الأصول العلمية للدعوة السلفية

لفضيلة الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الخالق



الحمد لله حمداً يليق بذاته، ويكافئ مزيد إحسانه، ويتجدد بتجدد نعمه و أفضاله. والصلاة والسلام على نبيه ورسوله الداعي إلى الصراط المستقيم، والهادي إلى دينه القويم. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.

وبعد:

فمنذ سبع سنوات تقريباً صدرت أول طبعة لهذه الرسالة المباركة، التي تلقفتها أيدي إخواننا السلفيين في كل مكان، حيث استنسخها بعضهم بقلمه، وتداول آخرون النسخة الواحدة واحداً بعد واحد، وصورها آخرون ووزعوها ونشروها، وكل ذلك من فضل الله وإحسانه.

ولقد كانت - على صغر حجمها- وافية بحمد الله في موضوعها، واضعة معالم الطريق السلفي، مرشدة لأهداف الرسالة الإسلامية، موضحة غايات الدعوة السلفية، واضعة أصول المنهج السلفي الذي هو المنهج القويم لفهم الإسلام والعمل به، والذي هو بحمد الله طريق الخلاص للأمة وسبيل عزتها ونصرها.

ولقد شاهدنا بركات ذلك ودلائله بحمد الله؛ فالنماذج السلفية الفريدة التي تربت على هذا المنهج قد أثبتت بأخلاقها وصفاتها وعلمها وعملها أنها على طريق السلف الصالح حقاً، وعلى مثال قرون الخير الأولى صدقاً، وأن هذا الدين لا تنتهي عجائبه ولا تنفد ذخائره، وأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم الدجال.

رأينا بحمد الله الأخوة السلفيين الذين درسوا على هذا المنهج فهموا الإسلام فهماً سليماً صحيحاً، وطبقوه في أنفسهم وذويهم، وقاموا بواجب الدعوة إلى الله على علم وبصيرة، وتصدوا لكل انحراف في العقيدة والشريعة والسلوك، وقاوموا أهل الباطل، وجاهدوا بكل أنواع الجهاد المتاحة لهم، وأعادوا للإسلام إشراقته وبهجته وحياته وحركته وشبابه ونضرته. ولا يزال ركب الخير والحمد لله كل يوم في زيادة.

شبهات وردود:

ولم تسلم الدعوة السلفية المعاصرة من أهل الهون الذين ما فتئوا يلقون شبهاتهم حول الدعوة، ونحمد الله سبحانه وتعالى أن هذه الشبهات تسقط دائماً تحت الأقدام، وتتعرى دائما مع الأيام، ويستطيع كل طالب مبتدئ فهم الإسلام على منهج السلف الصالح أن يرد على هذه الشبهات.

ومن هذه الشبهات على سبيل المثال: قولهم: (( لماذا تتسمون بالسلفية وهو لم يرد في كتاب ولا سنة ؟ )).

والرد على ذلك أن نقول: إن إطلاق الأسماء على أي حقيقة لا ضرر منه مطلقاً، سواء في الشرعيات أو المباحات، والتسمية لأي أمر شرعي - إذا لم يشتمل على باطل - فليس فيه ضرر، بل قد يكون هذا من الواجبات:

كما أطلق المسلمون على علم الإسناد: ( مصطلح الحديث)، ولم يكن على عهد الرسول مثل هذا العلم، وليس هذا بدعة؛ لأن التثبت في الأخبار والنقل عن الرسول مطلوب.

وكذلك سمي بعض المسلمين بـ ( المهاجرين ) من أجل الهجرة، وبعضهم بـ (الأنصار ) من أجل النصرة، وبعضهم بـ ( التابعين ) من أجل اتباعهم للسلف من المهاجرين والأنصار المشهود لهم بالخير.

فما هو الضير من أن نتسمى بـ ( السلفيين )؛ أي: الذين يتبعون منهج السلف الصالح في فهم الدين، والسلف الصالح الذين نتبعهم هم الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهم خير القرون.

وهذه التسمية ضرورية؛ لتميز هذه الطائفة المهتدية عن سائر طوائف الضلال الذين تركوا منهج الصحابة في فهم الدين، واتبعوا طريق الخوارج الغالين المتشددين، أو المؤولين المتنطعين، أو المقلدين الجامدين… الخ.

ومع هذا؛ فنحن لا نتعصب لهذا الاسم، بل نحب كل مسلم يشهد الشهادتين ويعمل حسب استطاعته بمقتضاهما، ونوالي كل مسلم يحب الله ورسوله، ولا ننصر السلفي إن كان مبطلاً، ولو كان عدوه كافراً؛ فنحن لا نوالي السلفي في الظلم، بل نوالي كل مسلم حسب دينه واعتقاده وإيمانه.

ونحن في النهاية حملة دعوة تسمى ( الدعوة السلفية ). وهذه الدعوة منهج كامل لفهم الإسلام والعمل به والدعوة إليه.

وقد تضافر العلماء السلفيون على شرح هذه الدعوة وبيانها عبر القرون وإلى يومنا هذا، ونحن على منهج هؤلاء العلماء العاملين: فمن يستطيع أن يستغني عن أصول الفقه التي كتبها الإمام الشافعي في كتابه ((الرسالة )) ؟!

ومن يستطيع أن يستغني عن مناقشات ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما للخوارج ورده عليهم في استحلال أعراض المسلمين وأموالهم بالمعصية ؟!

ومن يستطيع أن يستغني عن فقه مالك وردود الإمام أحمد على شبهات الزنادقة وكتابات الإمام ابن تيمية في المصالح الشرعية وردوده على الفرق الضالة ؟!

كل هذا وغيره مما يشكل قواعد المنهج السلفي لا غنى عنها بتاتاً لطالب العلم المعاصر، هذا بالإضافة - أولاً وقبل كل شيء - إلى نصوص الكتاب والسنة.

وهذه هي السلفية، تعني في جملتها الاتباع المستبصر لنصوص القرآن والسنة، واحترام العلماء الذين قاموا بفهم هذا الدين وتبليغه، واقتفاء آثارهم في ذلك.

وعلى كل حال؛ الذين ينكرون على السلفيين اسمهم لم يسلموا هم أيضا من أن يطلقوا على أنفسهم اسماً ما يتميزون به... وهكذا يتهمون غيرهم بما هو فيهم، وهذا هو اتباع الهوى.

والفرق بيننا وبين غيرنا أننا لا نتعصب بيننا وبين غيرنا أننا لا نتعصب لهذا الاسم، ولا نهادي عليه، ولا نجعله شعاراً بديلاً عن الإسلام، بل نحن مسلمون أولاً وأخيرا إن شاء الله، بهذا سمًانا الله، وقد رضينا بالإسلام ديناً... و ( السلفية ) لا تعني عندنا أكثر من الإسلام الصحيح الموافق للكتاب والسنة والمتبع للسلف الصالح رضوان الله عليهم.

الشبهة الثانية: قول بعضهم: ((أنتم مقلدون )).

