العلم من غيرهم، وضوابط الاجتهاد معروفة في أصول الفقه، وأما القول بأن اجتماع علماء الأمة على قول واحد مستحيل فقد وقع ذلك في عصر الصحابة، ومعظم أمور الإسلام مجمع عليها، فقد أجمعـوا على خلافة الصديق، وتولية عمر الشورى في الستة الذين اختارهم عمـر ليختار الخليفة من ورائه، وتوريث الجدات السدس، وحجب ابن الابن بالابن، وأعـداد الركعات والصلوات، وغير ذلك من تدوين الدواوين، وكتابة المصاحف، والاجتماع على قراءة واحدة خوفا من التفرق، وأخذ الجزية من المجوس، وآلاف الوقائع مما أجمع عليه المسلمون في عصر صدر الإسلام، وقد ذكرنا آنفا أنه لا يضر في مثل هذه المسائل خلاف الواحد، وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، والرازي، ومما يؤيده ما ذكرنا من هذه الوقائع التي قد يوجد في بعضها خلاف من رجل أو رجلين، وكل ذلك لا يؤثر في الإجماع.

وأما عن وقوعه بعد عصر الصحابة فإنه ممكن لو كان ثمة خلافة إسلامية واحدة تحصر العلمـاء، وتعقد لهم الشورى فيما يقابل المسلمين من وقائع. فإذا اتفقت كلمتهم كان هذا إجماعـا، وقد كان عمر بن الخطاب يصنع شيئا نحو هذا حيث يستشير في أمور المسلمين أهل العلم والفقه منهم فإذا اجمعوا على أمر أمضاه، ولا شك أن إمضاء خليفة المسلمين لأمر يوجب الطاعة والمتابعة وإلا كان مخالف ذلك مشاقا لجماعة المسلمين خارجا على جماعتهم.

7- منزلة الإجماع من الأدلة الشرعية:

يأتي الإجماع في المنزلة الثالثة من حيث الدليل الشرعي فالكتاب أولا ثم السنة ثم الإجماع، وهناك من العلماء من يجعل الإجماع مقدما على الكتاب والسنة في الاستدلال ووجهة نظرهم ما يلي:

(أ) أن الإجماع لا ينسخ حيث أن الأمة لو أجمعت في عصر ما من عصورها على مسألة واحدة فيستحيل أن يكون هذا باطلا كما قدمناه لأنها لا تجتمع على ضلالة.. ومعنى هذا أن مثل هذا الحكم لا ينسخ، ولا يأتي بعده إجماع ينسخه.

(ب) أن دلالة بعض آيات القرآن وبعض الأحاديث ظنية أي لا يمكن القطع بها نظرا للاختلاف حول مدلولها وما يفهم منها، وأما دلالة الإجماع فقطعية لأنه لا يكون إلا في أحكام شرعية عملية واضحة الدلالة نطق بها جميع المجتهدين فدل هذا على قطعية دلالتها على المقصود بخلاف حديث ما قد يفهم هذا منه فهما ويفهم هذا منه فهما آخر يخالفه.

والصحيح ما قدمناه من تقديم الكتاب والسنة على الإجماع من حيث ترتيب الأدلة ولكن لو فرض وجود إجماع صريح عارضه حديث ما فيه اختلاف في مدلوله ومعناه فإننا نقدم الإجماع الصريح علما أنه يستحيل وجود إجماع لا يستند إلى نص، فيكون الإجماع هنا بمثابة تقديم نص على نص، أو ترجيح مدلول نص على مدلول آخر.

8- مستند الإجماع:

قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: "قد استقرأنا المسائل التي أجمعوا عليها فلم نجد إجماعاً لا يستند إلى نص".

وهذا الذي قاله الإمام ابن تيمية -رحمه الله- يدل على أن مستند الإجماع الصحيح هو النص من الكتاب والسنة، وليس الرأي المجرد، ويفيد أيضا أن الإجماع الصحيح المنقول إلينا نقلا صحيحا يستحيل أن يخالـف النص أبدا، لأن الأمة يستحيل أن تجتمع على ضلالة، ولا شك أن مخالفة النص ضلالة، فإن وجد على الفرض نص يخالف إجماعا صحيحا فلا بد وأن يكون هناك نص آخر راجح على هذا النص، وهو مستند الإجماع، أو يكون معارض الإجماع هو الفهم الخاطئ للنص، وليس النص نفسه كما فهم أقوام كثيرون ما أجمعت عليه الأمة بأنه مخالف للنصوص، وعند التحقيق يتبين أن فهمهم للنص هو المخالف لإجماع الأمة وليس النص كما احتج الخوارج لقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} (يوسف:40)، على أنه لا تحكيم للرجـال فخالفوا إجماع الأمة على القبول بتحكيم أهل العلم فيما شجر من خلاف بين المسلمين، وكذلك ما ادعاه الشيعة في رفض إجماع المسلمين على خلافة الصديق والفاروق رضي الله عنهما بأن هـذا يخالف قوله صلى الله عليه وسلم: [أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى] (رواه البخاري (37076) ومسلم (2404) من حديث سعد بن أبي وقاص)

والصحيح أن النص صحيح ولكن فهمهم للنص خطأ، وهم خالفوا الإجماع بالفهم الخاطئ، وليس بالنص الصحيح.

9- مراتب الإجماع:

للإجماع مرتبتان مشهورتان هما:

أ - الإجماع القولي: وهو ما نقل من كلام مجتهدي الأمة وعلمائها نصا، وذلك بأن يكونوا قد تكلموا به، أو قضوا به، ويسمى هذا الإجماع (الإجماع الصريح)، وهذا هو الإجماع الحقيقي الذي يحتج به على مخالفه، ومثل هذا الإجماع هو ما يكفر مخالفه.

ب - الإجماع السكوتي: وهو ما نقل عن بعض العلماء بالنص، ولا يعرف رأي الباقين من مجتهدي الأمة، أعني أن تشتهر فتوى أو حكم لبعض علماء المسلمين ولا يعرف مخالف لهم.

وهذا الإجماع دليل ظني، وليس دليلا قطعيا لأن الساكت لا ينسب له قول، وربما لو سئلوا لأفتوا بغير ذلك، وكذلك ربما كان هناك مخالف لمثل هذا الإجماع ولا نعلمه نحن، وهذا الإجماع السكوتي هو الذي يدعيه كثير من الناس، وقد قال فيه الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه أن الناس اختلفوا.

أي أن القول بأن هذه المسألة من مسائل الإجماع، ولا يعلم فيها ولم ينقل فيها إلا رأي طائفة منهم فقط يعد كذبا لأن الناس يمكن أن يكونوا قد اختلفوا، وهذا الإجماع على كل حال دليل ظني ويجوز العمل به، وليس حجة قطعية.

10- ما عده بعض الناس إجماعا ليس بإجماع:

أ- إجماع أهل المدينة:

ذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة إلى أن إجماع أهل المدينة على أمر ما من أمور الدين هو حجة شرعية يخصص به النص العام، ويرد به ما خالفه من أخبار الآحاد الظنية، ومستند الإمام مالك، ومن تبعه في هذا ما يأتي على الإجمال:

(1) أن المدينة هي عاصمة دولة الإسلام الأولى في عهد النبي والخلفاء الراشدين وفيها نما الإسـلام وترعرع، ومعظم الصحابة مكثوا فيها وماتوا بها ومن تبعهم بإحسان وهؤلاء هم خير القرون في الإسلام.

(2) أن أهل المدينة لم يعرف عنهم كذب وابتداع بخلاف ما نشأ في أمصار الإسلام الأخرى.

(3) أنه يستبعد أن يكون شيء فعله أهل المدينة جيلا بعد جيل في القرنين الأول والثاني الهجري، والسنة أو القرآن على خلاف ذلك الشيء.

وقد عارض جمهور العلماء الإمام مالكاً في ذلك مدعين:

(أ) أنه ليس هناك آية أو حديث يوجب اتباع ما كان عليه أهل المدينة والحجة في النصوص.

(ب) أن من خيار الصحابة والتابعين من كانوا في أمصار الإسلام، وأنه لا يستبعد أن يكون معهم من العلم والفقه ما لم يكن عند أهل المدينة.

والصحيح أن القول بأن إجماع أهل المدينة حجة أو ليس بحجة ليس على إطلاقه، وخير من فصل هذا الأمر هو الإمام ابن تيمية حيث يقول في فتاويه: "إجماع أهل المدينة على أربعة مراتب:

أولاً: ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل نقلهم مقدار الصاع والمدِّ، وترك صدقة الخضروات والأحباس (الأوقاف) فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء.

ثانياً: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان فهذا حجة في مذهب مالك وهو المنصوص عن الشافعي قال في رواية يونس بن عبدالأعلى: "إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيءٍ فلا تتوقف في قلبك ريبا أنه الحق" وكذا ظاهر مذهب أحمـد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها. قال أحمد: "كل بيعة كانت في المدينة فهي خلافة نبوة".

ثالثاً: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين وجهل أيهما أرجح. وأحدهما يعلم به أهل المدينة ففيه نزاع. فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد قولان.

رابعاً: العمل المتأخر بالمدينة هل هو حجة شرعية أم لا؟

فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية هذا مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهـو أيضا قول أهل التحقيق من أصحاب مالك". انتهى (ملخصاً من مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (20/303-310))

ب - إجماع الأئمة الأربعة:

اتفاق الأئمة الأربعة على مسألة ما لا يعتبر إجماعا، ولا يدخل في اصطلاح أهل الأصول عن الإجماع قـال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم فليس حجة لازمة، ولا إجماعا باتفاق المسلمين" (مجموع الفتاوى (20/10))

وقد ذكر الإمـام ابن تيمية مسائل هنا خالف فيها من خالف أقوال الأئمة، كتحديد مسافة القصر، وجمع الطلاق بالثلاث في مجلس واحد، وجعل الحلف بالطلاق طلاقا، وغير ذلك، والذي خالف في هـذه المسائل لا يكون مخالفا للإجماع بل الصواب هو ما ذهب إليه من خالف في هذه المسائل.

ج- الأخذ بالأقل:

وما قد يدعى فيه الإجماع أيضا، وليس بإجماع هو الأخذ بالأقل كما يقال في مسألة دية الكتابي فقد قيل إنها مثل دية المسلم ومن قائل أنها على النصف، ومن قائل أنها على الثلث، فيكون الأقل هو الثلث، ومثل هذا لا يسمى إجماعا لأن الأخذ بالقول الثالث هو مخالف حتما لمن يقول بالقول الثاني والأول لأنه لم يوف ما ألزموه.

11- أثر القول بالإجماع:

لضبط قضايا الإجماع والعمل بها أثر عظيم في حياة الأمة الإسلامية، ومن ذلك:

(أ) جمع كلمة الأمة: أول هذه الآثار هو جمع الأمة على كلمة واحدة، ومحاربة الشذوذ والتطرف.

(ب) تصويب الأمة فيما اتخذته من قرارات مصيرية كان اتخاذها لها بفضل الله ورحمته مما صانها من الخلاف، والشقاق.

(ج) قفل الطريق على محبي الانفراد والشذوذ ممن يخرجون كل وقت، وحين يريدون أن ينفردوا عما أجمعت عليه الأمة قديما كقول من يقول اليوم بإلغاء السنة، والاكتفاء بالقرآن، ومن قال بالأمس من الخوارج لا نعمل بالرجـم، ومن أراد أن يتبعهم في ضلالتهم اليوم، وقول من يقول الصلاة ثلاث فقط، وكل صلاة ركعتين فقط ونحو هذا مما يصدر عمن يزعم أنه مع المسلمين وليس معهم على الصحيح، لأن من خالف إجمـاع الأمة وما استقر عليه رأيها وتشريعها في قرونها الزاهرة، فلا شك أنه مشاقٌّ لله ورسوله متبع غير سبيل المؤمنين.

وهذا كله نقوله بالطبع في الإجماع الحقيقي الذي يقول فيه الإمام الشافعي: "لست أقول ولا أحد من أهل العلم" وهذا مجمع عليه "إلا لِما لا تلقى عالما أبدا إلا قاله لك وحكاه عن من قبله كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا" (الرسالة ص/534)

وأما المسائل الفرعية التي هي مظنة الاختلاف لتزاحم الأدلة وعدم توفر دواعي نقلها فمثلها عدا أنها ليست من مسائل الإجماع، فإنه لا يجوز تكفير المخالف ولا تفسيقه من أجلها لأنه لا يتصور في مثلها إجماع.

قال الجويني في البرهان: "وأما فرض اجتماع على حكم مظنون في مسألة فردية ليست من كليات الدين، مع تفـرق العلمـاء واستقرارهم في أماكنهم، وانتفـاء داعية تقتضي جمعهم فهذا لا يتصور مع اطراد العادة، فإذا من أطلق التصور أو عدم التصور، فهو زلل.

والكلام المفصل إذا أطلق نفيه، أو إثباته كان خلقا، ومن ظن أن تصور الإجماع وقوعا في زماننا في آحاد المسائل المظنونة مع انتفاء الدواعي الجامعة هين، فليس على بصيرة من أمره، نعم معظـم مسائل الإجماع جرى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مجتمعون أو متقاربون، فهذا منتهى الغرض في تصوير الإجماع" انتهى (2/622)

الدليل الرابع: القياس

1- التعريف اللغوي:

قاس الشيء يقيسه قيسا وقياسا، واقتساه وقيسه إذا قدره على مثاله. (لسان العرب مادة قيس (6/187))، والمقياس هو المقدار، وما قيس به (آله القياس).

2- التعريف الاصطلاحي:

هو إلحاق واقعة لا نص عليها بواقعة أخرى منصوص عليها لتساوي الواقعتين في علة الحكم.

ومثاله إلحـاق أنواع ظهرت من الخمور بالخمر التي كانت موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن علة الحكم -وهو الإسكار- موجودة في هذه الخمر وتلك الخمر، فاتخاذ الخمر من البصل مثلا حرام والمتخذ خمرا وإن لم يكن موجودا في عهد التنزيل لأن الإسكار الذي هو علة تحريم الخمر موجودة في هذا وذاك.

وإيجـاب الزكاة في الرز واجب وإن كانت الزكاة منصوصة في التمر والزبيب والقمح والشعير فقط فيقاس الأرز عليه بجامع العلة وهو الكيل والادخار والقوت وهذا موجود في القمح والأرز، وكذلك حرم الرسول صلى الله عليه وسلم الربا في ستة أشياء منصوص عليها حيث يقول صلى الله عليه وسلم: [الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد]. (رواه أحمـد (5/320) ومسلم (1587) من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنه)

ولا شك أنه يحرم الربا في كل ما يماثل هذه الأشياء المنصوصة كالأرز والفـول والعدس وهذا هو ما يسمى بالقياس.

أركان القياس:

للقياس أركان أربعة هي: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم.

فالأصل: هو الشيء أو الواقعة المنصوص على حكمها في الشريعة.

الفرع: هو الشيء أو الواقعة الجديدة التي يراد إلحاقها بالأصل.

العلة: هي السبب الذي من أجله رتب الشارع الحكيم قيام الحكم به.

الحكم: هو ما نطق به الشرع إلزاما للشيء أو الواقعة بالإيجاب والتحريم، وبالإباحة والشرط والرخصة، ولكل ركن من هـذه الأركان شروط وتعريفات، ومواصفات لا بد من ضبطها حتى يكون القياس صحيحا، وذلك أن القياس من أكثر الأدلة التي يتطرق إليها الخلل، ولذلك فلا بد من ضبط أموره ضبطا محكما حتى يمكن الوصول إلى القياس الصحيح.

حجية القياس:

القياس من الأدلة الشرعية التي اختلف فيها كلام علماء الإسلام وكثر حولها الجدل فمن العلماء من رده جملة وتفصيلا، ومنهم من توسع في القياس بأدنى مناسبة وتشابه بين فرع وأصل.. ومنهم من فرق بين القياس الصحيح والقياس الفاسد، ولم يلحق فرعا بأصل إلا بقواعد وضوابط لتحقق المماثلة فعلا بين الفرع والأصل، ونحن نبين حجة كل فريق ونرجح ما نراه الحق إن شاء الله تعالى.

أولاً: أدلة المانعين للقياس:

ذهب الإمام ابن حزم وغيره إلى أن القياس غير جائز في الشريعة واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة من أشهرها:

أن الحكم الشرعي هو ما كان في الكتاب والسنة فقط، وما بقي فهو ظن، وأن القياس ظن، والحكم به إنما هو اتباع الظن، وأن إبليس برغم حذقه، وشطارته فما أضله إلا القياس، وأن في كلام العلماء كثير من الأقيسة الفاسدة والباطلة والمخالفة للنصوص الشرعية، وأن الشريعة قد أحاطت بكل الأحكام كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل:89) وإن المسكوت عنه بعد ذلك إنما هو عفو لا مؤاخذة فيه.

ثانياً: أدلة المثبتين للقياس:

وأما جمهور علمـاء المسلمين ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم فإنهم قالوا بحجية القياس واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة من أشهرها:

1- القياس نوع من الاجتهاد:

القياس نوع من أنواع الاجتهاد، والشرع قد أقر للحاكم والقاضي أن يجتهد وأنه مأجور على كل حال إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد كما قال صلى الله عليه وسلم: [إذا حكم الحاكـم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص وسبق تخريجه)

فهذا دليل على أن الاجتهاد جائز، والقياس وهو إلحاق الشيء بنظيره من جملة الاجتهاد ولا شك.

2- النصوص الشرعية لم تحط بالوقائع إحاطة تفصيلية:

والثاني أن النصوص الشرعية لم تحط إحاطة تفصيلية بكل الوقائع وإنما توجد وقائع كثيرة لا يمكن البت في حكمها إلا بنوع اجتهاد ومقياسه، ومن ذلك مثلا مسائل العول وهي زيادة أصحاب الفروض في الميراث على الواحد الصحيح. كمن ماتت مثلا، وتركت زوجها وأختيها، فإن النص الشرعي يوجب للزوج نصف ما تركت زوجته المتوفاة، وكذلك يوجب النص للأختين ثلثي التركة.

فإذا نظرنا وجدنا أننا لا نستطيع الحكم بنص واحد منهما مع التقصير في النص الآخر إلا النصف للأختين ولو أخذت الأختان الثلثين، وهو فرضها لما بقي للزوج إلا ثلث واحد فقط، وهو ناقص عن فرضه، وقد حدثت هذه المسألة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاجتهد فيها ثم أرشده العباس بن عبدالمطلب إلى قياس واضح وهو قوله: (أرأيت لو أن هذه المرأة تركت ستة دنانير فقط، وكانت مدينة بسبع لشخصين ماذا تصنع؟ فقال: أتجعل الستة مكان السبعة، فقال: فهذا أيضا أجعل الستة مكان السبعة فاجعل القسمة سباعية فيأخذ الزوج الثلاثة أجزاء من سبعة والأختان أربعة أجزاء من سبعة، وبهذا يتم العدل بينهم، وتكون قد أعملنا النصين) ومعلوم أن هذا الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد خالفه فيه ابن عباس فقط حيث ذهب إلى تقديم الأقوى في مسائل العول، ومعنى هذا أن يأخذ الزوج النصف وتأخذ الأختان بقية التركة، وهو النصف لأن الـزوج أقوي من الأخت حيث أن الأخت تحجب بالأبناء والآباء، والزوج لا يحجب.

ولا شك أن ما ذهب إليه عمر بن الخطاب، وعامة الصحابة -رضي الله عنهم- هو الحق، وهو الذي فيه إعمال لكل النصوص، ولم يأت ذلك إلا بالمقايسة بين ميراث الدين، وميراتالمال، والشاهد هنا أن النصوص الشرعية لم تحط إحاطة تفصيلية بكل المسائل الفرعية، وأن هناك مسائل فرعية كثيرة يحتاج الحكم فيها إلى نظر في الأدلة واجتهاد ومقايسة لإلحاق النظير بنظيره، وتحقيق العدل الذي يريده الله سبحانه وتعالى.

ولا شك -أيضا- أن ما ذهب إليه ابن عباس -رضي الله عنهما- في تقديـم الأقوى من الزوج على الأخت عند العول ساقط لأنه يمكن بذلك أن تحرم بعض الوارثين من الميراث بالكلية ومثاله ما لو مات رجل وترك زوجة وأبا وأما وبنتين، فإن للزوجة الثمن، وللأب والأم السدسان لكل واحد سدس، وللبنتين الثلثان فهؤلاء الورثة جميعا ليس فيهم من يحجب فإذا أعطينا البنتين ثلثا التركة وأخذ الأب والأم الثلث الباقي لكل واحد منهما سدس، فإنه لا يتبقى شيء للزوجة، ويستحيل العدل في هذه المسألة إلا بما مضى في المسألة السابقة، وهو النقص من كل واحد من هؤلاء جميعا بمقدار حصته فتكون المسألة من سبعة وعشرين بدلا من أربعة وعشرين فتأخذ الزوجة تسعا بدلا من الثمن الثابت لها بالنص، وذلك للنقص الذي حدث في نصيبها بسبب العول.

3- الشريعة لا تفرق بين متماثلين قط:

الدليل الثالث الذي استدل به مثبتوا القياس هو أن الشريعة الحكيمة مستحيل أن تفرق بين متماثلين قط، فإذا كان النص الشرعي مثلا قد جاء بنهي القاضي أن يحكم بين اثنين وهو غضبان ألا يرشـد ذلك إلى النهي أيضا عن القضاء إذا كان القاضي جائعا جوعا شديدا يتشوش به فكره، أو عطشانا، أو حاقنا، أو حاقباً لأن كل ذلك مما يشوش الفكر، فكما أن الغضب مشوش للفكر، فإنه قد يدفع القاضي الى الانتقام والخطأ.

وكذلك جاء النص بتحريم قذف المحصنات، ولا شك أن قذف المحصنين مثل قذف المحصنات في الإثم والمعاقبة.

ولا شك كذلك أن صـرف مال اليتيم مثل أكله في الحرمة، وأن التحايل على الحرام حرام، وأن تلبس بصورة الحلال كمن توصل إلى الزنا بالعقد الصوري، أو إلى الربا بصورة من صور البيع أو الاجارة أو الهدية، فالبول في الماء الراكد والاغتسال فيه حرام بالنص وكذلك أيضا وضع النجاسة في الماء الراكد والاغتسال فيه حرام لأن هذا مثل هذا، وكذلك الأمر في كل تحايل للوصول إلى الحرام، وإن لم يأت النص بخصوصه. وهذا باب عظيم من أبواب الشريعة.

4- وجود نصوص ترشد إلى الأخذ بالقياس الصحيح:

والأمر الرابـع مما يحتج به مثبتوا القياس هو ورود آيات كثيرة وأحاديث ترشد في جملتها إلى وجوب استخدام العقل، ومقايسة الأمور بعضها ببعض، ومعرفة عللها ومقاصدها، ومن ذلك قـوله تعالي: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر:2).

فقوله تعالي: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} حث على النظر، وأخذ العبرة مما حدث لبني النضير بسبب نقضهم لوعدهم ومخالفتهم أمر ربهم كيف سلط عليهم، وعاقبهم على هذا النحو.

والمقصود اعتبروا يا أولي الأبصار أن تحدثوا من المعاصي مثل ما أحدثوا فيحل بكم مثل ما حل بهم وهذا حث على النظر والمقايسة، ومثل هذا كثير في القرآن لقوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى} (يوسف:111).

ولا شك أن هذا منصوص عليه لقوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} (النساء:123).

وأما الأحاديث التي تدل على مشروعية بل وجوب مقايسة النظير بنظيره فكثيرة منها ما ثبت في الصحيحين أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها أنها ماتت وكان عليها صوم أتصوم عنها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: [أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟] قالت:نعم. قال: [فدين الله أحق بالقضاء] (رواه البخاري (1953) ورواه مسلم (1148) من حديث ابن عباس)

فأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: أرأيت إن كان على أمك دين أي لبشر فكما أن الدين للبشر يقضى عن الميت فقضاؤه عن الميت لله من باب الأولى والأحرى وهذا قياس الأولى، وفيه إرشاد من الرسول صلى الله عليه وسلم الى استخدام العقل والنظر ومقايسة الأمور في المسائل بغية الوصول الى حكم الله، ويشبه هذا الحديث ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (هششت يوما فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما: قبلت وأنا صائم فقال صلى الله عليه وسلم: [أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟] قلت: لا بأس بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ففيم؟]) (رواه أحمد (1/21) وأبو داود (2385) وابن خزيمة (1999) والإحسان في تقريب ابن حبان (3544) والحاكم (1/431) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2089))

وهذا الحديث دليل قطعي على استحباب القياس لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد عمر إلى النظر، وهو قياس القبلة على المضمضة، وكان عمر يعلم حكم المضمضة قبل أن يسأل الرسول عن القبلة فأرشده الرسول أنها مثلها، واستنكر عليه أن يستعظم ذلك حيث قال عمر: (صنعت اليوم أمرا عظيما). فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [ففيم؟] أي ففيم كان هذا الأمر عظيما وأنت تعلم أن الشريعة قد جاءت بمثله.

ومما يدل على ذلك أيضا ما جاء في الصحيحين من أن أعرابيا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسـول الله إن امرأتي ولدت ولدا أسود. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [هل لك من إبل؟] قال: نعم، قال: [ما ألوانها؟] قال: حمر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: [فهل فيها من أورق؟] قال: نعـم إن فيها لورقا. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: [فأنى أتاها ذلك؟] قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال النبي صلى الله عليه وسلم: [وهذا عسى أن يكون نزعه عرق]. (رواه البخاري (5305) ومسلم (1500) من حديث أبي هريرة)

فبين النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي أن نزع العرق يعني لحوق الوليد لصفات بعيدة في الأجداد، وكما يكون في الإبل فكذلك يكون في البشر، وهذا تنبيه من الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي إلى مقايسة الشيء بنظيره.

ولا شك أن كل هذا يدل على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، وأن الشريعة ترشد الى وجوب مقايسة النظير بنظيره، وإعمال العقل والفكر في ذلك.

أركان القياس:

لما كان القياس من الأدلة التي يتطرق إليها الخلل كثيرا، وذلك أنه اجتهاد، والاجتهاد قابل للخطأ والصواب، لذلك وجب ضبط قواعده، ومعرفة حدوده وأبعاده وتحقيق معانيه حتى يعلم على اليقين القياس الصحيح من القياس الفاسـد، وإليك أهم هذه القواعد التي يجب معرفتها، ومراعاتها للوصول إلى القياس الصحيح والبعد عن الأقيسة الفاسدة.

وللقياس أركان أربعة كما قدمنا وهي: الأصل، الفرع، والعلة، والحكم وسنأتي إلى بيان كل ركن من هذه الأركان والشروط الموضوعية فيه:

(1) الأصل: وهو الشيء أو الواقعة التي ورد بحكمها نص ويسمى أيضا المقيس عليها، والمحمول عليه، والمشبه به.

(2) الفرع: وهو الشيء أو الواقعة التي يراد إلحاقها بالأصل لتأخذ حكمه، ويشترط في الفرع أن لا يكون قد ثبت حكمه بنص أو إجماع لأنه إذا كان له حكم ثابت بالنص أو الإجماع استغنى بذلك عن القياس وإن كان بالقياس أيضا فيكون توكيدا للنص، أو من باب تضافر الأدلة.

(3) الحكم: وهو النص الشرعي، أو الإجماع الذي صدر حكما على الواقعة التي يراد القياس عليها، ويشترط فيه الشروط الآتية:

(أ) أن يكون ثبوته بنص أو إجماع، والصحيح أنه يجوز القياس على الحكم المجمع عليه لأن الإجماع دليل شرعي يقيني، وما كان كذلك فيجوز أن يقاس عليه.

(ب) أن لا يكون حكما خاصا بالواقعة لأن الأمر الخاص لا يجوز أن يقاس عليه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: [اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك] (رواه البخاري (955) ومسلم (1961)) وذلك في شأن ذبح الأضحية دون السن المقررة لها شرعا، وكما جاء من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسـلم كقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} (الأحزاب:50)، تدل على اختصاص هذا الحكم به، ومثل هذه الأحكام لا يجوز تعديتها لأنها جاءت خاصة في وقائع بعينها فلا يقاس عليها.

(ج) أن يكون هذا الحكـم مما تدرك العقول معناه، ومعقوليته، والعله فيه، والحكمة من ورائه.. حكمة غير مطلق التعبد... وذلك أن الأمور التعبدية لا يقاس عليها كأعداد الركعات، وخصال الكفارات، وهيئات ومواقيت مشاعر الحج كالطواف والسعي، والرمي، وتقبيل الحجر، ونحو ذلك كل ذلك أمور تعبدية الأصل فيها هو التعبد واختبار الطاعة، ومثل هذه الأمور لا يقاس عليها، ولذلك فإنه يشترط في الحكم الذي يراد تعديته أن لا يكون موضوعا على هذا الأساس، بل يكون مما للعقل إدراك في فهم علته وحكمته، فالأحكام المعللة كتحريم الخمر، وقطع يد السـارق، وتحريم أكل الميتة وإيجاب القصاص، واشتراط التراضي في البيع، ووضع الولاية على المـرأة في النكاح، ونحو ذلك أمور معللة معقول معناها، وأحكامها هي التي يمكن تعديتها.

(4) العلة: وهي الركن الرابع في القياس، وهي أهم الأركان من حيث أن القياس الصحيح يتوقف على العلم بها، وتحقق وجودها في الأصل والفرع، وأن الخطأ لا يدخل في القياس غالبا إلا من خلالها، ولذلك كانت مباحث العلة من أهم مباحث القياس.

مباحث العلة:

1- تعريفها:

العلة هي الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم كالإسكار في الخمر، فالإسكار وصف ظاهر منضبط وهو السبب الذي من أجله شرع الله سبحانه وتعالى تحريم الخمر، فلولا وجود الإسكار في الخمر ما كان هناك حكم بالتحريم، فحيث وجد هذا الوصف الذي هو العلة وجد الحكم وهو تحريم المشروب، وحيث انتفى هذا الوصف انتفى الحكم الذي هو التحريم.

والاعتداء والعدوان علة لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبيع المسلم على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبته، فالاعتداء والعدوان وصف ظاهر منضبطوهو يشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع حكم معروف، والحكمة هي الحفاظ على المجتمع المسلم من التفكك والعداوة.

2- الفرق بين العلة والسبب والحكمة:

يطلق كثير من الأصوليين العلة والسبب إطلاقا واحد لمعنى واحد، وهو ما قدمناه في تعريف العلة، فيجعلون السبب والعلة بمعنى واحـد، وبعضهم يفرق بين السبب والعلة. فالعلة عندهم ما يمكن أن يدرك بالعقل كالإسكار في تحريم الخمر، والعدوان في تحريم البيع على البيع ويسمى هذا أيضا سببا، ويفرد السبب أيضا بما لا مدخل للعقل في معرفة حكمته، ومعقوليته، علما بأنه وصف ظاهر منضبط لحكم شرعي كالزوال مثلا سبب لوجود صلاة معينة هي صلاة الظهر، والغروب سبب لوجود صلاة هي صلاة المغرب، فهذه أسباب وليست علل. فيكون على هذا عندهم كل علة سبب، وليس كل سبب علة.

وأما الحكمة فهي المقصد الشرعي من وراء تشريع الحكم والذي يدور على جلب المصالح، ودفع المفاسد، وقد شرحنا هذا باستفاضة في باب المقاصد الشرعية من التكليف.

فمعلوم أن الله سبحانه وتعالى يشرع لحكم عظيمة وأهداف جليلة كما خلقنا لعبادته، وفرض الصلاة لنذكره ونخشاه، والصوم لنتعلم التقوى، وتصلح نفوسنا، والزكاة ليطهرنا بها، والقصاص للحفاظ على حياتنا، وشرع الحدود لحفظ ديننا وأموالنا، ودمائنا، وعقولنا، وأعراضنا... والشاهد أن كل حكم شرعي فإنما وضع لحكمة عظيمة.

وتمثيلا لما سبق نقول: القصاص حكم شرعي وهو فرض على من قتل عمدا عدوانا، فالقتل عمدا عدوانا هو العلة والسبب الذي جاء حكم القصاص بسببه والحكمة هي الحفاظ على النفوس كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} (البقرة:179).

3- الشروط التي يجب توافرها في العلة:

يشترط في العلة التي يقاس عليها شروط أهمها ما يلي:

(أ) الظهور: فالعلة التي تعلل بها الأحكام ويجوز تعديتها، والقياس عليها ما كانت ظاهرة كالسفر مثلا حتى يباح القصر والجمع وعقد النكاح والدخول حتى يثبت النسب فلا يجوز إثبات النسب مثلا بتحقيق وصول ماء الرجل إلى المرأة ونحو ذلك لأن هذا من الأمور الخفية.

(ب) الضبط والتحديد: بمعنى أن تكون العلة أثرا منضبطا كالعمد والعدوان في القتل لإثبات القصـاص، وأما العلة الخفية فلا تنبني عليها الأحكام، وذلك كالمشقة في السفر لأن المشقة غير محددة.

(ج) المناسبة: وهذا الوصف يعني أن تكون العلة مما يناسب تعليل الحكم به. وبناء الأحكام عليه، وليس وصفا طرديا لا مناسبة له، فتعليل قطع اليد حدا في السرقة مبني على علة مناسبة وهي السرقة التي تعني الخيانة والعدوان على مال الغير، وأما الأوصاف الطردية كالطول والقصر، وكون الإنسان أسود أو أبيض فلا دخل لها في التعليل كما جاء في الحديث: [أن أعرابيا جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يضرب رأسه وينتف شعره ويقول: هلكت، وأهلكت فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [وما الذي أهلكك؟] قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [أعتق رقبة.. الحديث] (رواه البخاري (1936) ومسلم (1111) من حديث أبي هريرة)

فالعلة هنا هي جماع الرجل زوجته في نهار رمضان، ولا دخل في الحكم بكونه أعرابيا أو أنه جاء يضرب رأسه وينتف شعره.