وهذا افتراء؛ فلسنا مقلدين، وإنما السلفي الحقيقي متبع للحق والدليل، معظم لعلماء الأمة، مقدر لجهودهم، وغير متطاول على فقههم وعلمهم. ومتبع للحق أنَى وجده؛ غير طعًان ولا لعًان ولا فاحش ولا بذئ.

والسلفي الحقيقي أيضاً يستحيل أن يكون غلاماً لم يبلغ الحلم بعد وقد درس قليلاً من القرآن والسنة، ثم يضع نفسه موضع علماء الأمة المشهود لهم بالخير والفضل، فيقول مثلا: أنا مثل مالك أو الشافعي ! أو أفهمكما يفهم أحمد بن حنبل وأبو حنيفة!! بل يضع نفسه موضعها، ويعرف حق سلف الأمة وعلمائها، ويجلهم، ويحترمهم، ويقدسهم؛ بقدر تقديسهم للحق واتباعهم له، وإذا رأى شيئا من أقوالهم مخالفاً للدليل؛ اتهم نفسه أولاً بعدم فهم الدليل، وعذرهم ثانياً في اجتهادهم، لربما لم يصل إليهم الدليل، وربما فهموا من دلالته غير ما فهمنا نحن؛ كما نصً على ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتاب (( رفع الملام عن الأئمة الأعلام )).

وقد رأيت بعيني غلمانا لم يتجاوزوا السابعة عشرة من عمرهم، لم يحصلوا من العلم إلا قليلاً، إذا ذكر له اجتهاد إمام؛ يقول: (( نحن رجل وهم رجال )). عجباً ! كنت رجلاً في العلم حتى تضع نفسك على قدم المساواة مع أولئك؟! وكان الأولى أن تقول: هذا ما فهمته، أو: هذا حد علمي، ولم يتعبدني الله إلا بما استطعت فهمه وإدراكه.

باختصار: السلفيون ليسوا مقلدين، وإنما هم متبعون.

ثم هم أيضا ليسوا من أهل الوقاحة والتطاول على مقام العلماء بالتجريح والطعن والتشنيع، وإنما مقالتهم دائما:

( رَبنَا اغفرْ لَنَا وَلإخوَننَا الذينَ سَبَقونَا باَلإيمَن وَلاَ تَجعَل في قلوبنَا غلا للذينَ ءامَنوا رَبَنَا إنَكَ رَءوف رَحيم ).

وكذلك السلفيون يردون ما اختلف فيه من علم إلى كلام الله وكلام رسوله، ويسترشدون في فهم كلام الله وكلام رسوله بكلام أئمتهم وسلفهم الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

وليس عيبا أن نسترشد بأقوال هؤلاء لنفهم مراد الله ومراد رسوله؛ لأننا لم نشاهد التنزيل أولاً، والصحابة أعلم منا بكلام الله وكلام رسوله، وكذلك العلماء المشهود لهم بالخير أفقه منا وأعلم، وذلك بإخلاصهم وتفرغهم الطويل للعلم والعمل.

وأما أن يكون الأطفال والغلمان الذين لم يحسنوا بعد النطق بالقرآن وفهم الجار والمجرور والفعل والفاعل على قدم المساواة مع أئمة الدين وسادة المسلمين؛ فهذا هو الضلال المبين.

ولقد رأيت بنفسي كيف يتلاعب بكلام الله وكلام رسوله من بعض الغلمان؛ ممن جعلوا أنفسهم علماء بالقرآن والسنة، وأخذوا يفتون في الحلال والحرام والدعوة والسياسة والعبادات وسائر المعاملات بمخاريق وألاعيب تجعل دين الإسلام الحكيم أشبه بدين المجانين والحمقى والمغفلين !

فأي حماقة أكبر من أن يتصدى لتبليغ الذين واستنباط الأحكام من القرآن والسنة من لا يفهم العربية ولا يدرك من أصول الفقه وقواعده شيئا؟!

وباختصار؛ السلفي ليس مقلداً، وهو أيضاً ليس متبجحاً وقحاً، يزعم أنه يستطيع الاستغناء عن فهم الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وسادتها الذين حملوا هذا الدين بحق وبلغوه بإخلاص عبر عصور الإسلام إلى يومنا هذا. ولكن السلفي الحقيقي متبع مسترشد مبصر، باحث عن الحق أبداً، وعن الدليل مطلقاً، معظم لعلماء الأمة وساداتها، غير مفتش عن العيوب والهفوات التي لم ينج منها أحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ملتزم بجماعة المسلمين، عامل على وحدتهم، غير داع إلى فرقة وخصام لجاجة. هذا هو السلفي الحقيقي، ونسأل الله أن يجعلنا كذلك.

هذه إضافة لا بد منها في مقدمة هذه الرسالة المباركة إن شاء الله، وقد يسر الله لي أن انظر في الرسالة مرة ثانية، وأنقح بعض عباراتها، وأزيد في آخر إضافة جديدة عن أهم مميزات الدعوة السلفية وبركاتها.

والله سبحانه أسأل أن يكتب هذا عنده في ميزان حسناتنا، وأن يجمع هذه الأمة على كلمة سواء، وأن يأخذ بأيدينا لعزة الإسلام ونصره، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عبد الرحمن عبد الخالق

الكويت

الجمعة 26 محرم 1403هـ

12 نوفمبر 1982م


مقدمة الطبعة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

فقد ابتلي المسلمون خلال تاريخهم الطويل بفتن عظيمة، ونسب إلى هذا الدين كثير من البدع والضلالات، وألقي على الكتاب الكريم كثير من التحريفات والشبهات، وتعرضت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم للانتحال والوضع تارة، والرد والإبطال تارات... وكانت الواحدة من هذه العظائم كافية لطمس معالم الدين، وتضيع أصوله، وتشويهه، وإتلافه؛ لولا أن الله سبحانه وتعالى شاء حفظه وأراد، ورد كيد أعدائه، وجعل سعيهم في تحريفه إلى ضلال، وهيا في كل عصر من عصور الإسلام من ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، ولولا ذلك؛ لانطمست طريق هذا الدين كما انطمست اليهودية والنصرانية.

ولقد كانت هذه الحركات التصحيحية التجديدية لهذا الدين هي الحركة السلفية التي حافظت على أصول هذا الدين نقية خالصة، ونفت عنه كل بدعة، وردت عنه كل ضلالة، وصححت كل تأويل وتحريف.

فالصحابة العدول رضي الله عنهم نقلوا الأمانة كاملة، وبلغوها غير منقوصة، ووقفوا بالمرصاد لكل تأويل باطل وكل انتحال وتحريض، وحمل الراية من بعدهم علماء التابعين ومن وراءهم.

وفي عهدهم اتسعت دائرة الأمة الإسلامية، وكثر الداخلون من الفرس والروم والشعوب الأخرى، وأراد بعضهم أن يدخل في الدين ما ليس منه؛ بقصد أو بغير قصد، فقام هؤلاء العلماء الأجلاء حراساً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحفظ لنا التاريخ جهادهم في هذا السبيل؛ حرباً للمبطلين، ورداً للزيف عن هذا الدين، ووقوفاً في وجه انحراف الحكم والسياسة، ونشراً للدين النقي الخالص في كل الربوع، حتى سلموا الراية لمَن بعدهم في العلم والإيمان كاملة، عزيزة الجانب، ظاهرة عالية.