(د) التعدية: الشرط الرابع من شروط العلة أن تكون متعدية أي غير خاصة كما جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين، وكون الرسول تنام عيناه، ولا ينام قلبه ولذلك لا ينقض وضوءه بالنوم ونحو ذلك من العلل الخاصة.

(هـ) استيفاء الشروط: قد يكون لكل علة شروط خاصة بها، ومثل هذه العلة لا يجوز التعليل بها إلا إذا كانت مستوفية لشروطها كالسرقة مثلا فإنها علة لإيجاب حكم قطع اليد، ولكن السرقة لا تكون مؤثرة في الحكم إلا إذا استوفت شروطها كأن تكون السرقة من حرز، وأن تكون أكثر من ربع دينار وأن لا يكون هناك شبهة ملك، وأن تكون خفية حتى تفارق الغصب والنهبة... الخ. وهذه شروط خاصة بعلة معروفة وهي السرقة.

4- أنواع العلل:

للعلل أنواع كثيرة فقد تكون وصفا لازما كالأنوثة التي تعلل بها كثير من الأحكام كولاية النكاح، وسقوط صلاة الجماعة، وسقوط فرض القتال ونحو ذلك من أحكام أنبنت على هذه العلة وهي (الأنوثة) وهي وصف ثابت لازم.

وقد تكون وصفاً عارضاً غير ثابت كالمرض فإنه يترتب عليه أحكام كثيرة في الطهارات والعبادات وغيرها، والشدة في الشراب التي تسبب السكر فإنها وصف عارض فالشراب قبل حصول هذه الشدة يجوز شربه وإذا تحول إلى خل مثلا وذهب هذا الوصف عاد الشراب إلى حليته.

وقد تكون العلة مركبة من شيئين كالقتل الموجب للقصاص فإنه يشترط فيه أن يكون عمدا وعدوانا فلو كان عمدا فقط فإنه لا يوجب قصاصا كمن قتل من اعتدى عليه وهاجمه وهو الذي يعرف بالصائل أو من وجد رجلا مع زوجته فقتله، فإن هذا لا يقتص منه لأن المقتول معتد، وأما القتل الذي يوجب القصاص فهو أن يكون القاتل هو المعتدي، وقد تعمد القتل كذلك فهذه علة مركبة من أمرين وهما العدوان والعمد.

وهناك علة مفردة كالإسكار مثلا في الشراب فإن وجود الشدة المسكرة كاف لحرمة الشراب، وترتيب الحكم على الحد لمن شربه.

وقد تكون العلة فعلاً للمكلف كالسرقة والقتل..

وقد تكون العلة وصفاً مجرداً ليس فعلا كمن يعلل بالكيل والوزن في الربويات.

والعلة أيضا قد تكون أمرا وجوديا كالقتل والسرقة.

وقد تكون أمرا عدمياً كما تقول انتفى الرشد فانتفت المكاتبة، وذلك أن الله سبحانه يقول: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت إيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.. الآية} (النور:33)

فاشترط الله أن يكون العبد المكاتب قد آنسنا فيه خيرا، فإذا امتنع ذلك امتنعت الكتابة. ولهذا قلنا أن العلة قد تكون أمراً وجودياً وقد تكون أمراً عدمياً منفياً.

5- مسالك العلة:

المقصود بمسالك العلة هي الطرق التي يجب على المجتهد تتبعها ليعرف بها كيف يستخلص علة الأحكام الشرعية، وإليك أهم هذه المسالك:

أولاً: النص:

أول طريـق يجب أن نسلكه لنعرف علة الحكم الشرعي هو النص على ذلك من كلام الله تعالى أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويكون التعرف على العلة من خلال النص حسب ما يأتي:

(أ) التنصيص على العلة كقوله تعالى بعـد أن ذكر قصة ولدي آدم، وأن أحدهما قتل أخاه ظلماً وعدواناً عندما قدر على ذلك. قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فسـاد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} (المائدة:32) أي من أجل أن الأخ قد يقتل أخاه ظلما إذا قدر على ذلك فإنه كتب سبحانه القصاص.

ومثل هذه الآية في التنصيص على العلية قوله صلى الله عليه وسلم: [إنما جعل الاستئذان من أجل البصر] (رواه البخاري (6241) ومسلم (2156) من حديث سهل بن سعد الساعدي)

أي أن الله لم يفرض الاستئذان إلا من أجل أنهم قد ينظرون إلى ما لا يحل من محارم الآخرين.

(ب) أن يذكر الحكم الشرعي مقروناً بالفاء بعد وصفٍ ما يدل على أن ذلك الوصف هو علة الحكم المقترن بالفاء كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} (المائدة:38)

دل ذلك على أن القطع بسبب السرقة وقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسـاء في المحيض} (البقرة:222) فالاعتزال بسبب الأذى. فالأذى هو العلة، والحكم هو الاعتزال.

(ج) ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء كقوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} (النساء:123) فالسوء علة المجازاة وقوله تعالى: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب} (الأحزاب:30).

وقوله صلى الله عليه وسلم: [من بدل دينه فاقتلوه] فالقتل حكم شرعي علته هنا تبديل الدين وهو الردة.

(د) أن يذكر الحكم الشرعي بعد حادثة معينة تدل على أنها سبب الحكم كقوله صلى الله عليه وسلم: [اعتق رقبة]، لمن قال له: واقعت أهلي في نهار رمضان فالمواقعة في نهار رمضان علة لعتق الرقبة في الكفارة.

(هـ) أن يسأل الرسول سؤالا لمن طلب منه شيئا، ولو لم يعلل بهذا السؤال يكون الكلام لغوا كما قـال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن بيع الرطب بالتمر قال: [أينقص الرطب إذا جف؟] قالوا:نعم. قال: [فلا إذن] (أخرجه أبو داود (3359) والترمذي (1225) وقال حسن صحيح)

فعلم أن علة النهي عن بيع التمـر بالرطب هو نقص الرطب بعد الجفاف عن التمر، وهذا الذي يسمى المزابنة، وكذلك ما رواه ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلـم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: [إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة؟] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟] قالوا: لا! قـال: [هل كان فيها عيد من أعيادهم؟] قال: لا! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم] (رواه أبو داود (3313) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2834))

فسـؤال النبي صلى الله عليه وسلم له: هل كان فيها عيد، أو صنم من أصنام الجاهلية يدل على أن هذا هو علة الحكم لأنه لو لم يكن هذا هو العلة لكان الكلام لغوا... وكلام الله ورسوله بعيد عن اللغو.

(و) أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل بهذا الشيء لكان الكلام غير منتظم كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} (الجمعة:9).

فقوله تعالى: {وذروا البيع} لو لم يفسر على أنه هو المانع من السعي لكان ذكره لغوا، فتحريم البيع وقت الصلاة حكـم شرعي لعلة هي الإشغال عن الصلاة.. ولذلك قاس العلماء على تحريـم البيع وقت الصلاة كل ما يلهي عنها، ويحول بين المسلم وبينها مما لم يخصصه الشارع الحكيم كالسفر مثلا.

(ز) ذكر الحكـم الشرعي مقرونا بوصف يناسب التعليل كقوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} (الانفطار:13-14) أي لبرهم وفجورهم.

والخلاصة: أن النص الشرعي هو أول الطرق التي يجب على المجتهد أن يطرقها ليعرف العلة الشرعية التي أناط الشارع الحكم بوجودها.

تنقيح المناط:

البحث عن العلة عن طريق النص تسمى في عمومها تنقيح المناط، وذلك أن النص الشرعي قد يأتي بملابسات واستطرادات لا دخل لها في الحكم الشرعي، وعمل الفقيه هوالنظر في هذه الملابسات والأوصاف الطردية والاستطرادات وإخراجها عن جملة التعليل، وإثبات العلة الحقيقية، ومثاله المشهور حديث الصحابي الأعرابي الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم يضرب رأسه، وينتف شعره، ويقول: يا رسول الله هلكت وأهلكت، وقعت على امرأتي في نهار رمضان، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [أعتق رقبة..] (رواه البخاري (1936) ومسلم (1111) من حديث أبي هريرة)

وكون الرجل أعرابياً، أو أنه جاء يضرب رأسه وينتف شعره، لا دخل له في الحكم عليه بأن يعتق رقبة لأن علة هذا الحكم هو المواقعة في نهار رمضان، فنفي الصفات والملابسات الجانبية الواردة في النص. وإثبات علة الحكم الحقيقية من خلال النص، هذا كله يسمى تنقيح المناط.

ثانياً: الإجماع:

فإذا انعقد الإجمـاع على أن هذا الأمر علة جاز التعليل به ومثلوا لذلك بانعقاد الإجماع على أن الصغر علة في نفي الولاية على المال.

ثالثاً: الاستنباط:

الاستنباط هنا معناه استخراج العلة عن طريق الاجتهاد، والفهم من النصوص الشرعية.. ولاستنباط العلة طرق أشهرها ما يلي:

أ- المناسبة:

وتسمى أيضا في اصطلاح أهل الأصول الإخالة، ومعنى ذلك أنه لا بد في البحث عن العلة أن يبحث عن مناسبتها أي هل هي ملائمة للتعليل أم لا؟ وذلك أن هناك أوصافا طردية لا دخل لها في التعليل، وبناء الأحكام، ومثل هذه الأوصاف الطردية لا تصلح أن تسمى علة... فلو جئنا الى تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم الربا في الذهب والفضة حيث يقول صلى الله عليه وسلم: [لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبـا بناجز] (متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري)

وجئنا نبحث عن العلة في تحريم بيع الذهب بالذهب و الفضة بالفضة فليس من المناسبة أن يتصور أن الرسـول صلى الله عليه وسلم نهى عن الربا في بيع الذهب بجنسه، والفضة بجنسـها للمعان مثلا، أو لأنها حلي يتزين بها إذ لا دخل للمعادن والتحلي في تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا.

وهكـذا عند التعليل، علينا أن نبحث عن المناسبة والشيء الذي نتصور أن الشارع الحكيم حرم من أجله ما حرم أو أباح من أجله ما أباح، وأوجب من أجله ما أوجب، وقد قسم علماء الأصول المناسبة إلي أربع درجات هي ما يلي:

1- المناسب المؤثر:

وهو العلة التي قام النص أو الإجماع على أن عينها هي التي أثرت في عين الحكم كقوله صلى الله عليه وسلم: [إنما جعل الاستئذان من أجل البصر]

وقوله: [ما أسكر كثيره فقليله حرام] (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5530)) فعرف أن العلة في تحريم شراب ما هي السكر الحاصل به، وكما قام الإجماع على عدم التفريق بين الذكر والأنثى في القذف لأن كلا منهما تتضرر سمعته بالقذف.

2- المناسب الملائم:

هو ما قام نص أيضا أو إجماع على تأثير جنس الوصف في عين الحكم كإدخال الصحابة شارب الخمر مع القاذف في الحكم الواحد وهو الجلد بثمانين جلدة.

وكذلك ما قام نص أو إجماع على تأثير عين الوصف وهو في جنس الحكم ومثاله عند من يقول بجواز إجبار الصغير على الزواج... إجبار الثيب الصغيرة، وهي التي سبق لها زواج ثم طلقت ولم تبلغ، قالوا الصغر ثبت في الشريعة علة للولاية على المال، والولاية على الزواج من جنس الولاية على المال، فيكون الصغر عند الثيب علة لإجبارها على الزواج.

وكذلك تكون العلة من قسم المناسب الملائم إذا قام الدليل على تأثير جنس الحكم في جنس الوصف كمن فهم من إسقاط الشارع الصلاة عن الحائض أنه من أجل المشقة.

وذلك أن جنس المشقة في الشريعة علة تؤدي غالبا إلى جنس الخفيف.

3- المناسب الغريب:

ومعناه المصلحة التي أهدرها الشارع ولم يرد الأخذ بها نظرا لأنها تعارض مصلحة أعظم منها، أو تؤدي إلى فساد أعظم منها... ومثل هذه المصالح التي أهدرها الشارع لا يجوز التعليل بها، ولا بناء الأحكام عليها.

ومثاله مثلا إيجاب خصلة من خصال كفارة اليمين على رجل بعينه كما استفتى ملك من الملوك فقيهاً في كفارة الجماع فقـال له: لا يجزئك إلا ثلاثة أيام.. فلما قيل للفقيه لماذا أمرته بذلك والله قد خير الحانث بين عتق رقبة وإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وأن من لم يجد شيئا من ذلك صام ثلاثة أيام، ولا شك أن الملك واجد القدرة على عتق الرقبة، فقال: أن أحللنا له ذلك سهل عليه الحنث لأنه قادر على العتق، ومثل هذه المصلحة التي رآها الفقيه وهي زجر الحاكـم عن الحنث وإن كانت مصلحة في النظر البادئ إلا أنها مصلحة مهدرة ملغاة لأن هناك مصالح شرعية أكبر من العتق والإطعام والكسوة وهي الرفق بالفقراء فضلا على أن الحنث نفسه مستحب إذا رأى المسلم أن ما حلف عليه من الأفضل له دينا العدول عنه.

والمهم هنا أن المصلحة التي أهدرها الشارع لا يجوز تعليل الأحكام بها وبالتالي البناء عليها لأن الشارع لا يهدر مصلحة ما إلا لمصلحة أعظم أو خروجا من مفسدة أكبر.

4- المناسب المرسل:

وهي العلة التي تتضمن حكمة ومنفعة شرعية دينية أو دنيوية علما بأن الشارع لم يأت بما يلغيها أو يأمر بها.. ويسمى هذا القسم أيضا بالمصالح المرسلة.

وهذه لها تفصيل آخر في مكانها لأنها مصدر هام من مصادر التشريع، وعلى أساسها يبنى كثير من الأحكام الشرعية. وهو ما اعتمده المسلمون في تدوين الدواوين وتخطيط المدن، وتنظيم قواعد السير، ونحو ذلك.

5- التقسيم والسبر:

ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب أن السبر والتقسيم طريقة عقلية ومسلك من مسالك البحث المراد.

والمقصود بالسبر والتقسيم في البحث عن العلة التي ليس فيها نص صريح بالدلالة عليها هو أن نستخدم هذه الطريقة ومعناها فرض جميع المحتملات الممكنة.

وهذا معناه التقسيم والثاني اختبار كل فرضية من الفرضيات والنظر هل تصلح تعليلاً لهذا الحكم أم لا؟

ومثاله نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل يدا بيد. فالبحث في علة هذا الحكم يكون هكذا..

لنفرض أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم ذلك لأن الذهب والفضة معادن، أو لجمال الذهب والفضة ولمعانهما، أو لأنهما يتحلى بهما، أو لاستخدامهما في النقود وأنها أثمان الأشياء وقيم الموجودات.. فهذا مثلا هو وضع كافة الفروض المحتملة للتحريم.

وهكذا يقـال بالنسبة إلى تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم الربا في القمح، والشعير والزبيب، والتمر.. هل هو لذواتها أو لعلل فيها؟ فبالتقسيم نقول لعلة الكيل والوزن أو لعلة الطعم، أو لعلة الادخار، أو لأنه القوت، وعند اختبار كل الفروض السابقة نصل حسب اجتهادنا إلى المعنى والعلة التي من أجلها كان الربا في هذه وبالتالي يتعدى عند التعليل إلى مثيلاتها.

6- جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين أو أكثر:

لا شك أنه يجوز أن نعلل الحكم الواحـد بعلتين أو أكثر لأن كلا منهما مناسبة كتعليل النهي عن لبس الذهب للرجال بأن في ذلك مشابهة للكفار وللترف، ولأنهما أثمان، ونحو ذلك مما هو مناسب للتعليل ومن رأى أن نهي الرجـال عن لبس الذهب للترف حرم عليهم الماس والأحجار الكريمة من باب الأولى والأحرى.

تخريج المناط:

المناط كما قدمنا هو ما يعلق عليه. والمقصود بتخريج المناط هو معرفة العلة التي هي مناط الحكـم عن طريق الاستنباط، فهذه العملية أعني البحث عن علة الحكم بطريقة الاستنباط تسمى تخريج المناط، وتشمل ما ذكرنا في هذا الصدد من مبحث الإخالة والتأثير، والسبر والتقسيم.

تحقيق المناط:

تحقيق المناط في اصطلاح الأصول معناه تطبيق حكم الأصل في الفرع إذا تحقق أن هذا الفرع مندرج تحت الأصل تماما، وأن علة الحكم موجودة فيه.

ومثاله: أخذ النباش لكفن الميت، فمن قائل أنه أخذ مالا مهدرا لأنه الى البلى والتراب، ولكن عند التحقيق يتبين أن النباش سارق لأنه أخذ مالا من حرزه وليس مالا مهدرا، وبذلك تقطع يده، وكذلك تحقيق معاني تطبيق النص.

لا تأتي الأحكام الشرعية بخلاف القياس الصحيح أبدا:

هذا باب عظيم جدا من أبواب القياس بل هو من أعظم أبواب أصول الفقه، وذلك أنه يضع الميزان الذي أمرنا الله أن نحكم به في مكانه الصحيح كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد:25)

فالميزان في هذه الآية هو الحكم الصحيح الموافق للعدل، والحق الموافق لما شرعه الله سبحانه وتعالى، كما قدمنا أن النصوص غير محيطة إحاطة تفصيلية بكل واقعة بعينها، وأن الوقائع والحوادث اليومية تحتاج كل منها إلى نظر صحيح ليحكم لها بحكم عادل موافق لشرع الله، وهذا هو الميزان، ويستحيل أن يكون الميزان مخالفاً للكتاب.

ولا شك أن القياس من الميزان، فكل قياس صحيح فهو حتما يجب أن يكون موافقا للنص الصحيح، ومن ظن أن العقل الصريح في أمر التشريع يأتي بما يخالف النص فقد أخطأ خطأ بينا، وكذلك من ظن أن النص الصحيح يأتي على خلاف حكم العقل وموازين العدل والحق، بل الكتاب والميزان متفقان ومتطابقان، وإذا اختلف نظرنا وفسد قياسنا فقد نظن أن هناك نصاً شرعياً جاء على خلاف القياس والميزان، وقد كثر للأسف قول بعض الفقهاء هذا الحديث على خلاف القياس، وهذا الحكم على خلاف القياس، وهذه العبارة خطأ -ولا شك-، لأن حكم الله وحكم رسوله لا يأتي على خلاف قياس صحيح أبدا، ولكن قد يظن الفقيه أن أمراً ما مطرد في كل فرعياته، ولا يطلع على الأمر المخصوص، أعني الخصوصية التي من أجلها انفردت فرعية ما بحكم مخالف لحكم شبيهاتها فيقول:

إن هذه الفرعية جاءت على خلاف القياس.. وهذا خطأ -ولا شك-.

وقد أوضـح هذه المسألة إيضاحاً كاملاً الإمام ابن تيمية رحمه الله في (رسالة في معنى القياس) أجاب فيها على من سأله عما يقع في كلام كثير من الفقهاء، ومن قولهم: هذا خلاف القياس لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم، وربما كان حكما مجمعاً عليه.

فمن ذلك قولهم: تطهير الماء إذا وقع فيه نجاسة خلاف القياس، بل وتطهير النجاسة على خلاف القياس، والوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس، والفطر بالحجامة، والمضاربة، والمزارعة والمساقاة والقرض، وصحة صوم المفطر ناسياً، والمضي في الحج الفاسد، كل ذلك على خلاف القياس، وغير ذلك من الأحكام: فهل هذا القول صواب أم لا؟ وهل يعارض القياس الصحيح النص أم لا؟

فأجاب: "الحمد لله رب العالمين. أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح والقياس الفاسد.

فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، الأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله.

فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغـاء الفارق، وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القيـاس لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر.

وحيث علمنا أن النص جـاء بخلاف قياس، علمنا قطعا أنه قياس فاسد، بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشـارع لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده". انتهى منه بلفظه (الفتاوى (20/504-505))

ثم أجاب شيخ الإسلام -رحمه الله- أجوبة تفصيلية على ما ذكره السائل من أن تطهير الماء على خلاف القيـاس، والتوضؤ من لحوم الإبل على خلاف القياس، والفطر بالحجامة، والسلم.. الخ. مبينا أن كل فرع من هذه الفروع قد قام بخصوص كل منها من المعاني ما يختص به ويجعله منفـردا عن بقية أفراد نوعه، وبذلك يحتم أن يكون له حكم خاص، وذلك أن الشريعة المطهرة لا يمكن أن تجمع بين مختلفين في حكم واحد، وكذلك جمع المختلفين والنقيضين تحت حكم واحد ظلم وخطأ أيضا.

هل يقاس على المستثنى من قاعدة القياس؟

بعد معرفتنا بالفقرة السابقة نأتي إلى قاعدة هامة من قواعد القياس، وهي إذا كانت الشريعة قد خصت قضايا معينة بحكم خـاص وأخرجتها عن القاعدة العامة، وجعلت لها حكما مستثنى فهل يجوز لنا أن نقيس على هذا الأمر المستثنى من القاعدة العامة أم لا؟

ومثال ذلك العرايا، فلا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرم بيع الرطب بالتمر، وهو الذي يسمى بالمزابنة، ولكن رخص في العرايا. وهي أن يشتري الشخص نخلة مثمرة بخرصها تمرا.. فهل يجوز أن تقيس على عرايا النخل عرايا العنب مثلا فيشتري الشخص شجرة عنب من بستان بتقدير ما فيها زبيبا، ومثل هذا أيضا قياس إباحة أي محرم عدا الميتة لمن اضطر لأكلها ولا شك في صحة القياس على الأمر المستثنى إذا اتحدت علة الحكم.

وإذا لم يكن هذا الاستثناء لأمر خاص لا يجوز أن يكون في غيره كشهادة خزيمة، وما خص الله به رسـوله من أحكام، ونحو هذا، وترخيصه لأبي بردة أن يضحي بجذعة من الضأن حيث قال له: أذبحها، ولن تجزي عن أحد غيرك ونحو هذا، فإذا لم يكن الأمر المستثنى مخصوصا بما استثني فيجـوز أن يقاس عليه إذا اتحدت العلة كما يقاس على ترخيص الرسول صلى الله عليه وسلم اللعب بالصور والتماثيل كل صورة تؤدي إلى منفعة عظيمة: كالصورة التعليمية، والطبية، والشخصية، ونحوها مما تدعو إليه الحاجة والضرورة ولا يتأتى من ورائها مفسدة شرعية.

مواطن القياس:

لا شك أنه ليست كل أبواب الشريعة الإسـلامية يجوز القياس فيها، ولذلك كان هناك أمور اتفق على عدم جـواز القياس فيها، وأمور اتفق على جواز القياس فيها، وأمور اختلف فيها بين من يجوز ذلك ومن يمنعه.

1- لا قياس في العبادات مطلقا:

الأمـور التي لا يجوز القياس فيها قولاً واحداً هي الأمور التعبدية التي لا دخل للعقل في معرفة عللها إلا أن تكون لاختبار طاعة العباد لربهم سبحانه وتعالى، ولذلك كانت شئون القربات جميعا، وهي ما اصطلح عليه باسم العبادات من الأمور التي لا يجوز القياس عليها كالصلاة والصيام، ومقادير الزكوات، والحـج، والشعائر المخصصة كتعظيم أيام بعينها وأماكن بذاتها، وتخصيصها بشيء من العبادات أو الأذكار، ولا شك أن ذلك كله من أمور العبادات المحضة التي لا يجـوز أن يقاس عليها قط، والقياس فيها مردود لأنه إحداث في الدين ما ليس منه:قال صلى الله عليه وسلم: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] (رواه البخاري (2697) ومسلم (1718) من حديث عائشة)، وقال سبحانه وتعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى:21).

وقد نزل هذا في شأن المشركين الذين بحروا البحائر، وسيبوا السوائب، وجعلوا الحامي والوصيلة، وغير ذلك مما شرعوه هديا للكعبة، وقربى إلى الله بزعمهم مما لم يأذن به الله، ولم يشرعه لهم، ويدخل فيها كل ما ابتدعه جهـال المسلمين من عمل الموالد، والمزارات، والأذكار المبتدعة، والمواسم المبتدعة، والمشاعر الخاصة، كالخلوة، والصيام عن أنواع من الطعام والشراب مخصوصة في أيام مخصوصة، والشاهد أن كل ما يدخل في هذا الباب فإنه باطل محض وإن قيس على أشباهه مما هو موجود بالشريعة شكلا، ولا شك أنه يخالفه موضوعا ثم إنه لا يجوز بتاتا قياس ما نشرعه بعقولنا في هذا الصدد على ما شرعه الله سبحانه وتعالى لأن هذا يعد عدوانا على حق الله سبحانه وتعالى، وكأنه لم يبين لنا ما يكفي لنتقرب به إليه، ونحظى بالقرب والمـودة منه، والوصول إلى مرضاته وموالاته... ولا شك أن كل هذا يدخل أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم: [فمن رغب عن سنتي فليس مني] (رواه البخاري (5063) ومسلم (1401) من حديث أنس بن مالك)

2- ما لا خلاف على القياس فيه:

ولم يختلف قول العلماء في أن مسائل الحلال والحرام، وما يستجد للناس من حوادث ومعاملات وقضاء مشكلات يجوز القياس فيه كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالة لأبي موسى الأشعري: (آس الناس في مجلسك وقس الأمور برأيك).

3- ما اختلف في جواز القياس فيه:

ولكن هناك أمور في المعاملات اختلف الفقهاء حولها هل يجـوز إجراء القياس فيها أولا: وهذه الأمـور هي: (الحدود، والكفارات، والتقادير، والرخص، والأسباب والشروط والموانع).. فالذين منعوا القياس في هذه الأمور ذكروا أنها أمور لا دخل للعقل في تقديرها، وأنها وإن كانت معقولة المعنى إلا أنهـا من اختصاص الله سبحانه وتعالى، ورسله. فالتقديرات لا دخل للعقل في تقديرها، والرخص منحة من الله سبحانه وتعالى فلا يقاس عليها، والحدود مقدرة أيضا، وهي تدرأ بالشبهات فكيف يقاس على ذلك؟

والحق أن الذين منعوا القياس في هذه الأمور أو بعضها من الحنفية والمالكية قد خالفوا ما قالوه فيها؛ ففي الرخص قاسوا الاستنجاء بكل مطهر منق كالورق، والخرق على الأحجار، وفي الكفارات قاسوا النباش على السارق وأوجبوا عليه القطع، واللائط على الزاني، وإن كانوا يقولون في مثل هذا، وأنه ليس بحد، ولكنه عقوبة تعزيرية.. ولكن هذا يعتبر خلافا لفظيا لأن العقوبة التعزيرية هذه عندما اقترحوها ساووها بالحد الشرعي في مثيلاتها، وهذا هو القياس.

وبالجملة فالذين منعوا القياس في هذه الأمور ليس معهم دليل على المنع. والصحيح أن كل أمر معلوم المعنى منصوص على علته أو مفهوما علته، وهو من أمور المعاملات بين الناس، وليس من شئون القربات الخالصة فإنه يجوز القياس فيه لأن هذا من أمور العدل والميزان.

من الذي له حق القياس؟:

ولا شك أن القياس من الأدلة العويصة ولا يجوز أن يخاطر على الاستدلال به، وخوض غماره إلا عالم مجتهد بلغ درجة النظر.

ولهذا قال الإمـام الشافعي: "ولا يقيس إلا من جمع الأدلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضه، وأدبه، وناسخه، ومنسوخه، وعامه، وخاصه، وإرشاده.

ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس.

ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب.

ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبيت.

ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه، لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتا فيما اعتقد من الصواب.

وعليه في ذلك بلـوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك.

ولا يكون بما قال أعني منه بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله..

ومن لم يكن كما وصفنا فإنه لا يحل له أن يقول بقياس، وذلك لأنه لا يعرف ما يقيس عليه، كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم، ولا خبرة له بسوقه.

ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة: فليس له أن يقول أيضا بقياس، لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني...

وكذلك لو كان حافظا مقصر العقل، أو مقصرا عن علم لسان العرب، لم يكن له أن يقيس من قبل نقص عقله عن الآلة التي يجـوز بها القياس.. ولا نقول يسع هذا والله أعلم - أن يقول أبدا إلا اتباعا، لا قياسا" (الرسالة ص/509-511)

وسيأتي لهذا مزيد من التفصيل إن شاء الله في شرائط المجتهد، وإنما قصدنا هنا التنبيه على أن شأن الاستدلال بالقياس ليس كشأن الاستدلال بالقرآن، والحديث، والإجماع، لأن الاستدلال بالقرآن ميسر واضح، وخاصة لطلبة العلم الذين يعرفون مواقع الآيات، ومعاني العربية، وما سيقت الآيات من أجله، وكذلك الأحاديث، ومواقع الإجماع، وأما القياس فإنه دليل لا يصلح الاستدلال به إلا لمجتهد، وأعني بالقياس هنا النظر الجديد، ومحاولة إلحاق الفروع الحادثة، والوقائع الجديدة بما يماثلها مما جاء حكمه في الشريعة، وأما القياس الذي قال به العلماء السابقون، والسلف الصالحون فلا بأس بنقله والاستدلال به، لأن الاستدلال بذلك من جنس الاستدلال بالقرآن والسنة والإجماع غير أنه أيضا يحتاج إلى معرفة دليل العالم القائل بالقياس لأن العلماء المجتهدين حرموا نقل فتاويهم، والإفتاء بها إلا لعالم بطريق استدلالهم كما قال الإمام أبو حنيفة: "حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بقولي".

الدليل الخامس: أقوال الصحابة

أقوال الصحابة تنقسم بحسب الاستدلال بها إلى أقسام:

(1) ما أجمعوا جميعاً عليه، ونقل نقلاً صريحاً عنهم، وهذا هو الإجماع القولي، وهو الإجماع الحقيقي، ولا شك أن هـذا دليل عظيم من أدلة الدين لا تجوز مخالفته البتة، وقد شرحنا هذا في الباب الإجماع..

(2) ما سنه الخلفاء الراشدون المهديون، ودرجت عليه الأمة، وهذا في عامته يشبه الإجماع السابق، وذلك لما ثبت من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب،وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مـودع فأوصنا، وقال: [أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين.. عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم، ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة] (رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وقال حسن صحيح)

فهذا الحديث نص في وجوب التزام سنة الخلفاء الراشدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كنظام الولاية والخلافة، وتدوين الدواوين، وسياسة الأمة، ونظام الحرب، وشروط الصلح، وجمع المصحف، وتوحيد القراءة، ونحو هذا مما سنه الخلفاء الراشدون.

(3) ما نقل عن بعضهم، وسكت عنه الباقون، ولم ينقل عن أحد منهم خلافه وهذا إجماع سكوتي، وهو يأتي من حيث المرتبة بعد الإجماع القولي السابق.

(4) تفسير الصحابي للقرآن والحديث.. ولا شك أن الصحابة كانوا أعلم الأمة بمراد الله سبحانه وتعالى، ومراد رسـوله صلى الله عليه وسلم، وأعلم الناس كذلك بالعربية التي نزل بها القرآن، وتكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفسيرهم للقرآن والحديث هو التفسير الصحيح الذي يجب تقديمه على غيره، ولا شك أنه قد ضل من ضل من الأمة أخيراً بإعراضهم عن فهم السلف الصالح لمعاني القـرآن والحديث بعيداً عن تفسير وتطبيق الصحابة، وبهذا نشأت الفرق الضالة، والآراء الشاذة التي أرادت فهم القرآن والسنة بعيداً عن تطبيق وفهم السلف الصالح.

ولهذا كان من أصول منهج السلف الصالح اتباع سبيل المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في فهمهم وعلمهم بالكتاب والسنة.

(5) إذا اختلف الصحابة في مسألة واحدة على قولين فلنا أن نأخذ القول الذي نراه أقرب إلى الصواب كما اختلفوا مثلاً في مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمـام، وهل وجه المرأة وكفيها عورة يجب سترهما أم لا؟ وهل تجب العمرة على كل من جاء الحج أم لا؟ والعول، ومسائل في الربا، ونحو ذلك من مسائل اختلفوا فيها.

والصحيح أيضاً أنه لا يجوز إحداث رأي ثالث لأن معنى هذا أن تكون الأمة في عصر من عصورها جميعها على خطأ، وهذا لا يتصور لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة. قال الإمام الشافعي -رحمه الل - في الرسالة: "أرأيت أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تفرقوا فيها فقلت: نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة، أو الإجماع أو كان أصح في القياس" (الرسالة ص/596-597)

ولا شك -أيضاً- أن قول الصحابة متى تحقق لنا أنه مخالف للنص فإنه لا يجوز لنا اتباعه، بل يجب علينا اتباع ما ترجح لدى الصحابة الآخرين مما يوافق النص، كالقول بسقوط الصلاة عن الجنب إذا لم يجد ماء، وقول بعضهم ببقاء نكاح المتعة على مشروعيته، وتحريم الادخار والكنز للذهب، والفضة حتى مع أداء زكاته، ونحو هذا من الأقوال التي ثبت أن الحق والدليل بخلافها لأنه لا معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتباع لقول أحد يخالف كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

الدليل السادس: المصالح المرسلة

تمهيد:

سبق أن عرفنا أن الشريعة الإســلامية قد أنزلها الله وفق الحكمة الإلهية، وأنها سائرة في كل ما يجلب المنافع للناس، ويدفع الضر عنهم، أعني أنها جارية وفق المصالح، وأن الله جل وعلا لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، ولا يحل إلا ما فيه مصلحة، ولا يحرم إلا ما فيه مفسدة.

وسبق أن علمنا كذلك أن المقاصد العامة للشريعة هي حفظ الدين والنفس، والعقل، والمال، والعرض، والنسل، لأن هذه هي قوام حياة البشر على ظهر الأرض، ولا صلاح لهم إلا بالحفاظ عليها.