وما يزال هذا الدين يخوض المعركة برجاله المخلصين وأبنائه البررة الميامين، الذين أخلصوا دينهم لله، فآمنوا بكتاب الله كما أنزل، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت، وتمسكوا بهما، وعضوا عليهما بالنواجذ، وحاربوا كل أفاك أثيم، يروم حمى هذا الدين؛ تحويلاً له وتحريفاً، أو زيادة له ونقصاً، وتمزيقاً له وتقطيعاً.

وفي عصرنا الراهن زادت الهجمة على هذا الدين، وتميزت قلوب الكافرين عليه من الغيظ؛ أن دامت سيادته كل هذه القرون، واستمر عزه كل تلك السنين... ورأوا من أبناء الإسلام غفلة عن كتاب ربهم وسنة رسوله الذين كان بهما العز والنصر والغلب، فأمكنوا السيوف من رقابهم، وأعملوا الفساد في هذا الدين برجال أعدوهم لهذا، ودربوهم عليه من أبنائهم أولاً، ونشئوا من أبناء المسلمين تلامذة لهم، يقولون ويعتقدون مثل ما يعتقدون، فحارب الإسلام أبناؤه، وطعن الكتاب والسنة ورائهما. وليس لهذه الفتن الماحقة إلا رجال ينشئون على الطراز الأول والمنهاج الأنف الذي كان به العز والسيادة والنصر والتمكين.

ورحم الله مالكاً إذ يقول: (( لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها )).

رجال يعلمون الكتاب كما أنزل، والسنة كما بلغت؛ حسب الأصول والقواعد التي وضعها علماء السلف؛ جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر، ويقفون بعد ذلك في وجه هذا الباطل الزائف الذي ملأ الأرض شراً أو كاد.

والله غالب على أمره، وقد شاء أن تظل طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة.

وهذه الرسالة الموجزة المختصرة بيان واضح للأصول التي ابتنى عليها مذهب علماء السلف في فهمهم للكتاب والسنة والعمل بهما، أردنا بها توضيح الطريق لسالكها؛ حتى لا تختلط الدروب، ويعمى على الناس الطريق المستقيم من الطرق المعوجة الهالكة.

والله أسأل أن ينفع بهذا البيان ما بقيت الدنيا؛ إنه سميع مجيب، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

عبد الرحمن عبد الخالق

الكويت

ربيع الثاني 1395 هـ


الأصول العلمية للدعوة السلفية

أولاً: التوحيد

الأصل الأول من أصول الدعوة السلفية هو التوحيد. ولا يعني هذا الأصل ما يؤمن به وما يفهمه كثير من الناس من معنى التوحيد، وهو أنه لا خالق إلا الله، بل يفهم السلفي ويعلم من معاني التوحيد أصولاً عظيمة، وقضايا كبيرة، الإخلال بقضية منها إشراك بالله تعالى، أو إلحاد في أسمائه.

وكثير من المسلمين يجهل كثيراً من هذه الأصول والقضايا، فيقع في الشرك، ويظن نفسه مؤمناً موحداً، والحال أنه إما أن يكون ملحداً في صفات الله وأسمائه مؤمناً بها على وجه آخر، أو مشركاً عابداً لغير الله سبحانه وتعالى.

وأصول التوحيد في المعتقد السلفي كما يلي:

أولا: الإيمان بصفات الله سبحانه وأسمائه على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى دون تحريف أو تأويل.

فالله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في كتابه في آيات كثيرة جداً، ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة جداً، مدونة في كتب السنة؛ كالبخاري، ومسلم، و (( مسند )) الأمام أحمد، وغير ذلك؛ مما هو صحيح ثابت حسب قواعد أهل مصطلح الحديث. وما أخبرنا الله بذلك عن نفسه؛ إلا لنصدق ونؤمن.

بل الأيمان بصفات الله سبحانه وتعالى هو أكبر قضية من قضايا العبادة والأيمان؛ كما جاء في الحديث: أن: ( قل هو الله أحد ) تعدل ثلث القرآن، وليس فيها إلا صفة الله سبحانه وتعالى.

والمحرفون المؤولون عمدوا إلى هذه الآيات، فحجبوا نورها عن المسلمين:

فإما أن يقولوا: هي آيات متشابهة، لا نخوض في معناها، ونؤمن بها كما جاءت؛ يعنون: أنه لا يجوز للمؤمن أن يفهم من معناها شيئاً، فيكون عند ذلك ( وجاء ربك والملك صفا صفا )، كقوله تعالى: ( الم ) ( كهيعص )، فكما أننا لا نفهم معنى محددا من هذه الحروف المقطعة؛ فآيات الصفات عندهم كذلك.

وبذلك حجبوا نور هذه الآيات أن ينفذ إلى قلوب المؤمنين، وأن يستشعر المسلم عظمة الله كما يليق بجلاله وعلو شأنه وذاته. وبذلك فرغوا التوحيد من أعظم قضاياه، وهو الإيمان بصفات الله جل وعلا. وهل الإيمان إلا امتلاء القلب بنور صفات الله وإشراقه بمعرفة إلهه ومولاه ؟! ومع ذلك؛ فقد زعموا - وخاب زعمهم - أن هذا الإيمان الأبله هو معتقد السلف، وحاشاهم، بل هم آمنوا بآيات الصفات وفق معناها الذي نزلت به باللغة العربية، مؤمنين أن الله جلت قدرته وعظمته لا يقدر قدره على الحقيقة إلا هو سبحانه وتعالى.

وإما أن هؤلاء المؤولين يعمدون إلى آيات الصفات، فيحرفونها؛ زاعمين أنه تأويل ! فيؤولون مجيء الله يوم القيامة بمجيء أمره، واستواءه على عرشه باستيلائه عليه، ويده بقدرته، ووجهه سبحانه وتعالى بذاته… ولا يؤمنون بذات فوق العرش، وإنما يقولون: ليس ثم عرش، وإنما العرش الملك، وليس لله مكان، فليس هو في مكان، بل إما أن يقولوا: لا مكان له في شيء من العالم، بل ولا خارجه. ولذلك لا يجوز عندهم أن يقول مؤمن: ربي في السماء. فإنهم يبدعونه، وقد يكفرونه. يأتون إلى الأحاديث التي تذكر فيه صفة الله؛ كـ (( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة))، فيسبون من يصدق ذلك بأقبح السباب، ويقولون: بل تنزل رحمته، وأما هو سبحانه وتعالى؛ فلا ينزل ولا يصعد؛ لأنه ليس فوق العرش شيء، بل ما ثم هناك عرش.