وسبق أن علمنا أن القياس هو إلحاق واقعة لا نص بحكمها بواقعة أخرى منصوص على حكمها بجامع العلة المشتركة بينهما التي تجعل الفرع مماثلاً للأصل المقيس عليه، وذلك أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، كما أنها لا تجمـع بين مختلفين تحت حكم واحد أبداً، وإذا علمنا كل ذلك استطعنا الدخول إلى هذا الدليل الجديد، وهو العمل بالمصالح المرسلة والتي يسميها بعض العلماء بالاستدلال، وبعضهم بالاستصلاح.

تعريف:

ولقد سبق أن علمنا كذلك أن العلماء قد قسموا المصالح التي تنبني عليها الأحكام إلى أربعة أقسام تبعاً للعلل التي تنبني عليها، وهي العلة التي هي بمثابة وصف ملائم مؤثر، والعلة التي هي بمثابة وصف ملائم، والعلة التي تنبني على وصف غريب شاذ، وهذه قد جاء الشرع بإلغائها، وإهمالها.

والعلة هي وصف مرسل لم تأت الشريعة بإثباته أو إلغائه، والحكم الذي ينبني على هذا الوصف الأخير الذي يسمونه الوصف المرسل هو عين ما يسمى بالمصلحة المرسلة، وسمى بالمرسل (اصطلاحاً) لأنه ليس مطلوباً للشارع بنص خاص، وليس منفياً أيضاً بنص خاص فكل مصلحة يراها الناس مصلحة، ولم يأت في الشرع نص أو قياس يرشد إلى وجوب الأخذ بها، أو يرشد إلى وجوب تركها وإهمالها فهي المصلحة المرسلة.

ملاحظة:

اعلم أن هذا التعريف فيه تجوز كثير لأنه لا توجد مصلحة أصلاً إلا وقد جاء الشرع بأخذها ولو بوجه عام، ولا بد أن تكون مندرجة تحت قاعدة كلية أو نص عام، ولذلك لا يتصور أن يكون هناك استصلاح مطلقاً ولا استحداث حكم لجلب منفعة، أو دفع مضرة إلا وقد جاءت الشريعة بنوع بيان لها، وإنما المقصود هنا بأنها مرسلة أنه لم يأت في ذاتها أمر منصوص، ولا جاء في عينها أيضاً نهي منصوص أو مقيس عليه.

الفرق بين المصلحة المرسلة والقياس:

الفـرق بين المصلحة المرسلة والقياس أن المصلحة المرسلة ليس هناك أصل محدد تقاس عليه، ولا واقعة تماثلها من كل الوجوه حتى يجمع بينهما بالعلة الجامعة، وإنما هناك مصلحة يراد الوصول إليها، وهذه المصلحة سواء كانت لحفظ دين الناس أو دنياهم لم يأت نص شرعي بالنهي عنها ولم يأت نص شرعي بأخذها بخصوصها فإننا نستنبط لها حكماً، ونأخذ بها لأننا نعلم ونوقن في الجملة أن الشريعة قد جاءت بمصالح العباد.

أمثلة للمصالح المرسلة:

عمل الصحابة والتابعون والأئمة بوجه عام بالمصالح المرسلة وإن كانوا قد اختلفوا أحياناً في مسماها فالصحابة رضوان الله عليهم علموا بالكثير منها من باب أن ما فعلوه فيه منفعة للأمة دون أن يسموها بهذا الاسم المصالح المرسلة، ومن أشهر ما صنعوه في ذلك جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنه القرآن فقد روى البخاري -رحمه الله- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: (أرسل إلي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعد مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي الله عنه، قال أبو بكر: أن عمر أتاني فقال: أن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر:قلت لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت فيه الذي رأى عمر.

قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر: أنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن فقلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهمـا مع أحد غيره: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليكم ما عنتم حريص عليكم} إلى آخرها، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر) (رواه البخاري (4679))

وكذلك منعهم الخليفة من الخروج للتكسب وحبسه على مصالح المسلمين مقابل أجرة يأخذها له ولأولاده، وكذلك استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حيث كتب: (هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقى الفاجر. إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فإن بر وعدل فذلك علمي به، ورأيي فيه وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت ولكل امريء ما اكتسب). (تاريخ الأمم والملوك للطبري (تفسير ابن كثير في آخر سورة الشعراء))

فانظر إلى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه (والخير أردت) ولقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إشارته على أبي بكر بجمع القرآن (هو والله خير) تعلم أن دافع هؤلاء الصحابة إلى فعل ما فعلوا إنما هو الخير وهو الذي عناه من سمى هذا الأصل بالمصلحة، وحيث لم يكن عند هؤلاء نص شـرعي يعملون به أو يقيسون عليه كان هذا استصلاحاً، وعملاً بالخير للمسلمين.

وحيث أنه لا يوجد نص شرعي ينهى عن مثل ذلك أيضاً كانت هذه المصلحة معتبرة لذلك.

والحق أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أخذوا بكثير جداً من هذه المصالح نظراً لتوسع رقعة الإسلام، ونشوء أمور جديدة استوجبت عليهم أن يجتهدوا فيها، وكان ذلك وصولاً إلى تحقيق مصالح العباد، ودفع الأذى عنهم، فمن ذلك أيضاً كتابتهم لأسماء المسلمين في ديوان واحد أو إحصائهم للجند، ووضع الخراج على سواد العراق، وعدم توزيع الأرض على الغانمين، وتحديدهم حد شارب الخمر بثمانين جلدة، وتحريقهم اللوطية، وتحريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه للسبئية الغالية فيه القائلين بألوهيته، ومنعهم الصديق والفاروق وذي النورين من الخروج بأنفسهم للغزو، ومنع عمر الولاة من التجارة، ونحو ذلك كثير..

وأما في عهد التابعين فقد صكت النقود من هذا الباب، وبنى عمر بن عبدالعزيز الخانات لينزل فيها المسافرون على طـريق خراسان، وساعد من مال المسلمين من يريد الزواج، أو بناء بيته، ورد المظالـم من بني أمية إلى أهلها بأدنى دليل، وأفتى علماء التابعين بقتل الزنديق، وإن أظهر التوبة لأن دينه يقـوم على التلون والتقية، ويدخل عقائد الوثنية في الإسلام بزعم أن هذا باطن معناها.

ممن توسع من الأئمة في الاستدلال بالمصالح المرسلة الإمام مالك رحمه الله، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، وقد سمى الإمام ابن القيم رحمه الله أخذ الإمام بالمصالح المرسلة سمى ذلك بالسياسة الشرعية فيقول في أعلام الموقعين: "وهـذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد رحمه الله في السياسة الشرعية: قال في رواية المروزي وابن منصور: والمخنث ينفى لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له، وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم حبسه"..

وقال في رواية حنبل فيمن يشرب خمراً في نهار رمضان: "إن أتى شيئاً من هذا أقيم الحد عليه، وغلظ مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث"..

وقال في رواية حرب: "إذا أتت المرأة المرأة تعاقبان وتؤدبان"

وقال أصحابنا: "إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك، لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلاً ينكح كما تنكح المرأة، فاستشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكان أشدهم قولاً، فقال: (إن هذا الذنب لم تعص الله به أمة من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يحرقوه بالنار) فأجمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه بأن يحرقوا فحرقهم ثم حرقهم ابن الزبير، ثم حرقهم هشام بن عبدالملك، ونص الإمام أحمد رضي الله عنه فيمن طعن في الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته، وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب وإلا أعاد العقوبة.

و صـرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حرمت الخلوة بينهن، وصرحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يجبر على اختيار إحداهما، فإن أبى ضرب حتى يختار.

قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه، فإنه يضرب حتى يؤديه".

وبهــذا يتضح لك الآن معنى المصلحة المرسلة، وأنها باب عظيم من أبواب التشريع قد عمل به سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة رضوان الله عليهم، وكل ذلك جار على وفق الشريعة المجيدة، وغير متعارض مع قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} (النحل:89) لأن المصالح داخلة، ولا شك في جملة بيان الكتاب لأنه لا يتصور مصلحة لم يدل الشرع عليها، ولا مفسدة، لم يحذر منها وذلك على وجه العموم والقواعد العامة.

شرائط الاحتجاج بالمصلحة المرسلة:

ولا شك أن المصلحة المرسلة تشريع صالـح وفق ضوابط وشرائط لا بد من توفرها وإلا كانت حكماً بالهوى وبالباطل، وأهم هذه الضوابط هي:

(1) أن تكـون مصلحة حقيقية تندرج تحت قاعدة كلية من قواعد التشريع، وتحقق فعلاً مصلحة شرعية لحفظ الدين، أو النفس، أو المال، أو العقل،أو النسب، أو العرض.

(2) ألا تكـون هذه المصلحة معارضة لنص شرعي أو إجماع أو قياس لأنه لا مصلحة قط في مخالفة أمر الله ونهيه.

(3) أن لا يفضي الأخذ بهذه المصلحة إلى حصول مضرة مساوية لها أو زائدة عنها لأن هذا يكون عبثاً وضرراً، فالمصلحة التي تؤدي إلى مضار مساوية أو زائدة لا شك أنها مصلحة ملغاة.

(4) ألا تكون مفوتة لمصلحة أعظم منها لأن السياسة الشرعية تقتضي تحصيل أعظم المنفعتين، فلو كنا أمام منفعتين لا سبيل إلا لتحصيل واحدة منهما، وجب أن نأخذ بأعظم المنفعتين وأكبر المصلحتين، وبهذه الضوابط يتحدد هذا الأصل، وتصبح المصلحة المرسلة طريقاً صحيحاً من طرق الحق والعدل، ويسد الباب على ما ينافي الشـرع ممن يريد أن يصادم تشريع الله بمصالح موهومة مظنونة لا تحقق إلا الفساد في الأرض.

الدليل السابع: البراءة الأصلية

المقصود بهذا الأصل هو أن الإنسان غير مكلف بشيء حتى يصل إليه دليل التكليف، وإذا وصله دليل التكليف أصبح كذلك مكلفاً به حتى يأتي ناقل عنه أو ناسخ له، ولذلك يسمى هذا الأصل أيضاً بالاستصحاب، وإليك بيان هذا الإجمال.

1- الأصل عدم التكليف حتى يثبت:

الأصل أن الإنسان بريء من التكليف، غير محاسب على فعله حتى يبلغه دليل التكليف، وقد شرحنا هـذا في باب (المكلف) والمقصود هنا بيان أن الإنسان لا يعتبر مذنباً قبل وصول الأمر الشرعي إليه، ومعرفته به ويسمى هذا بالبراءة الأصلية أو استصحاب العدم الأصلي.. أي ملازمة عـدم التكليف حتى يرد الأمر بذلك، ويدل على هذا الأصل قوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:275)

وقد جاء هذا في شأن الربا حيث أخبرهم سبحانه أن ما أكلوه من الربا قبل ورود النص لا مؤاخذة به إلا بعد ورود النص، ومثل هذه الآية أيضاً قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} (التوبة:115)

2- مصاحبة الدليل حتى يأتي ناقل عنه:

والجانب الثاني من هـذا الأصل هو مصاحبة الدليل الشرعي حتى يرد ناقل عنه فمن عمل بآية أو حديث منسوخ وهو لا يعلم أن الآية قد نسخت أو أن الحديث منسوخ أو معارض بما هـو أصح منه فهو معذور في ذلك حتى يصل إليه العلم بالآية الناسخة أو الحديث الراجح كمن كان يوجب الغسل من الإنزال فقط حتى وصله إيجابه بالتقاء الختانين.

والخلاصة: أن المسلم يجوز أن يستدل على عمله الذي يعمله بأنه لا يعرف دليلاً شرعياً بخلافه، وأنه يعمل على البراءة الأصلية، أو استصحاب دليل ما حتى يثبت لديه ما يتعارض مع هذا الدليل ويرجح عليه.

الدليل الثامن: شرع من كان قبلنا

وردت آيات تدل بظاهرها على وجوب اتباع ما شرعه الله سبحانه وتعالى للأمم السابقة، وجاءت تبين أن لهذه الأـمة شريعتها الخاصة بها، وكذلك جاءت أحاديث تنهى الأمة نهياً قاطعاً أن تبتغي الهداية في غير ما ورد في الكتاب والسنة.

ومن أجل الخلاف - الظاهر في النصوص حدث خلاف بين علماء الأصول هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟

ونحن نبين كل ذلك بحمد الله، ونبين مواضـع الخلاف، والاتفاق في كل ذلك والحق الذي يجب أن يصار إليه.

لا شك أن أصل الدين واحد، وأن مصدره من الله سبحانه وتعالى، وأن أمم المرسلين جميعاً أمة واحدة من حيث الإيمان بالله ورسالاته. قال تعالى في سورة المؤمنون: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم* وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون} (المؤمنون:51-52)

وقال تعالى في الأنبياء أيضاً بعد ذكر طائفة منهم: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} (الأنبياء:92)

ومن أجل ذلك أمر الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله كما قال في سورة الأنعام بعد أن ذكر نوحاً، وابراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، ويونس، ولوطاً. قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين} (الأنعام:90)

فهذه الآيات قد تدل بظاهرها على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر باتباع هدي الأنبياء قبله؛ ولكن جاءت آيات تبين لنا أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم قد نزلت له شريعة خاصة، وأنه مأمور باتباعها فقط، وأنه لا يجوز له أن يلتفت إلى غيرها، ومن ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} (المائدة:48)

وهذه الآية نص صريح واضح أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة خاصة لها تشريع خاص ومنهاج خاص وأنها مأمورة باتباع هـذه الشريعة والمنهاج فقط، وأنه لا يجوز لها أن تنظر إلى غيره مما عند أهل الكتاب.

مذاهب العلماء في هذا الأصل وبيان الحق من غيره:

(1) أجمعت الأمة على أن ما كان شرعاً لأهل الكتاب قبلنا أو في الشرائع السابقة قبل اليهود والنصارى، وجاء في شريعتنا ما ينسخه ويبطله فليس لنا قطعاً. كقتل التائب من الشرك، وعدم مساكنة الحائض، وقرض النجاسة بالمقراض، والجمع بين الأختين تحت رجـل في وقت واحد، وذلك بناء على قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا* ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} (البقرة:286)

وقد ثبت في البخـاري أن الله سبحانه وتعالى قال: (قد فعلت)، وهذا يعني أن ما ثبت في شرعنا أنه من شرع من سبقنا، ولكن جاء نسخه في شرعنا فلا يجوز لنا التقييد به إجماعاً.

(2) ما كان من شرع من قبلنا وثبت في شرعنا فنحن مأمورون به، وهذا لا شك أنه من شرعنا، وذلك كحكم الرجم الثابت في التوراة والذي عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والقصاص في القتل، ونحو ذلك مما ثبت في شرعنا أنه كان من شريعة من قبلنا وجاء الأمر الشرعي بأن نعمل به في شريعتنا، وهذه قضية مجمع عليها أيضاً، ولا خلاف فيها.

(3) ما أثبته الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان من شرع من قبلنا، ولكن لم يأمرنا به الله ولا رسوله فهذا للعلماء فيه قولان:

أ- منهم من يقول بأن مثل هذا يكون من شريعتنا ما دام أنه قد ثبت في القرآن والسنة وإن لم نؤمر به في خصوصه لأننا مأمورون أمراً عاماً باتباع هدي الأنبياء السابقين كما قال تعالى: {لقـد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى} (يوسف:111) وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله تعالى-.

ب- ومن العلماء كالشافعي -رحمه الله- من ذهب إلى أن مثل هذا لا يكون شرعاً لنا لأن للنبي محمـد صلى الله عليه وسلم شريعته الخاصة وقد أمر أن يتبعها فقط كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} (المائدة:48)

ولا شك أن هذا هو الحق بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول الأمر يتبع أهل الكتاب، ويحب موافقتهم فيما لم ينه عنه، ثم بعد ذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعمد مخالفتهم فقد مكث رسول الله يصلي بأمر ربه إلى قبلة أهل الكتاب حتى من الله عليه فجعل له قبلة خاصة قال تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} (البقرة:144)

وهذا يبين مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الأمر على أن يكون للمسلمين شريعتهم الخاصة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: [إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم] (رواه البخاري (3462)، مسلم (2103) من حديث أبي هريرة)

وقال أيضاً: [خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم] (رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع (3210))

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته، ثم فرق بعد] (رواه البخاري (5917))

وكل هذه شواهد تدل على حرص الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفترق المسلمون في شريعتهم عن أهل الشرائع السابقة، وأما الآيات التي وردت في وجوب اتباع هدي الأنبياء السابقين فإنها كانت مكية في أول الإسلام ثم إن المقصود منها هو هديهم في العقائد التي لا تتغير ولا تتبدل، وأما الشرائع فلا.

(4) وأما ما لم يرد في شرعنا ما يثبته أو ينفيه فهذا كذلك لا يجوز العمل به إجماعاً لأنه قد يكون من جملة المكذوب والمفترى قال تعالى: {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هـو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران:78)

وقال تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} (البقرة:79)

هذا عدا كذبهم على الله ورسله في كتبهم وسبهم لأنبيائهم كقولهم يد الله مغلولة، واستراح من الخلق وعيسى بن الله وعزير بن الله، وشهادة بعض أحبارهم الباطلة أن دين مشركي قريش خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنه نبي الأميين فقط، وليس نبياً للعالمين، ولذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وجد ورقة من التوراة في يد عمر بن الخطاب يقرأ منها وقال صلى الله عليه وسلم: [لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني] (رواه أحمد (3/387) وحسنه الألباني في المصابيح (1/63) برقم (177))

وكذلك ما ثبت في البخاري من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم وقولوا {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} (العنكبوت:46)]

وكذلك روى البخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرأونه محضاً لم يشب، وقـد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (رواه البخاري كتاب الاعتصام (7363))

ومعنى لم يشب أي لم يخلط بغيره من التقول والكذب، والقـرآن أحدث أي من التوراة فهو حكم الله وعهده الجديد الذي نسخ به ما مضى من الشرائع.

وقد أطلنا الاستدلال في هذا الأصل للرد على طوائف من المتعبدة والمتنسكة بغير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، يسمون أنفسهم بالصوفية وجل همهم أن يقول أحدهم قال الله في بعض كتبه، ولا شك أن مثل هذا مع ما يتعرض له قائله من الكذب والتقول على الله فإنه لا يجوز أيضاً العمل به.. وهذا مما أجمعت عليه الأمة بحول الله أيضاً خلافاً لأهل البدع والأهواء ممن ذكرناهم من أهل التصوف الذين أجازوا أن ينقلوا عن هذه الكتب القديمة وأن يهتدوا بهديها، ويستنوا بشرائعها.. ولا شك في بطلان ذلك وخلافه لما أجمع عليه المسلمون، وما وردت به النصوص التي قدمناها.

الدليل التاسع: العرف

العرف هو المعروف والمعتاد، والمصطلح عليه من لغة أو فعل ما، فما جرت عليه عادة قوم فهو عرف لهم، سواء كان خطئاً أم صواباً، حقاً أم باطلاً، حسناً أم قبيحاً يسمى كل ذلك عرفاً.

وحتى تتحدد مسائل العرف الذي يجوز أو يجب الأخذ به في الشريعة نقسم الموضوع إلى الأقسام الآتية:

أ- العرف اللغوي:

اللغة اصطلاح واتفاق بين المتكلمين بها، فالعرب القدماء مثلاً اتفقوا على تسمية كل ما يمشي ويتحرك حياً على وجه الأرض بالدابة، وجاء بعدهم من يتكلم بالعربية أيضاً، ويقصر لفظ الدابة على الحمار أو الفرس فأضحى هذا عرفاً لغوياً جديداً لهم وهكذا تجد كثيراً من الألفاظ قد تكون لها معان محددة معروفة في اللغة، ولكن عرف بعض الناس جعل لهذه الألفاظ معاني أخرى أضيق أو أوسع من المعاني السابقة كقصر تسمية الولد على الذكر فقط دون الأنثى، والثوب على لباس بعينه، ونحو ذلك.

ب- العرف في العادات:

وللناس أيضاً أعرافهم في العادات، كجلوس بعضهم على الطرقات، وطرائق الأكل والشرب واللباس والزينة والحفلات.

ج- العرف في المعاملات:

وكذلك للناس أعرافهم في المعاملات كالبيع بالمعاطاة دون لفظ، كمن ينقد البائع الثمن ويأخذ السلعة دون كلام بعت أو اشتريت وجعلهم الصداق نصفين مقدماً ومؤخراً، وجعلهم هدايا للـزواج تسمى الشبكة ونحو ذلك مما يعتاده الناس أيضاً في معاملاتهم من بيع وشراء وزواج.. الخ

2- انقسام الأعراف إلى حسن وقبيح، ومعروف ومنكر:

ولا شك أن أعراف الناس تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1) قسم حسن طيب وهو ما يسمى في الشرع بالمعروف، وما يتضمنه قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف:199)

فالعرف هنا هـو المعروف الذي أنزله الله، وحسنه لنا وعرفته قلوب المؤمنين وأحبته والتزمته كالصدق والشجاعة والكرم، والحلم، ومكارم الأخلاق، وحسن المعاملة.

(2) وقسم خبيث سماه الله منكراً، وهو ما تستقذره نفوس المؤمنين وما تأباه الفطر السليمة، والعقول المستقيمة وإن كان مما يتعارف عليه الناس كخروج النساء كاسيات عاريات، واختلاط الرجال بالنساء مما اعتاده أهل الجاهلية قديماً وحديثاً، والتبول والتبرز في أماكن عامة ينظر الناس إلى عـورات بعضهم، وخروج الخطاب بخطيبته وخلوته بها، ودخول غير المحارم على النساء في غيبة محارمهن، ونحو ذلك مما يعتاده طغام الناس وأشرارهم، ويخالف شرع الله المعروف الذي أنزله.

(3) وقسم لا يوصف بحل ولا حرمة، ولا خبث ولا طيبة وإنما هو اصطلاح وتواضع على مدلولات لغوية كما مثلنا بمعاني الولـد، والدابة والسراج، ونحو ذلك، وهذا لا يوصف بحل ولا حرمة، ولكن يجب مراعاته ومعرفة مدلولاته.

وكذلك من هذا القسم ما يعتاده الناس في معاملاتهم وعاداتهم مما لا يوصف بمنافاة الشريعة ولا يعارض مكارم الأخلاق.

معنى أن العرف دليل شرعي:

ويعد البيان السابق لمعاني العرف نأتي الآن للمقصود، يقول علماء الأصول في وجوب الأخذ بالعرف، وأن العادة فريضة محكمة.. وقولهم: والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً..

وكل هذه العبارات تعني وجوب مراعاة أعراف الناس في القضاء والفتيا ، وسن قوانين شرعية، فلا عبرة أولا لعرف يخالف الشريعة ويعارض النص، وكل ما تعارف الناس عليه مما لا يعارض الشريعة فيجب مراعاته، ولا يجوز الحكم أو التشريع بحسب المدلولات اللغوية الأصلية دون مراعاة وفهم المدلولات العرفية، يقول الإمام ابن القيم في وجوب الأخذ بالأعراف اللغوية: "لا يجـوز للمفتي أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتاده وعرفه وإن كان مخالفاً لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضل وأضل، فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثني عشر درهماً، والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش، فإذا أقر له بدراهم أو حلف ليعطيه إياها أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجـز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة، وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق، فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق كأن قال أحدهم عن مملوكه:أنه حر، أو عن جاريته أنها حرة وعادته استعمال ذلك في العفة ولم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعاً، وإن كان اللفظ صريحاً، وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح لا يعرفـون لهذا المعنى غيره، كأن قالت: أسمح لي، فقال:سمحت لك فهذا صريح في الطـلاق عندهم، وقد تقدم الكلام في هذا الفصل مشبعاً وأنه لا يسوغ أن يقبل تفسير من قـال: لفلان علي مال جليل، أو عظيم، بدانق أو درهم، ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المقر من الأغنياء المكثرين أو الملوك.

وكذلك لو أوصى له بقوس في محله ولا يعرفون إلا أقواس البندق أو الأقواس العربية أو أقواس الرجل.

أو حلف لا يشم الريحان في محجل لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي.. أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس.. أو حلف لا يأكل ثمراً في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره.. أو حلف لا يلبس ثوباً في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون الأردية والأزر والجلبابونحوها، تقيدت يمينه بذلك وحده في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أو عرف غيره، بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا يفهمها: قل لي: أنت طالق ثلاثاً، وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة فقال لها، لم تطلق قطعاً في حكم الله تعالى ورسوله، وكذلك لو قال الرجل لآخر: أنا عبدك ومملوكك على جهة الخضوع له كما يقول الناس لم يستبح ملك رقبته بذلك، ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هـذا اللفظ، وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على رسول الله، ويغير دينه، ويحرم ما لم يحرمه الله، ويوجب ما لم يوجبه الله.. والله المستعان" (أعلام الموقعين ص/289-291 ج.ع.)

تغيير الأعراف بتغير الأزمان والأوطان:

ولا شك أن الأعراف متغيرة بتغير الأزمان والأوطان فما يكون عرفاً عند قوم قد لا يكون عـرفاً عند غيرهم، وأعراف الماضي غير أعراف الحاضر، ولا شك أنه يجب مراعاة ذلك كله عند التشريع والحكم والقضاء، ويقول ابن القيم -رحمه الله- في هذا الصدد أيضاً: "ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم، وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضر ما يكون على أديان الناس وأبدانهم.. والله المستعان"

ونقل أيضاً عن المالكية أخذهم بالعرف ووجوب تحكيمه في عادات الناس ومضامين ألفاظهم.

وقالوا: وعلى هذا أبداً تجيء الفتاوى في طول الأيام فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك، والمذكور في كتبك. قالوا فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين.

قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق والعتاق، وصيغ الصرائح والكنايات فقد يصير الصريح كناية فتفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحاً تستغني عن النية.

قالوا: وعلى هذه القاعدة فإذا قال: أيمان البيعة تلزمني خرج ما يلزمه على ذلك وما جرت به العادة في الحلف عند الملوك المعاصرة إذا لم يكن له نية.. فأي شئ جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به في بيعتهم، واشتهر ذلك عند الناس، بحيث صار عرفاً متبادراً إلى الذهن من غير قرينه، حملت يمينه عليه، فإن لم يكن شيء من ذلك اعتبرت نيته، أو بساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك، فلا شيء عليه" انتهى (أعلام الموقعين (3/99))

والخلاصة من كل ما سبق أن أعراف الناس التي لا تصادم الشرع يجب مراعاتها في القضـاء والفتوى، وسن القوانين وأما الأعراف المعارضة للشرع فيجب إلغاؤها والقضاء عليها لأن الدين ما جاء إلا ليلغي الباطل ولو تواطأ الناس عليه وأصبح عندهم معروفاً.

الدليل العاشر: الاستحسان

تعريفه:

الاستحسان في اللغة هو اعتقاد أو ظن أن شيئاً ما أمر حسن، وأما عند علماء الأصول فهو تشريع شيء لا دليل عليه من قياس جلي، أو نص شرعي لقيام معنى آخر ينقدح في ذهن المجتهد، ولا يستطيع التعبير عنه والاستدلال له.

أدلة المثبتين:

الذين قالوا بالاستحسان من الحنفية والمالكية جعلوا الاستحسان دليلاً عقلياً ينقدح في ذهن المجتهد ولكنه لا يستطيع تعليق الحكم الذي يستحسنه على نص شرعي أو إجماع أو قياس جلي وإنما المجتهد قد يرى أن شيئاً ما حسناً موافقاً للمصلحة ولكنه لا يجد دليلاً يستدل به فيقول عند ذلك استحسن كذا وكذا، وقد يكون الاستحسان هذا عدولاً بمسألة ما عن نظائرها في القياس، أو إخراجها لفرعية ما من عمومها في النص.

وباختصار قالوا بأنه نوع من رؤية العالم المجتهد لمصلحة ما ولكنه لا يجد عند نفسه دليلاً شرعياً ظاهراً يستطيع أن يعلق الحكم به، فيقول استحسن كذا.

والحق أن غالب ما استدل به القائلـون بالاستحسان الذي شرحناه على النحو السالف لم نجد لهم دليلاً واحداً يذهب إلى حجية ما ذهبـوا إليه كما أن الأمثلة التي استدلوا بها لذلك راجعة في عمومها إلى أدلة شرعية أخرى كالاستصلاح (المصالح المرسلة) والنص والقياس.. كتحريم أن يشتري الرجل سلعة ما بأجل ثم يبيعها لنفس البائع بثمن حاضر أقل.. ولا شك أن حكم هذه المسألة ثابت بالنص بقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم] (رواه أبو داود عن ابن عمر وصححه الألباني في صحيح الجامع (423))

فالتبايع بالعينة حرام بالنص وليس بالاستحسان.

أدلة المانعين لهذا الأصل:

ولقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه من أول المعارضين والمانعين لهذا النوع من الاستدلال حيث ذكر في الرسالة والأم أن من استحسن فقد شرع، وأنه يحرم على كل أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف استحسانه هذا النص من كتاب الله وسنة رسوله أو القياس الصحيح الظاهر.

ولا شك أن الحق ما ذهب إليه الإمام الشافعي وغيره إذ أنه لا يجوز لأحد أن يخالف النص فإذا قيل له لم تفعل ذلك قال استحسن هذا.. فإذا كان لا يجوز قياس بخلاف النص ومع النص فرفض الاستحسان أولى بذلك لأن القياس اجتهاد بتعليق الحكـم على أمر ظاهر وهو العلة التي يعلم وجودها في الأصل والفرع، فكيف باستحسان لا يقوم على دليل ولا برهان إلا مجرد اشتهاء أو التذاذ أو رأي يراه مجتهد ما يخالف به النص أو القياس الصحيح، ولا شك أن مثل هذا من أبين الباطل ومن أراد أن يعلق حكماً ما فلا يجوز تعليقه بلا دليل صحيح كنص من القرآن أو السنة أو إجماع الأمة أو نظر صحيح موفق كقياس منضبط أو استصلاح فيما لا نص يعارضه أو قول صحابي، أو عرف صالح قائم غير مخالف للكتاب والسنة هذه ولا شك هي الأصول الثابتة التي يجوز تعليق الأحكام الشرعية بها، وأما مجرد أن يقول العالم استحسن كذا ولا دليل عنده، بل قد يخالف بذلك الدليل القائم فمثل هذا لا يكون شرعاً وديناً يتبع. والله أعلم.

البيان والدلالات

مصدر اللغة:

البيان اللغوي من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان.قال تعالى: {الرحمن* علم القرآن* خلق الإنسان* علمه البيان} (الرحمن:1-4)..

فعن طريق هذا البيان تفاهم البشر كل في مجموعته وعرف الفرد مراد الآخرين، ونقلت العلوم ثم جاءت الكتابة فدونت هذه الأفكار والعلوم، ولا شك أنه كان يستحيل على البشر إقامة حضارتهم ونشوء عمرانهـم وبقاء نوعهم، وعمارة هذه الأرض دون وجود اللغة التي يتفاهمون بها.

ولا شك أن مصدر اللغات من الله إلهاماً وتوفيقاً وتمكيناً، قال تعالى عن آدم: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} (البقرة:31)

فالرب سبحانه وتعالى هو الذي علم آدم أسماء كل شيء.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (علمه أسماء كل شيء حتى القصعة من القصيعة)، أي التصغير والتكبير. ثم علم آدم أولاده، ثم تفرعت اللغات وتعددت اللهجات هذه. آية أخرى من آيات الله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} (الروم:22)، فكان هذا الاختلاف للتميز وليستطيع الناس معرفة بعضهم بعضاً، ولو كانوا أمة واحدة وشكلاً واحداً ولساناً واحداً.. لضعف العمران واختلط على الناس التمييز بين بعضهم بعضاً.

والصحيح أن تعليم الله البشر للغات قد جاء عن طريق التوفيق لهم وكما قال تعالى: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (طه:50)، كما قـال تعالى: {والذي قدر فهدى} (الأعلى:3) فهو سبحانه الذي هدى كل مخلوق لما تقوم به حياته على هذه الأرض كما قال تعالى عن النحـل: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} (النحل:68-69)

فهداية البشر لاختراع لغاتهم، والنطق بلهجاتهم إنما هي على هذا النحو، وليست عن طريق إرسال رسل لتعليم الناس كيف يتكلمون وبماذا يسمون الأشياء وينطقون.

الحق والباطل في التسميات والإطلاقات:

ولا شك أيضاً أن بعض الناس قد يطلق اللفظ الحسن على المعنى الفاسد تلبيساً على الناس، وإفساداً للعقول والقلوب، والأعمال، كما قال صلى الله عليه وسلم: [ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها إياه، وفي رواية، يسمونها بغير اسمها] (رواه أحمد (5/318) وابن ماجه (3385) وصححه الألباني في الصحيحة (90))

فقـوله صلى الله عليه وسلم عن الخمر يسمونها بغير اسمها كما سميت الآن بالشراب الروحي، والطلاء، والنبيذ، وغير ذلك من مسميات.. وكما يسمى الربا الآن الفائدة والائتمان، وسمي الزنا بالحب والرقص والغناء بالفن، ونحو ذلك كثير مما أطلقه من أطلقه من شياطين الإنس الذين أرادوا تبديل الشرائع بتبديل اللغات، وتغيير الأسماء، فمعلوم أن تبديل الاسم اللغوي الذي نطق به الشرع، هو تبديل للشرع بالضرورة والالتزام.. لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} (إبراهيم:4)

فإذا جاء من يغير اللغة، فإنه يهدم بالتالي لغة الرسول وبالتالي يهدم البيان الشرعي الذي جاء به، وهدم البيان هدم للدين.. لأن الدين لا يفهم إلا عن طريق هذا البيان.