وينفون عن الله سبحانه وتعالى كلامه، ويزعمون أن الله إذا أراد أن يكلم أحداً؛ خلق فيه الفهم لمراده، فيكون كلام الله عندهم؛ كالنفث في الروع، وبذلك يكذبون أحاديث البخاري التي جاء فيها أن الله يتكلم يوم القيامة بصوت يسمعه من قرب كمن بعد؛ قائلاً: (( أنا الملك ! أين ملوك الأرض ؟)).

والمهم هنا الإشارة إلى هذه الطوائف من المسلمين، الذين زعموا الهداية لأنفسهم، وهذا كذبهم على الله وافتراؤهم عليه. فإذا كان الله قد أنكر أشد الإنكار على من قال: إن الله حرم هذا، ولم يحرمه الله؛ فكيف بمن وصف الله حسب هواء، فعمد إلى آياته فحرفها، وأحاديث رسوله فحجب نورها، وضلل المصدق المؤمن بها ؟!

وخلاصة هذا الأمر الأول: أن السلفي يؤمن بصفات الله وأسمائه سبحانه وتعالى؛ كما جاءت في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء كانت أخباراً متواترة، أو أخبار آحاد صحيحة. فخبر الآحاد الصحيح يوجب العلم والعمل؛ لأنهما سواء؛ فلا علم دون عمل، ولا عمل دون علم بل لا يجوز لمسلم أن يعمل عملاً ما من أعمال الدين إلا إذا ثبت عنده صدق المخبر به عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم. وبذلك يفترق السلفي عن جمهور كثير يظنون أنفسهم موحدين لله، وما هم كذلك، وقد حرفوا صفات الله، ومنعوا الناس عن الإيمان بها والتصديق بمعانيها، أو بدلوا لهم معانيها وأمروهم أن يؤمنوا بها على نحو آخر.

ثانيا : إفراد الله سبحانه وتعالى وحده بالعبادة.

وعندما نقول: إفراده بالعبادة؛ فلا نعني الصلاة والزكاة والصوم والحج فقط، بل نعني كل ما يندرج تحت هذه اللفظة من معانيها، وعلى رأس ذلك الدعاء. فالدعاء هو العبادة، فلا دعاء لغير الله كائناً من كان؛ رسولاً أو ولياً حقاً أو ولياً مزعوماً. ويأتي بعد الدعاء: السجود، وأنواع من الحب، والتعظيم، والخشية، والخوف، وكذلك الذبح والنذر، والرغبة. وكل هذه الأمور من حق الله سبحانه وتعالى، وقد صرفها كلها أو بعضها كثير من الناس لغير الله، ويكفيك زيارة واحدة لقبر من القبور المشيدة حتى تشاهد كل ذلك الطلب الصريح من صاحب القبر بكل ما لا يجوز أن يطلب إلا من الله؛ كشفاء المرضى والانتصار من الأعداء، والشفاعة عند الله، والمدد، وإعطاء الأولاد، وخير الدنيا... وبالجملة؛ فإنه يطلب من هؤلاء الأموات خيري الدنيا والآخرة، وهذا شرك أكبر، مخرج من ملة الإسلام. ويفعل هذا طوائف كثيرة ينسبون إلى الإسلام! ولا يكتفون بالدعاء، بل ويذبحون لهؤلاء تقربا؛ كما كانت الجاهلية تفعل عند طواغيتها، وينذرون لهم، بل ويطوفون بالقبور كما يطاف بالكعبة، ويسجدون عندها كما يسجد لله، وليس هناك شرك أكبر من هذا.

وهذه الأمور لا يصنعها عوام الناس وجهلاؤهم فقط، بل ويصنعها كثيرون ممن يزعمون العلم الشرعي، ويحملون فيه شهادات عريضة، وكذلك من يزعمون التقوى والصلاح من أهل الطرق الصوفية والمناهج العبادية المبتدعة، ولا تجد دينهم ينبني إلا على تعظيم هذه القبور وبنائها وإسراجها ودعوة الناس إلى الذبح لها والنذر لها ودعائها من دون الله عز وجل، بل والطواف بها.

وقد أصبح الله عند هؤلاء نسياً منسياً؛ لا يدعى ولا يرجى إلا بواسطة هذه القبور والأضرحة، ويظنون بعد ذلك أنهم مسلمون، وما هم بمسلمين، وقد شابهوا المشركين الذين عبدوا غير الله وقالوا: ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ). والدعوة السلفية تجعل نصب عينها تطهير معتقد الناس من هذا الشرك الظاهر الجلي، الذي لا يماري فيه إلا مشرك، ولا يكابر فيه أو يدافع عنه إلا مطموس القلب، بعيد عن نور التوحيد والإيمان.

ثالثاً: الإيمان بأن لله وحده سبحانه وتعالى وليس لأحد سواء حق التشريع للبشر في شؤون دنياهم.

كما قال جل وعلا: ( والله يحكم لا معقب لحكمه ). وكما قال سبحانه: ( إن الحكم إلا لله ).

فالتشريع حق للرب جل وعلا؛ فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين والمنهج والطريق والصبغة هو ما شرعه الرب جل وعلا. واعتداء سلاطين الأرض وملوكها ورؤسائها على شرعة الله؛ بتحليل ما حرم، وتحريم ما أحل: عدوان على التوحيد، وشرك بالله، ومنازعة له في حقه وسلطانه جل وعلا. وأكثر سلاطين الأرض اليوم وزعماؤها قد تجرءوا على هذا الحق، وتجرءوا على الخالق الملك سبحانه وتعالى، فأحلوا ما حرم، وحرموا ما أحل، وشرعوا للناس بغير شرعه؛ زاعمين تارة أن تشريعه لا يوافق العصر والزمن، وتارة أنه لا يحقق العدل والمساواة والحرية، وأخرى بأنه لا يحقق العزة والسيادة. والشهادة لهؤلاء الظالمين بالإيمان عدوان على الإيمان وكفر بالله سبحانه وتعالى. ونأسف إن قلنا: إن سواداً كبيراً من الناس قد أطاعوا كبراءهم فيما شرعوا لهم من شرع مخالف لشرعه سبحانه وتعالى، وكثير من هذا السواد يصلي ويصوم - مع ذلك - ويزعم أنه من المسلمين.

والدعوة السلفية جهاد بكل معاني الجهاد؛ لرد الحق إلى نصابه، وجعل الدين لله وحده، وتخليص الأمة من هذا الشرك الأكبر والكفر البواح الذي استشرى فيها، وذلك لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ولا تكون كذلك في واقع الناس؛ إلا إذا كان الحكم لله وحده، والتشريع لله وحده؛ وفق ما جاء في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ووفق ما يجتهد فيه أئمة العصر من المسلمين؛ ليتوصلوا باجتهادهم إلى ما يرضي ربهم، ويوافق شرعته.

وتخليص الأمة من هذا الشرك بالبيان والدعوة والجهاد واجب؛ لأن هذه القضية إحدى قضايا المعتقد السلفي.

رابعاً: نؤمن في المنهج السلفي أن قضايا التوحيد الثلاثة السالفة قضايا لا تتجزأ ولا تقبل المساومة:

لأنها أركان في فهم العقيدة السليمة وفي معنى لا إله إلا الله. فمن آمن بإله واحد؛ يجب أن يعتقد أنه هو الموصوف سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه يجب الإيمان به وفق هذه الصفات. وكذلك يجب دعاؤه سبحانه وتعالى وحده، وإفراده بسائر أصناف العبادة؛ من ذبح، ونذر، وخوف، وخشية، وإنابة، وتوكل، وحلف، وتعظيم، وتطهير القلب مما يخدش هذا التوحيد أو يلغيه. وكذلك يجب الإيمان والعمل لتكون كلمته وشرعه هو الأعلى وهو المحكم في حياة الناس جميعها؛ فلا دين إلا ما شرع، ولا طاعة إلا لله أو ما يقتضي أن تكون طاعة الله؛ أعني: لا طاعة لمخلوق إلا بما يوفق طاعته سبحانه، فإن خالف طاعته؛ فلا طاعة.

والمنهج السلفي يأخذ هذه القضايا جملة، ويطهر قلوب أتباعه من الشرك فيها جميعاً؛ لأننا نعتقد أن من مات وهو يدعو غير الله؛ لم يكن من أهل الجنة، ونعتقد أيضا أن بعض التحريف لمعاني الصفات والأسماء؛ شرك بالله وكفر به، وإن كان بعضه لا يبلغ ذلك، ونعتقد كذلك أن من نحكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر، ومن اعتقد أن لأحد من البشر أن يشرع للناس في شؤون معاشهم ودنياهم دون الرجوع إلى شرع الله والالتزام به والسير بمقتضاه؛ فقد عبد غير الله وأشرك به شركاً جلياً؛ كما قال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ).

هذه القضايا الثلاث السالفة هي الأركان التي يقوم عليها الأصل الأول من الأصول العلمية للدعوة السلفية. إنها قضايا التوحيد الثلاثة التي إذا اختل شرط منها؛ اختل أصل التوحيد. وهذا الأصل هو بمثابة المدخل للمعتقد السلفي؛ لأن التوحيد هو أهم قضايا الدين، بل رأسه، وبدونه لا يكون المسلم مسلماً. وتحت القضايا السالفة توجد كثير من الفرعيات والتفصيلات، قد بينا بعضها في مواضع أخرى، وقد فصلها علماء السلف عبر القرون في كتبهم. والسائر في المنهج السلفي يجعل نصب عينه دائما تعلم هذه الفرعيات؛ تكميلاً لتوحيده، وتثبيتاً لإيمانه. وبهذا الأصل يفترق المنهج السلفي عن كثير من مناهج الإصلاح المنسوبة للإسلام، التي لا تدخل هذه القضايا في حسبانها، ولذلك نجد أن كثيرا منهم يفنون أعمارهم في قضايا فرعية عملية، وفي خلافات جزئية، وينسون أصل الدين الأصيل، وهو التوحيد الخالص الذي ما جاء الشرع إلا لأجله.

وأمثال هؤلاء لا يعنون من الشرك إلا عبادة المسيح والأصنام، وأما تلك الصور التي عرضناها عليك آنفاً؛ فإنهم لا ينكرونها، بل يباركونها ويوافقون أصحابها، وإن حصل لها عند بعضهم إنكار؛ فإنما هو كإنكار بدعة يسيرة لا تضر عندهم بالدين، والحال أنها أصل من أصول التوحيد، وتفويتها قدح في العقيدة والإسلام.

وقد يسأل سائل: لماذا تهتمون بالتوحيد هكذا وتجعلونه الأصل الأول من أصول الدعوة السلفية ؟

والجواب على هذا السؤال يأتيك مفصلا بحمد الله في الباب الأخير من هذه الرسالة: (السلفية دعوة التوحيد ).

ثانياً: الاتباع

بعد أن يعلم السائر في المنهج السلفي توحيد الله سبحانه وتعالى حسب أركانه السالفة؛ فإنه يتوجب عليه إفراد الرسول صلى الله عليه وسلم بالاتباع، وذلك تحقيقاً لقوله: (( أشهد أن محمداً رسول الله )). وهذه الشهادة لا تكون كاملة إلا بالأمور الآتية:

أولا:

أن يعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول مبلغ عن ربه جل وعلا، وأنه قد جاء بوحيين: الأول كتاب الله القرآن. الثاني: سنته صلى الله عليه وسلم. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه )). فكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل كلام الله تعالى؛ سواء في الاعتقاد والعمل والقبول؛ لأن هذا وهذا من الله سبحانه وتعالى، والرسول لا يأمر ولا ينهى ولا يحرم ولا يحل في أمور الدين بشيء من عند نفسه، بل بأمر الله سبحانه وتعالى، ولا يخبر بشيء من الغيب إلا بوحي منه جل وعلا؛ كما قال سبحانه وتعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين). وإذا كان أمر السنة كذلك؛ فإنه يشملها جميع أحكام التكليف؛ من: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه، ومباح، ويكون من رد الثابت الصحيح منها؛ كمن رد القرآن.

ثانياً:

الدين هو المنهج والطريق والحكم والصبغة العامة، وليس هو التقرب فقط؛ كالمفهوم الشائع بين الناس اليوم. ومعنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المشرع بأمر الله لجميع شؤون الحياة التي له فيها أمر ونهي وحكم، وليس للطاعات والقربات فقط؛ فمعصية أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في شؤون البيع والتجارة والزواج والطلاق والحكم والسياسة والحدود؛ كمعصيته في شؤون العبادة؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها.

ثالثاً:

للأمرين السابقين تصبح منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم في الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر. ولذلك، فلا يقبل قول أحد؛ سواء كان: إماماً فقيها، أو زعيماً سياسياً، أو مفكراً أو مصلحاً؛ يخالف قولاً للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قدم قولاً لأحد وخالف إجماع الأمة وكتاب الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: لا تكمل هذه المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ إلا بكمال الحب له. كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده والناس أجمعين )). ومما يعين على هذا الحب: التزام أمره دائماً، والمسارعة في طاعته، وتقديم قوله على كل قول، وتذكر مواقفه ومشاهده، ومدارسه سنته وسيرته صلوات الله وسلامه عليه. ومما يؤسف له في أوساط المسلمين اليوم أنه قد ضعفت هذه المتابعة، وخبا ذلك الحب للرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك للأسباب الآتية:

1 - القول بجواز التقليد:

وذلك بعد تدوين الفروع الفقهية لكل مذهب من المذاهب الفقهية، والإفتاء بالعمل بهذه الفروع الفقهية مطلقاً، سواء كانت موافقة أو مخالفة للحديث الصحيح، بل والإفتاء بأنها جميعاً صواب، وإن كانت مختلفة متناقضة. وقد أدى هذا إلى الركون إلى كل قول ينسب إلى الفقه، والقعود عن طلب الدليل من القرآن والسنة، وبذلك ضعف العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى وبالأحاديث الصحيحة.