ولذلك كان من أصول الدين الأصيلة المحافظة على أصل اللغة وأصولها لأن البيان الشرعي جاء بها ولأن تبديل هذه اللغة تبديل للدين.

ماذا يعني نزول القرآن بلغة العرب؟

اختار الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين نذيراً، وهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان عربياً نشأ فيهم يتكلم لسانهم، وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه كتاباً بلغة العرب {قرآناً عربياً غير ذي عوج} (الزمر:28).. {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} (يوسف:2).. {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} (الزخرف:3)

ولما كان الكتاب الذي أمرنا بتدبره والعمل بأحكامه عربياً، ولسان النبي المبين للقرآن عربياً وجب علينا أن نفهم الكتاب من واقع هذا اللسان العربي.

ولما كان للعرب طرائقهم في التعبير، وتصرفهم في الكلام فإنه يتوجب فهم لغة العرب كما نزل بها القرآن، وهذا يستلزم معرفة قواعد النحو، والصرف، والبلاغة، ومراد العرب من ألفاظهم وتراكيبهم.

ويتأتى ذلك باتباع الخطوات الآتية:

الحقيقة اللغوية: (المعنى الأصلي للكلمة):

الخطوة الأولى في فهم دلالة كلام العرب على معانيه أن يعرف المعنى الأصلي للكلمة، ويسمى المعنى اللغوي لها، وهو المعنى الذي أرادته العرب فاستعملت فيه اللفظ، فلفظ (البحر) مثلاً أساسه الشق، ومنها سميت الناقة التي يشقون أذنها علامة على تسييبها لأصنامهم البحيرة، وفي حديث عبدالمطلب: "وحفر زمزم ثم بحرها بحراً أي شقها ووسعها حتى لا تنزف"، وسمى الشق الواسع المملوء ماءً بحراً..

ولما كان واسعاً منبسطاً سمى كل ما اتصف بالسعة بحراً، كما قال صلى الله عليه وسلم في فرس أبي طلحة: [وجدناه بحراً] (البخاري (2820)، ومسلم (2307) من حديث أنس بن مالك)

أي واسع الخطو عظيم الجري، وسمى ابن عباس رضي الله عنه بحراً لسعة علمه وكثرته. وهـذا مثال واحد يبين لك كيف أنه يجب أولاً فهم المعنى اللغوي للكلمة، وما الذي أراده العرب بها عند نطقهم لها،وكيف تصرفوا فيها بعد ذلك.

الحقيقة الشرعية (المعنى الشرعي للكلمة):

ثم يأتي بعد فهم المعنى اللغوي إدراك المعنى الشرعي الذي ساق الشارع الكلمة فيه.

وذلك أن المعاني الشرعية التي نقلت إليها الألفاظ العربية معاني مخصوصة تتفق في أصل الوضع اللغوي وتختلف بأنواع من التخصيص عن المعنى اللغوي الأول، فلفظ الإسلام والإيمان، والتوحيد، والشرك، والكفر، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج يختلف مدلولها الشرعي عن المدلول اللغوي.

فلفظ الإيمان في لغة العرب يعني التصديق بخبر ما في أمر يغيب عن المخاطب، ونقل في لغة القرآن والسنة إلى التصديق بالغيب وهـو الله، وكتبه، ورسالاته، والبعث بعد الموت، وسائر ما أخبرنا الله عنه من الغيب.

* والإسلام في اللغة الاستسلام، وفي لغة القرآن الاستسلام لدين الإسلام، والانقياد له.

* والصلاة في اللغة الدعاء، وهي في الشرع أدعية وأذكار مخصوصة تؤدى مع حركات مخصوصة وطهارة مخصوصة في أوقات مخصوصة...

* والصـوم في اللغة هو الإمساك مطلقاً، ولكنه في القرآن والسنة إمساك مخصوص في أوقات مخصوصة..

* والزكاة في اللغة هي الطهارة والنماء، ولكنه في الشرع إخراج مال مخصوص وفق أحكام مخصوصة...

وهذا يعني أنه يجب تحديد المفهوم الشرعي للكلمة بعد فهم معناها اللغوي.

* المصطلحات الأصولية للدلالات اللغوية:

وضع الأصوليون مصطلحات لهم من أجـل التعرف على الدلالات اللغوية وكانت مصطلحاتهم على النحو التالي:

* اللفظ والعبارة العربية إما أن تكون مما لا يحتمل إلا معنى واحداً وهذا سموه (النص).

* وإما أنه يحمل معنيين أو أكثر دون أن يترجح أحدهما على الأخر عند المستمع فهذا سموه (المجمل).

* وإذا جاء ما يرفع إشكال هذا الإجمال ويوضح المعنى المراد سمي هذا (تفسيراً)

* وإذا كان اللفظ مما يحتمل معنيين أحدهما ظاهر، والآخر خفي، سمي المعنى الأول (الظاهر)، والثاني الخفي سمي (المؤول).

* وإذا حمل اللفظ على المعنى الأول قيل هذا اللفظ على ظاهره.. وإذا كان المقصود هو المعنى الثاني الخفي وأريد حمل اللفظ عليه كان هذا (تأويلاً).

* واللفظ إذا كان يندرج تحته أفراد كثيرون قيل عنه لفظ (عام).. وإذا كان يراد به فرد بعينه أو جماعة بعينها سمي (بالخاص).

* وإذا كان لفظ قد ورد دون قيد من صفة أو عدد أو حالة تقيده سمي (مطلقاً).. وإذا جاء ما يحدده بصفة أو عدد أو حالة سمي (مقيداً).

* والكلام إما أن يفهم المعنى المراد منه من نفس الصيغة، فهذا هو مدلول (النص)

* وإما أن يكون معنى آخر خارجاً عن الصيغة يقتضيه اللفظ فهو (المقتضي) أو يشير إليه فهو (الإشارة).

* وقد ينص المتكلم على أمر ما، ولا ينص على مساويه فيدخل المساوي تحت الحكم وإن لم يكن منصوصاً عليه وهذا يسمى عندهم (مفهوم الموافقة).

* وكل كلام فإن له ضد يفهم منه فإذا قلت هذا رجل فإنه يفهم منه أن المشار إليه ليس امرأة وهذا المفهوم يسمى (مفهوم المخالفة).

وإليك تفصيل هذه المجملات:

أولاً: النص

النص في اللغة: هو الظهور.

ويأتي في اصطلاح أهل الأصول لمعنيين:

(1) الكلام المأثور عن الله سبحانه وتعالى، وكلام رسوله.

(2) الكلام الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً فقط وهو المـراد هنا كقوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} (البقرة:196)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل أن يثوي عنده حتى يحرجه] (رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع (6502)) وقوله: [احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك] (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني في صحيح الجامع (203))

وحكم النص هو العمل به، وعدم العدول عن منطوقه إلا بناسخ.

ثانياً: الظاهر:

وهو اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى، ولكن أحد هذه المعاني ظاهر والمعاني الأخرى خفية وقد يكون هذا الخفاء لأسباب منها:

(1) أن يكون خارجـاً عن طريق المجاز كاستعمال الأسد في الرجل الشجاع، والبدر في الوجه المنير، والذهب والسبيكة في الإنسان الخالص الذي لا شبهة عليه... وطويل العماد، وكثير الرماد، وندى الكف في الرجل الكريم...

والأصل حمل النص على ظاهره إلا إذا جاءت قرينة تصرف عن المعنى الظاهر، كما حمل زوجـات النبي صلى الله عليه وسلم قوله عليه السلام: [أولكن بي لحوقاً أطولكن يداً] (رواه البخاري (1420) ومسلم (2452) من حديث عائشة) على الظاهر حتى علمن أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم (هو أكرمكن).

وطول اليد كناية عن البذل والعطاء.

(2) أن يكون للفظ معنى آخر خفياً كلفظ (الصقب) فإنه ظاهر في الجار، خفي في الشريك... وقد حمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: [الجار أحق بصقبه] (رواه البخاري (2258))

في هذا الحديث إلى الشريك وهو المعنى الخفي فعن جابر رضي الله عنهما قال: [قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة] (رواه البخاري (2257))

وحكـم هذا النوع هو ألا يحمل اللفظ على المعنى المرجوح إلا بقرينة صارفة عن إرادة المعنى الظاهر.

(3) أن يكون اللفظ عامـاً ولكن خرج منه بعض أفراده فيظن السامع أن اللفظ باق على عمومه والحال أنه قد خصص كما فهم نوح عليه السلام من قوله تعالى: {أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول...} الآية (هود:40)

وبعد هلاك ابنه غرقاً بسبب عصيانه لأبيه دعا نوح عليه السلام ربه قائلاً: {رب إن ابني من أهلي} (هود:45) وظن أنه داخل في عموم الأهل فأجابه الله أنه قد عمل عملاً غير صالح أخرجه من عموم الأهل..

وكما ظن الصحابة أن قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} (المائدة:3) يمكن أن يستثني منه شحومها للاستصباح فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن شحمها كلحمها في الحرمة، كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بمكة عام الفتح: [إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه] (رواه البخاري (2236)، ومسلم (1581))

وظنوا أن جلد الميتة يدخل في عموم التحريم فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن جلد الميتة له حكم آخر وهو جـواز الانتفاع به كما في حديث ابن عباس قال: (تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به؟]. فقالوا: أنها ميتة. فقال: [إنما حرم أكلها]) (رواه البخاري (1492) ومسلم (363)) وفي رواية: [إذا دبغ الإهاب فقد طهر] (رواه مسلم (366))

والأصل في هذا النوع هو العمل بالعموم حتى يعلم دليل التخصيص، لأن العموم هو ظاهر اللفظ، والتخصيص هنا هو المعنى الآخر الخفي المؤول.

الأصل في كل كلام أنه يحمل على ظاهره، ولا يتحول عن هذا (الظاهر) إلى المعنى (المؤول) إلا إذا تعذر الحمل على هذا الظاهر، أو كانت هناك قرينة واضحة أو نص تصرفه عن هذا الظاهر.

والخلاف في هذا الأصل قد أدى بأقوام كثيرين إلى الضلال والزيغ، والإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته كما فعلته الفرق الكلامية فإن أصل بدعتهم هو صرف كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في أبواب الأسماء والصفات عن ظاهرها بحجة أن الظاهر غير مـراد، أو إن إثبات الظاهر تجسيم لله، ووصف له بصفات المخلوقين، ولذلك نفوا عنه المجيء والاستواء والعلو، والمحبة، والرضا، والغضب، والوجه، واليد، والكلام، وغلا عن هؤلاء غلاة الجهمية فنفوا تعدد الصفات، وقالوا السمع هو البصر، هو الحياة، هو الذات..

وغلا فوق هؤلاء أناس فقالوا لا موجود ولا غير موجود، فنفوا الصفة وضدها كذلك، وكل هؤلاء كان معتمدهم هو ما سموه (تأويل) النص وصرفه عن ظاهره.. ومحل بيان هذا هو كتب التوحيد وأصول الدين.

واعلم أن التأويل في اصطلاح أهل الأصول على ثلاثة مراتب:

(1) تأويل صحيح يؤيده الدليل.

(2) تأويل فاسد أو تأويل بعيد.

(3) تأويل لعب وزندقة.

* فأما التأويل الصحيح فهو الذي يؤيده الدليل وتقوم القرينة عليه.

* وأما التأويل الفاسد أو البعيد كتأويل من فسر من الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم [أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل] (رواه أبو داود (2083) والترمذي (1102) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (1840))

وأن هذا خاص (بالمكاتبة) وهذا تأويل بعيد لأن لفظ المرأة عام، وتخصيصه بالمكاتبة هنا لا دليل عليه، والولي أعم من السيد، ولفظ (أي) من صيغ العموم، وكذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم: [من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له] (رواه أبو داود (2405) وصححه الألباني في الإرواء (914)) على النذر والقضاء فقط، لأن اللفظ عام ويدخل فيه رمضان دخولاً أولياً ولا شك.

وأما تأويل اللعب فهو تأويلات الباطنية والزنادقة كتأويل الشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية، وتأويل (المشكاة) في آية النور بأنها فاطمة، والمصباح بأنه علي رضي الله عنه والزجاجة على أنه الحسن رضي الله عنه، والكوكب الدري الحسين!! الخ

وتأويل الجبت والطاغوت بأبي بكر، وعمر، والسامري بعمر، وفرعون بأبي بكر، والفحشاء والمنكر والبغي بأبي بكر وعمـر وعثمان، فهذا من تأويلات الزنادقة الذين أرادوا هدم الإسلام، ومثل هذا تأويل الإسماعيلية للصلاة بالإمام، والصوم بعدم إفشاء أسرار الدين، والحج بزيارة إمامهم.

ثالثاً: المجمل:

المجمل في الاصطلاح هـو ما احتمل معنيين كالقرء الذي يطلق على الحيض والطهر، والشفق الذي يطلق على الحمـرة والبياض، ويدخل في المجمل أيضاً اللفظ المشترك كالمشتري فإنه يطلق على النجم الذي في السماء، والمبتاع، وكذلك يطلق المجمل على اللفظ الذي يحتمل معان عدة كالعين فإنها تطلق على آلة البصر، وعين الماء الجارية، والذهب (النقود) وقد يكون الإجمال في حرف كالواو في قوله تعالى: {والراسخون في العلم} (آل عمران:7) فإنها تعرب استئنافية، وتعرب عاطفة، وفي كل نوع من أنواع الإعراب يكون للآية معنى آخر، وقد يكون الإجمال في اسم مركب كما في قوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} (البقرة:237) فهذا دائر بين ولي المرأة، والزوج.

قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: "كل فعل على وزن افتعل إذا كان معتل العين: المختار، والمصطاد، والمجتاب، ومثاله في المضعف المضطر والمعتل، وكذلك كل صيغة [فاعل مضعفة] يستوي لفظ اسـم فاعلها "كمضار" لهما و "مضار" للفعلين ولأجله اختلف في إعراب والدة فيقوله تعالى: {لا تضار والدة} (البقرة:233) فقيل فاعل، وقيل نائب فاعل، وكذلك كاتب وشهيد في قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} (البقرة:282)" (المذكرة ص/180)

وحكم المجمل هو التوقف حتى يعرف المراد منه ويأتي البيان له.

رابعاً: البيان:

البيان في الاصطلاح هو إيضاح ما يشكل فهمه، بسبب إجمال أو غيره كما قال سبحانه وتعالى بعد ذكر الميتة فيما يحرم أكله مبيناً أنواعاً من الميتات {الميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} (المائدة:3).

وذلك أنه قد ينصرف إلى الذهن أن المقصود بالميتة ما مات حتف أنفه فقط وأما التي ماتت بسبب من هذه الأسباب الخنق والوقذ، والتردي ليست بميتة فجاء هذا (البيان) هنا لإجلاء ما قد يفهم خطأً من حصر الميتة فيما مات حتف أنفه.

والبيان يمكن أن يكون تفسيراً بالكلام كما مضى في المثال السابق، ويمكن أن يكون بالإشارة كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بأصبعه الإبهام والسبابة حلقه، وقال (هكذا) في حديث يأجوج ومأجوج.

وكما عقد فتح أصابعه العشرة، وقال الشهر هكذا وهكذا هكذا. ثلاثين أو هكذا وهكذا وهكذا وفتح تسع أصابع فقط وقبض واحداً أي تسعاً وعشرين حتى يدرك منهم من لا يستطيع أن يفهم مدلول كلمة الثلاثين وتسع وعشرين.

وقد يكون البيان رسماً توضيحياً كما خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً وقال هذا صراط الله مستقيماً، وخط على جانبي الخط المستقيم خطوطاً متعرجة، وقال هذه السبل على كل سبيل شيطان يدعـو إليه، وتلا قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام:153) فكان هذا الرسم (بياناً) لمعنى الآية..

وقـد يكون (البيان) بالفعل كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين فوق منبره فكبر وقرأ ثم تأخر فسجد في أصل المنبر ثم صعد فأكمل الركعة الثانية، وقال لهم: [صلوا كما رأيتموني أصلي] (رواه البخاري (631))، فكان هذا (بياناً) بالفعل وكذلك حج وقال [خذوا عني مناسككم] (رواه مسلم)

والبيان من أعظم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (النحل:44) .

وقد بين الرسـول صلى الله عليه وسلم الدين بياناً لا إشكال فيه كما قال: [ولقد تركتكم على مثل البيضاء] (رواه ابن ماجه (5) وحسنه الألباني في الصحيحة (688))

خامساً: العام والخاص:

(العام): هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله واستغراقه على جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه من غير حصر في كمية معينة منها. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله...الحديث] (رواه مسلم (2564)) فلفظ المسلم يعم كل من يشهد الشهادتين، ولفظ يظلمه يشمل جميع أنواع الظلم.

ويختلف العام عن (المطلق) في أن المطلق يدل على فرد شائع أو أفراد شائعة لا جميع الأفراد كقوله تعالى لبني إسرائيل: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} (البقرة:67) فبقرة هنا يصدق على أي بقرة في الدنيا، ثم لما شددوا قيدت هذه البقرة بأوصاف، فالوصف الأول بكونها لا فارض ولا بكر، والوصف الثاني أنها صفراء فاقع لونها، والثالث أنها لا تثير الأرض و لا تسقي الحرث، ولا شية فيها.. وكل هذه قيود على الوصف الأول.