2 - الإفتاء بغير علم ودليل:

أ ) بعد الإفتاء بأن كل رأي فقهي في مذهب ما صواب؛ أفتى المفتون كل مستفت بما يناسبه من قول منسوب إلى الفقه، بل بحث بعضهم على ما سماه بالأيسر من كل مذهب في كل مسألة فأفتى به. وناهيك بما في هذا من توهين العمل بالشريعة، بل بزوالها، إذ ما من مذهب إلا وله كثير من الأقوال المتساهلة جداً، التي جاء القرآن والحديث بخلافها، وليست هذه الرسالة مجالاً لبيان ذلك. بل وتساهل بعض الناس أكثر من هذا، فأفتى بأي قول يصدر عن عالم ما! وقد علم القاصي والداني ما أفتى به كثير من العلماء المحدثين في شأن الربا والخمر وملابس النساء وحقوقهن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...

ولو جمعنا الفتاوى الباطلة في هذه وغيرها، لخرجنا بأكثر من مجلد فيه ما يهدم الإسلام جملة وتفصيلاً.

ب) لم يقف الأمر بالفتاوى الباطلة وبأن كل قول صواب عند الإفتاء في أمور الشريعة، بل تعدى ذلك إلى العقائد والغيبيات، فوقعت أيضاً تحت الرأي والظن، وبذلك نفى كثير من العلماء الأحاديث الصحيحة في أمور كثيرة من أمور العقائد، وقالوا بالرأي والظن والاجتهاد في أمور العقيدة والغيب التي لا اجتهاد فيها، وجاروا آراء العصر الصادرة عن غير المسلمين.

3 - توعير طريق دراسة القرآن والسنة:

وذلك بالتخويف والتحذير الذي لا نفقتا نسمعه من كل ناعق: أن دراسة القرآن والسنة والتلقي منهما ضلال !! وأنه يجب أولا عرض الآيات والأحاديث على أقوال الأئمة والفقهاء !! وكأن الأصل قد أصبح أقوال الناس لا قول الله ورسوله. وبهذا التخويف والتحذير وعر هؤلاء طريق الفهم السليم للكتاب والسنة، وصدوا عن سبيل الله بعلم أو بغير علم، وجهلوها معوجة للسالكين فيها. وقد خالفوا بذلك كتاب الله الذي يأمر باتباع الدليل مطلقا، وبالبصيرة أبداً، وينهى عن التقليد والسير على منهاج الآباء والأجداد دون دليل وبرهان، وخالفوا الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بتبليغ حديثه مما نطق به صلى الله عليه وسلم، يحث يقول: (( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها )).

وقوله: ((وبلغوا عني ولو آية )).

4 - إيقاف العمل بالشريعة في كثير من نواحي الحياة.

لا يشك مسلم يفهم الإسلام في الوقت الحاضر أن الشريعة الإسلامية قد أقصيت إلا قليلاً عن مجالات حياة المسلمين، وذلك في شؤون كثيرة؛ كالحكم، والسياسة، وكثير من المعاملات، والحدود، والتربية، والاجتماع، والآداب العامة. وكان لهذا أسباب كثيرة؛ كغلبة الكفار على أرض الإسلام وغرس أفكارهم وتقاليدهم وعاداتهم في بلاد الإسلام. وكان من ذلك أيضاً مما نحن بصدده: جمود حركة الاجتهاد الفقهي، وذلك بالوقوف فقط عند ما دونه أئمة الفقه في عصور قديمة استحدثت بعدها كثير من الأقضيات والحوادث في شتى شئون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان لابد من حركة فقهية تحكم هذه الأمور؛ لتعطي المسلم الحركة الصحيحة بإسلامه في المجتمع الذي يعيش فيه. ولكن هذا الجمود في الفقه وانفصال السلطة السياسية عن المنهج الإسلامي أدى إلى شل حركة المسلمين، وجعلهم حيارى بين ما يأخذون وما يدعون فيما جد من أمورهم، وكانت الغلبة بالطبع للتيار القوي الذي تقوم عليه أجهزة الحكم وتوجهه أجهزة الإعلام المسخرة للسلطة السياسية. وكان لهذا كله آثاره في انطماس طريق الإسلام وشريعته، وغياب المعنى الحقيقي لشهادة المسلم: أشهد أن محمداً رسول الله.

والمنهج السلفي لفهم الإسلام والعمل به يضع نصب عينه تذليل هذه العقبات التي حالت بين الناس ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن ينادي دائماً بالقول بتحريم التقليد، ويوجب على كل مسلم السؤال عن القول بدليله من الكتاب والسنة. ولا يعنى هذا أننا نوجب على كل أحد أن يكون مجتهداً، لا؛ إنما نأمر كل أحد بأن يكون متبعاً للدليل، باحثاً عن الحجة من كتاب ربه أو سنة نبيه. وبذلك تتوحد صفوف الأمة، وينمو فيها معرفة الكتاب والسنة، وتزكو فيها الروح العلمية والمسامحة الأخوية، ولا يستطيع مضل أن يضلها بسهولة؛ لأن ميزان الكتاب والسنة سيكون منصوباً لكل مفت ومتحدث في الدين، وبذلك أيضا يعظم عند المسلمين شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظم شأن متابعته. وكذلك نلجم الألسنة التي تفتي دائماً بغير دليل عندما تعلم أن الناس لا يقبلون قولاً إلا بدليل وحجة، فإذا قال رأيه للناس؛ قال: هذا حكم الشارع؛ طالبه الناس بدليله من قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. وبالأمرين السابقين وغيرهما يفتح للناس ميدان جديد لدراسة جادة للقرآن والسنة، فتجدد حياة الأمة، ويشع نورها، وتتضح معالم الطريق أمامها، ولا يستطيع أي من الناس - مهما كان دوره - أن يضل الناس - إلا أن يشاء الله - وأن يقودهم خلفه كالسائمة. وإذا أحيينا فقه الكتاب والسنة على هذا النحو؛ استطعنا أن نوقف تيار العصر الإلحادي عند حده، وذلك أننا سنوقف الناس أمام مسؤولياتهم؛ فنحن نقدم لهم قول الله وقول رسوله لا قول فلان وفلان، فإن أذعنوا؛ فقد أسلموا، وإن جحدوا وأنكروا؛ فقد كفروا. وبذلك تتضح السبل، ويحيا من حي عن بينة، ويهلك من حلك عن بينة.

ثالثاً: التزكية

التزكية إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها. قال تعالى ممتناً ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم: ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين ).

وقال أيضاً: ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين ). فالله امتن علينا في هاتين الآيتين ببعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي من مهماته قراءة آيات الله، وهذه نعمة كبرى؛ إذ نسمع كلام الله على لسان بشر منا. ثم إنه يزكي هذه الأمة؛ بما يقرأ عليها، وبما يوحى إليه. ثم هو يخرج هذه الأمة من ظلمات الجهالة، وذلك بتعليم الكتاب والحكمة.

والكتاب: القرآن.

والحكمة: العلم النافع، الذي يضع من الإنسانية الأمور في نصابها.

ولذلك؛ فالسنة من الحكة، والكتاب قد جاء بالحكمة أيضاً.

والسؤال الآن: ما هي التزكية التي عرفنا آنفاً أنها إحدى وظائف النبي صلى الله عليه وسلم ؟

التزكية للنفوس: تطهيرها، وتطبيبها، وتنقيتها من قبائحها؛ فالنفس الزكية: هي الطيبة الطاهرة البعيدة عن كل ما يدنس النفوس من غش وحقد وحسد وظلم وسخيمة.

وهذا المعنى مأخوذ من قول العرب: ( زكا الزرع: إذ نما وأينع )، والرائحة الزكية: هي الطيبة. قال تعالى مبيناً افتراق النفوس في الزكاة: ( ونفس وما سواها ) .

فالنفس الزكية: هي الطيبة الطاهرة النقية. وقد أقسم سبحانه وتعالى أن الفلاح منوط بتزكية النفس وتطهيرها، وذلك في سورة الشمس، بعد أحد عشر قسماً، وليس في القرآن أقسام متوالية بهذه الكثرة على حقيقة واحدة؛ إلا في هذه السورة. قال تعالى: ( والشمس وضحها، والقمر إذا تلـها، والنهار إذا جلـها، واليل إذا يغشـها، والسماء وما بنـها، والأرض وما طحـها، ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتوـها، قد أفلح من زكـها، وقد خاب من دسـها ). وبين في آيات أخر أنه لا يدخل الجنة إلا من اتصف بهذه الزكاة والطيبة والطهر؛ كما قال تعالى: ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوبها وقال لهم خزنتها سلـم عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) .

والطيبة هنا هي سبب دخولهم الجنة، وهي ثمرة العبادة وغايتها، وهي تزكية النفس التي جاء الرسول من أجلها صلوات الله وسلامه عليه.

وبهذا البيان نصل إلى حقيقتين:

أولهما: أن التزكية إحدى مهمات النبي صلى الله عليه وسلم وغاية من غايات رسالته، بل سنعلم أنها غاية الرسالة والوجود الإنساني كله.

والثانية: أنها السبب في دخول الجنة، بل هي الصفة الواجبة التي من لم يتصف بها؛ لم يكن من أهل الجنة.

والآن يأتي سؤال آخر، وهو: ما الوسائل التي شرعها الله سبحانه وتعالى وبينها رسوله للوصول إلى هذه الغاية ؟

وبمعنى آخر: كيف تزكو النفس وتصبح طيبة ؟ وما الذي صنعه الرسول حتى يقوم بهذا الواجب ؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نستعرض شرائع الإسلام كلها ونستقرئها جميعاً - سواء كانت عقائد أو عبادات أو معاملات - وننظر ارتباط هذا بالتزكية والتطهير. وسنتبين بهذا الاستقراء أنه ليس للتزكية أعمال خاصة من مجموع أعمال الدين وعقائده، بل جميع شرائع الإسلام وعقائده وآدابه إنما هي أعمال غايتها ونهايتها التزكية والتطهير. ما دمنا عرفنا أن الزكاة هي الطيبة والطهر والبعد عن الدنس:

فالتوحيد تزكية؛ لأنه اعتراف وإقرار بالإله الواحد الذي لا رب غيره، وهذا الاعتراف والشهادة تزكية؛ لأن الاعتراف بالحق فضيلة، وجحده وإنكاره رذيلة، وأي رذيلة ؟! وليس هناك حق أكبر من الله ولا أجلى وأظهر منه عند كل ذي لب وعقل، وإنكار الله وجحده والشرك به أكبر الرذائل والتدسية، ولذلك قال تعالى: ( إنما المشركون نجس). وذلك لنجاسة قلوبهم ونفوسهم بما تلبسوا به من شرك وجحود ونكران لصفات الله سبحانه وتعالى، وليست نجاستهم لما على أبدانهم من نجاستهم؛ فقد يتطهر كثير منهم ظاهراً، ولكن؛ ما دام أحدهم متلبساً بالشرك والكفر؛ فهو متلبس بالنجاسة المعنوية المدنسة للنفس والشعور.

والعبادات كلها – مالية أو بدنية – ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب الخالق سبحانه وتعالى، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب، ومن اتقى وخاف ربه؛ ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل. ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكررها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله.

قال تعالى: ( إن الصلوة تنهي عن الفحشاء والمنكر ).

وذلك لأنها تربي الواعظ وتورث التقوى. ولذلك أفتى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله بأن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة، وذلك من عظيم فقهه؛ فقد رأى أن قيام المصلي وقعوده وذكره لربه في أرض اغتصبها يدل على كذبه وزوره وبهتانه ونجاسة قلبه؛ لأن هذا لو كان ذاكراً لله حقيقة؛ لما أمسك هذه الأرض التي اغتصبها، بل لا نخلع عنها وردها إلى أصحابها. ولذلك أيضاً لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها ؟ قال: (( هي من أهل النار )) .

والحكمة في هذا ظاهرة؛ إذ لو كانت هذه المرأة مصلية صائمة حقاً؛ لامتنعت عما يدنس النفس أقبح تدنيس، وهو إيذاء الجار. ولذلك أيضاً قال صلى الله عليه وسلم: (( من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)). وذلك أن الصائم الذي راقب الله - بزعمه - في تركه للطعام والشراب، ولم يستطع أن يراقبه في قول الزور والعمل بالزور: مبطل في ادعاء خوف الله وتقواه، مبطل لثمرة العبادة وغايتها وثمرة الصوم وغايته وثمرة الصوم وغايته. ولذلك لا يجوز لنا أن نفصل بين عبادات الإسلام وغايتها وثمرتها، فنظن أن أعمال القربات مقصودة لذواتها، وبذلك نفرغ العبادة من ثمرتها وغايتها. بل قرن الله سبحانه وتعالى دائماً بين العمل والثمرة؛ كما قال عز وجل في الصوم: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) .

وقال تعالى عن غاية العبادة: ( يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ). فنفهم من هذا أن غاية العبادة كلها التقوى، وقد عبر الله هنا بـ (لعل ) التي تفيد الترجي، والله لا يرجو شيئاً؛ لأنه ما شاء كان سبحانه وتعالى، ولكن الرجاء هنا بالنظر للعابد؛ لأنه ليس كل مؤد لهذه العبادة متقياً، بل المنافقون يؤدون الطاعات والعبادات ظاهراً وهم كافرون جاحدون.

ونفهم من هذا أيضاً أن من لم تحصل له هذه التقوى مع أدائه للعبادة؛ كان غاشاً في عبادته، مبطلاً فيها. فمن شأن العابد أن يكون تقياً خائفاً من ربه محسناً، وهذه التزكية والطيبة والطهر، والعبادة قد وضعت لذلك، ولا يكون المرء طيباً طاهراً بغير العبادة؛ أن الطاعة من التزكية، فطاعة الله الذي له الفضل علينا والمنة والنعمة هي أول صور المعروف والإحسان والاعتراف، ولذلك لا يتصور زكاة وطهر بغير طاعة أمر الله واجتناب نواهيه. وقد تكرر معنى (( العبادة للتقوى )) في آيات كثيرة من القرآن: كما قال تعالى: ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصـكم به لعلكم تتقون ) .