فالعام يتناول معناه دفعة واحدة، والمطلق يتناول معناه فرداً فرداً فهو عام من كونه يصدق على أي بقرة، ولكنه لا يتناول البقر جميعاً دفعة واحدة، وإنما عن طريق البدل.

وعند الأصوليين يستعملون العام للمعنى الأول.

ألفاظ العموم:

1- لفظ كل، وجميع، وكافة كقوله تعالى في الحديث القدسي: [يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته] (رواه مسلم (2577) وتقدم تخريجه).. وكقوله تعالى: {كل من عليها فان} (الرحمن:26) فإنها تشمل جميع من على الأرض، وأنه يفنى قبل يوم القيامة.

(وجميع): كما في قـوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} (البقرة:30) فإنه لم يتخلف ملك عن السجود، ويشمل هذا جميع الملائكة بلا استثناء.

(كافة): كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} (البقرة:208) أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها، أو ادخلوا جميعكم في شرائع الإسلام.

(2) الاسم المعرف بالألف واللام إذا لم تكن (أل) هـذه للعهد سواء كان في حالة الجمع كما في قـوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات..} الآية (الأحزاب:35) فإنها تعم كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة.

أو الأفراد كقوله تعالى: {والسارق والسارقة} (المائدة:38) وقوله: {والزانية والزاني} (النور:2) فإنها تشمل كل سارق وسارقة، وزانية وزان.

أو التثنية كقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار] (رواه البخاري (31)، ومسلم (2888))

فإنه يعم كل المسلمين.

(3) الأدوات الآتية كـ: (من، وما، وأي، وأين، وأيان، ومتى) إذا جاءت في صيغة الشرط، أو كانت للصلة، أو كانت للاستفهام .

(4) النكرة إذا أضيفت إلى معرفة كما في قوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم:34) أي نعم الله.

(5) النكرة في سياق النفي (كلا إله إلا الله).. نفي لكل الآلهة، وإثبات إله واحد وهو الله سبحانه وتعالى وإذا أضيفت من قبل النكرة فإنها تكون نصاً في العموم كقوله تعالى: {وما من إله إلا الله} (آل عمران:62).

وكقول المشركين: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} (المائدة:19) فهو ادعاؤهم إنه لم يأتهم نذير قط..

وكذلك إذا سبقها لا النافيـة للجنس العاملة عمل (إن) كما تقول: (لا رجل في الدار) نفي لوجود مطلق الرجل .

أحكام العام:

(1) يجب العمل باللفظ العام على عمومه، ولا يجوز تخصيصه إلا إذا جاء ما يخصصه.

(2) إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص فإن العبرة تكون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما جاء حكم السرقة بعد أن سرقت المخزومية، وحكم اللعان بعد أن اتهم عويمر العجلاني، وهلال بن أمية زوجتيهما، وحكم الزواج من الزانية بعد أن سأل مرثد بن أبي مرثد الغنوى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زواجه من (عناق) وهي بغي بمكة، والعبرة في كل ذلك بألفاظ العموم لا بخصوص الأسباب التي نزلت فيها الأحكام.

ويدل على هذا الأصل ما يلي:

(1) أن الوضع اللغوي للعموم يقتضي إعماله.

(2) أن قضاء الرسول وإفتاءه، وأمره ونهيه لواحد من المسلمين هو لكل المسلمين ما لم يدل دليل على هذه الخصوصية كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة لما استشاره في التضحية بالجذعة من الضأن [اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك] (رواه البخاري (955)، ومسلم (1961))

(3) أن ألفاظ العموم لو اقتصرت على السبب الخاص الذي نزل فيه لتعطلت عامة أحكام الشريعة فإن غالبها نزل لأسباب خاصة.

قواعد في العموم:

(1) النسـاء داخلات في خطاب التكليف ولو كان المخاطب هو الرجال.. إلا ما دل الدليل على اختصاصهن به فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا...} يدخل فيه النساء حتماً، ولا يخص ذلك الذكور.

وكذلك جمع المذكر السالم يشمل النساء بدليل قوله تعالى: {وكانت من القانتين} (التحريم:12) ولم يقل من القانتات، وقوله: {إنها كانت من قوم كافرين} (النمل:43).

(2) خطاب الله سبحانه وتعالى لرسوله يعم المسلمين جميعاً ما لم يدل دليل على التخصيص كقوله تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً} (المزمل:1) فقد قام رسول الله والمؤمنين معه بدليل قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه، وثلثه وطائفة من الذين معك...} الآية (المزمل:20) وهذه ناسخة لقوله تعالى {قم الليل إلا قليلاً} ثم جاء استثناء الرسول صلى الله عليه وسلم من نسخ قيام الليل في حقه لقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} (الإسراء:79)

وكذلك لما شرع الله لرسوله حكماً خاصاً في زواجه من الواهبة نفسها قال تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصـة لك من دون المؤمنين..} الآية (الأحزاب:50)

ومما يدل أيضاً على دخول المؤمنين في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم..} الآية (الطلاق:1)

سادساً: المطلق والمقيد:

اللفظ المطلق هو الذي يتناول فرداً من نوعه أو جنسه غير مقيد بقيد خاص. فقوله تعالى لبني إسرائيل: {إن اللهيأمركم أن تذبحوا بقرة} (البقرة:67) يصدق وصف البقرة على أي بقرة في الدنيا صغيرة أو كبيرة صفراء أو سوداء أو بيضاء أو رقطاء... وقوله تعالى: {فتحرير رقبة} (المجادلة:3) يصدق على أي رقبة في الدنيا ذكراً أو أنثى مؤمنة كانت أو كافرة.

واللفظ المقيد قد يكون مطلقاً من وجه آخر كقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} (النساء:92) فإنها قيدت بقيد الإيمان، ولكنها مطلقة من حيث الذكورة والأنوثة، والسلامة والعيب.

أحكام المطلق والمقيد:

إذا جاء لفظ من ألفاظ الشارع مقيداً تارة، ومطلقاً تارة أخرى فما حكم ذلك؟

(1) إذا اتحد السبب والحكم وجب حمل المطلق على المقيد كما في قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحـم الخنزير..} الآية (المائدة:3) مع قـوله تعالى: {قل لا أجـد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً} (الأنعام:145) فالدم في هذه الآية جاء مقيداً بأنه مسفوح، وفي آية البقرة مطلقاً..

والسبب والحكم هنا واحد وهو تحريم أكل الدم، ولا شك أنه لا يحرم إلا الدم المسفوح سواء عند الذبح أو ما كانت تصنعه العرب من فصد الحيوان واستقبال الدم ثم أكله إذا جمد.

وأما الدم الباقي في العروق أو على اللحم فإنه لا يحرم أكله، ولا يجب غسل اللحم تماماً حتى يخرج منه أثر الدم ...

(2) وأما إذا اتحد الحكم واختلف السبب كما جاء في كفارة القتل الخطأ {فتحرير رقبة مؤمنة} (النساء:92) قيدت الرقبة بوصف الإيمان، وأما في كفارة الظهار فجاءت الرقبة مطلقة {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} (المجادلة:3)

فذهب بعض الفقهاء إلى وجوب حمل المطلق على المقيد، وذهب بعضهم إلى العمل بمنطوق كل آية في مكانها لاختلاف سبب الحكم.

(3) وأما إذا اختلف الحكم واتحد السبب كخصال الكفارة في الظهار فإن العتق، والصوم قيدا بأنه ذلك لا بد أن يكون {من قبل أن يتماسا} وأما في الإطعام فقد جاء مطلقاً..

وكذلك قيد الإطعام في كفـارة اليمين بأنه {من أوسط ما تطعمون أهليكم} (المائدة:89) وأطلقت الكسوة.. وفي هذه خلاف أيضاً بين أهل الأصول.

(4) وأما إذا اختلف الحكم والسبب جميعاً فلا خلاف من أنه لا يحمل هنا مطلق على مقيد.

مباحث الأمر

تعريف الأمر:

هو استدعاء (طلب) الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.

شرح التعريف:

من طلب من غيره أن يفعل شيئاً ما فإما أن يكون الطالب أعلى من المطلوب منه في المنزلة فهذا هو الأمر، وأما إذا كان مساوياً له كزميل من زملائه فهذا يسمى التماساً، وأما إذا كان الطلب من الإنسان لربه، أو من عبد لسيده فهذا يسمى دعاءً، ولا يسمى الطلب أمراً إلا إذا كان ممن له حق الإلزام.

صيغة الأمر:

للأمر صيغ خمسة وردت جميعاً في القرآن وهي:

(1) فعل الأمر نحو قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} (البقرة:21)

(2) الفعل المضارع المقترن بلام الأمر كقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)..

(3) اسم فعل الأمر كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} (المائدة:105) والمعنى الزموا أنفسكم.

(4) المصدر النائب عن فعله كقـوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} (محمد:4) أي اضربوا رقابهم.

(5) أسلوب الخبر المراد به الإنشاء كقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (البقرة:197).. أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا.

ورود صيغة الأمر في غير معنى الأمر:

وتأتي أحياناً صيغة الأمر،ويراد بها معان أخرى غير الأمر نحو:

(1) التكريم كما في قوله تعالى: {ادخلوها بسلام آمنين} (الحجر:46).. وكقوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية} (الحاقة:24)

(2) الإهانة والتحقير كما في قـوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (الدخان:49) وكما في قوله تعالى: {كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون} (المرسلات:46).

(3) التعجيز كما في قوله تعالى: {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} (آل عمران:168) وكما في قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم} (الإسراء:50-51)

(4) التهديد كما في قوله تعالى: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} (فصلت:40) وكما في قوله تعالى: {ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها} (الكهف:29)

(5) الإباحة كما في قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} (النساء:3)، وكما في قوله تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} (الملك:15).

ورود الأمر بعد الحظر:

ذهبت طوائف من العلماء إلى أنه إذا ورد الأمر بعد حظر فإن الأمر يكون للإباحة كقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} (البقرة:222).. قالوا إن الأمر بإتيان الزوجة بعد انقطاع الحيض، والتطهر إنما هو للإباحة بدليل ورود هذا الأمر بعد الحظر، وهو المنع من إتيانها وقت المحيض. وقالوا إن عامة أوامر القرآن بعد الحظر كذلك فتكون للإباحة.

وخالف آخرون وهو الحق حيث قالوا إن الأمر بعد الحظر يعود إلى ما كان عليه الأمر قبل الحظـر، ولا يشترط أن يكون للإباحة بل قد يكون للوجوب أو الندب كما في قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...} الآية (التوبة:5)

فالأمر بقتل المشركين قد ورد بعد الحظر، وهو المنع من ذلك مدة الأشهر الحرم، وهي مهلة الشهور الأربعة التي أمهلها الله لمشركي العرب ليؤمنوا، ويقلعوا عن الشرك والثابتة في قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر...} الآية (التوبة:2)، وورود الأمر بقتال المشركين بعد انتهاء المهلة يعود إلى ما كان عليه قبل هذه المهلة.

الأمر المطلق يفيد الوجوب:

انقسام علماء المسلمين في الأمر المطلق ماذا يعني؟

فقالت طائفة يفيد الإباحة فقط، وقال آخرون بل يفيد الندب لأنه أول منازل الالتزام، وقال آخرون بل نتوقف حتى نعرف الفرض من الأمر، وقالت الطائفة الرابعة وهو الحق أن الأمر المطلق أعنى الذي لم يقترن بتهديد أو وعيد إنما يفيد الوجوب، والدليل على ذلك ما يأتي:

أولاً: ورود الآيات والأحاديث الكثيرة التي تبين وجوب طاعة الله ورسوله بمجرد الأمر والتحذير عن مخالفة أوامر رسوله من حيث الجملة: كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} (لأنفال:20-21).. ولا شك أن كل من سمع أمر الله ولم يطعه فقد أعرض عنه كما ذم الله من فعل ذلك من الأمم السابقة الذين قالوا سمعنا وعصينا.

ولا شك أن التخلف عن تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم يعتبر عصياناً كما قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)

ومعلوم أن قوله تعالى هنا {أمره} أي أوامره أي فليحذر الذين يخالفون عن أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، وقد عرفنا كيف عاقب الله المسلمين عندما خالفوا أمراً واحداً للرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، وكيف كان يغضب صلى الله عليه وسلم إذا خالف أحد أمره علماً أن هذه الأوامر كانت مطلقة لم تقترن بتهديد أو وعيد أو لعن ونحو ذلك.

ثانياً: لا شك أن كـلام البلغاء والفصحاء يترفع أن يكون معه تهديد في كل أمر، ووعيد في كل نهي.. وإنما يكون هذا من حيث الجملة، ولا يتصور من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وسلم أنه كلما أمر أمراً واجباً أن يقرنه باللعن أو العذاب لمن خالفه.

ثالثاً: لا شك أيضاً أن الله لا يأمر إلا ليطاع، ولا يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم إلا ليُمتثل أمره،وإلا لتعطلت فوائد الأمر.

للأدلة السابقة كان الصحيح أن الأمر المطلق غير المقترن بتهديد أو وعيد يقتضي الوجوب أولاً، ولا يصرف عن الوجوب إلى الندب إلا إذا جاءت قرينة تدل على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: [صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء] (رواه أحمد وأبو داود (1281))

وكقوله في قصر الصوم المفروض على رمضان، والصلوات على الخمس، والحج على فرض واحد.. لمن سأله هل يجب على غيرها.. قال لا، إلا أن تطوع، فقوله صلى الله عليه وسلم: [صم يوماً وأفطر يوماً] (رواه البخاري (1978)، ومسلم (1159))، وقوله: [تابعوا بين الحج والعمرة] كل ذلك يفيد الندب بدليل الحديث الآنف.

والخلاصة: أن الأصل في الأمر أنه للوجوب، ولا يجوز صرفه عن الوجوب إلى الندب إلا بدليل وقرينة. وأما القول بأن الأمر للإباحة فقط فباطل للأدلة السابقة وكذلك القول بأنه للندب.

وأما التوقف فإذا كان للتثبت من معنى الأمـر هل هو للأمر أو لمعان أخرى غيره فحسن، غير أنه من المعلوم في أصول العربية أن الأمر إذا جاء لغير معناه اقترن بما يدل على ذلك فلا حاجة للتوقف إذن.

الأمر غير المقيد بوقت محدد يقتضي الفور:

الأمر المقيد أداؤه في وقت محدد تجب أداؤه في وقته المقرر له شرعاً، وإلا كان التأخير إثماً ومعصية، وهذا الإثم يختلف باختلاف الفريضة.

فتأخير الزكاة عن وقتها عمداً يختلف عن تأخير الصلاة عمداً وعن أداء الدين، ونحو ذلك.

وأما الأمر الذي جاء في الشريعة غير محدد بزمن فهل يقتضي الإسراع إليه أم يجوز تأخيره وإيقاعه في أي وقت من أوقات العمر. وذلك كالحج مثلاً ذهب بعض العلماء في الحج أنه على التراخي وأن الفرد لو أداه في أي سنة من عمره كان ممتثلاً للأمر ولا إثم عليه لو تأخر سنوات طويلة مع امتلاكه للزاد والراحلة.

وذهب آخرون وهو الحق بأن مستطيع الحج يأثم بالتأخير إذا امتلك الاستطاعة، ولم يحج مستدلين بقوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة، من ربكم وجنة..} (آل عمران:133) فالأمر بالمسارعة يقتضي الإسراع في تنفيذ أوامر الله سبحانه وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [حجوا قبل ألا تحجوا فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له].

وحيث أن الإنسان لا يدري متى يخترمه الأجل فإنه يجب الإسراع إلى تنفيذ أوامر الله عند الاستطاعة وإلا فلو مات ولم يفعل فإنه يكون عاصياً لأنه كان قادراً على الفعل وأخره. وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى.

الأمر المطلق الذي لا يقترن بالتكرير يجزيء فعله مرة واحدة:

الأمر المكرر في أوقات معينة يستلزم التكرير ولا شك كالأمر بتكرير الصلاة في مواقيتها، والصوم في ميعاده، والصـلاة عند دخول المسجد، والبسملة عند الوضوء والطعام، ولكن الأمر الذي يطلق من التكرير يجزي فعله مرة واحدة كالحج فإنه يسقط بمرة واحدة ولذلك أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سراقة بن مالك بن جعثم عندما قال للرسول صلى الله عليه وسلم: أفي كل عام يا رسول الله، وذلك عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يا أيـها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا] فلما قال سراقة بن مالك رضي الله عنه ما قال رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسـلم قائلاً: [لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم] (رواه مسلم وغيره. الإرواء (4/149/980)) فدل هذا على أن الأمر المطلق يجزي إيقاعه مرة واحدة في العمر.

تم الكتاب نقلا عن موقع الشبك


رجوع