وبهذا نصل إلى هذا المعنى الثالث من معاني التزكية، وهي أن شرائع الإسلام كلها؛ من: توحيد، وعبادة، وصلاة وصيام، وزكاة، وحج، وبر الوالدين، وصلة أرحام، ونهي عن الفواحش والمنكرات، ومعاملات تحقق العدل والإحسان؛ ما كل ذلك إلا لتحقيق هذه التزكية.

وهذه الأوامر والنواهي: إما أن تكون هي بذاتها من أركان هذه التزكية ولوازمها، وإما أن تكون مما يورث هذه التزكية ويؤدى إليها.

ومما يدلك على هذا المعنى جليا، بحيث لا يترك لنفسك فيه شبهة: أن تعلم أن الله وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .

ولقد كان هذا الخلق متمثلاً في العمل بكتاب الله، الذي تضمن كل أنواع التزكية؛ كما جاء في (( صحيح البخاري )): أن سعد بن هشام سأل السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: (( كان خلقه القرآن )).

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق )) .

وحصر الرسول رسالته في هذا يعطيك الدليل الكامل على أن رسالة الإسلام كلها رسالة للتزكية والتطهير.

إذا علمنا أن الإسلام دين تزكية وتطهير، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلا لهذا؛ فيجب علينا أن نعلم أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قد أتم هذه التزكية منهجاً وعملاً.

لأن الله أتم دينه ونعمته على رسوله والمؤمنين؛ كما قال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) .

ومعنى هذا أنه لا يجوز الإحداث فيها؛ كما هو الشأن في جميع شؤون التقرب.

وذلك أن الإحداث في العبادة يؤدي إلى الفساد والانحلال؛ فضلاً عن أنه مرفوض غير مقبول عند الله سبحانه وتعالى.

وقد رأينا كيف انفتح هذا الباب على المسلمين، فدخل منه شر مستطير وبلاء عظيم؛ فمناهج إصلاح النفس والتربية التي اندرجت تحت اسم التصرف قد جمعت في طياتها بلاء لا حصر له ولا حد، وامتد الفساد من حقل التربية والأخلاق والتعبد إلى وضع الحديث وإفساد العقيدة وتحطيم الشرع الذي سموه بالظاهر، وفتح الباب للخرافات والخزعبلات والترهات، ثم وقوع الشرك وعبادة غيره سبحانه وتعالى، ثم الفلسفات الهالكة؛ كالقول بوحدة الوجود والحلول وغير ذلك من عقائد الفرس والهنادك، ثم إسقاط التكليف جملة، والقول في القضاء والقدر بمراد الله مطلقاً، حيث جعل المطيع والعاصي سواء، بل فضل العاصي على الطائع...

وقد فصلنا هذا الفكر بحمد الله في كتابنا ((الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة)).

وفي مقابل هذا الفكر كالصوفي قام الجمود الفقهي الذي جعل النصوص حرفيات مرادة لذاتها، وظواهر لا معنى وراءها، وخاصة بعد أن صبت أحكام الكتاب والسنة في قوالب من نصنع البشر، أشبه بقوالب التقنين.

وبعد أن بعد الناس عن المصدر الأصيل - كتاب الله وسنة رسوله -؛ تعاملوا مع هذه القوالب الكلامية البشرية، ولم يشعروا تجاهها بتلك الرهبة والتقديس؛ كما يكون التعامل مع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك سهل عليهم التحايل على هذه القوالب، فأحلت معاملات كثيرة: ظاهرها العقد الشرعي، وباطنها الحرام، ومن ذلك: بيوع العينة، ونكاح المحلل، والربا في صور البيع، والزنى بصورة الهبة دون ولي وإشهاد.

ثم توسع الناس في اتباع الأقوال والآراء، فأصبح كل قول في الدين حجة ما دام أنه لشيخ ما أو لعالم ما، وبذلك ضعف الوازع، وانهدم ركن الأخلاق، وفسدت مناهج التزكية التي ما جاء الإسلام إلا لأجلها.

والمنهج السلفي يقوم بين المنهجين السابقين:

منهج التصوف ومنهج الظاهر الفقهي، فيحل التزكية محلها من دين الله سبحانه وتعالى، فيجعلها غاية للمسلم؛ يسعى إليها ويتخذ لها الوسائل المشروعة التي جاء بها الكتاب والسنة؛ فلا تزكية بغيرهما، ولا تزكية دونهما أبداً.

وبذلك يبطل في هذا المنهج جميع الاجتهادات العبادية والسلوكية التي ابتدعت في المنهج الصوفي؛ من الانفراد في الخرائب والقبور، والعيش على طعام بعينه، والعزلة مدة محددة، وترك النظافة والتطهر، وترك الكلام، والجلوس في الشمس، وتعذيب النفس بشيء لم يأت به الشارع، وقراءة الأذكار المبتدعة، والرقص والغناء والسماع الشيطاني الذي أصبح من لوازم الطرق الصوفي.

وكذلك يبطل المنهج السلفي هذا السعي الضال وراء ما يسمى بالفتوحات والكشوف، التي ما هي إلا وساوس شيطانية وأفكار فلسفية إلحادية، كشفنا زيفها في كتابنا الآنف؛ فارجع إليه؛ لتقف على هذه الحقائق العجيبة.

ويبطل في المنهج السلفي هذه الظاهرية الجامدة التي تتعامل مع نص وتنسى أهدافه وغاياته، وهذا الفقه الأعوج الذي جعل كل قول في الدين حجة، وكل فتوى - لا دليل عليها - حكماً شرعياً، وبذلك استحلت الحرمات، وفسدت مناهج الإصلاح، وأظلمت النفوس، وخبا فيها نور الوحي السماوي: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والمنهج السلفي للإصلاح والتربية والسلوك والتزكية لا يجعل مثلاً أعلى في هذا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هو أطهر البشر نفساً، وأعلاهم مقاماً، وأقومهم خلقاً وأرشدهم طريقة ومنهجاً؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن أعلمكم بالله وأتقاكم لله: أنا )).

ولذلك يجعل هذا المنهج السلفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلقه هي الأساس بعد كلام الله في التزكية والتطهير والاتباع.

وكذلك يجعل سيرة الصحابة الأول ورجال الصدر الأول الذين تمثلوا القرآن والسنة قولاً وعملاً وخلقاً قدوة في التزكية؛ فهم المثل الحية لزكاة النفس وطهارتها، ولا يقاس بهم من بعدهم أبداً؛ فهم خير القرون وأنفعها للمسلمين، ويأتي بعدهم التابعون بإحسان، والعلماء العاملون في كل عصر؛ وفق ذلك المنهج السلفي الذي شرحنا أصوله آنفاً.

فالعلماء الذين اتبعوا منهج الكتاب والسنة؛ توحيداً، واتباعاً، وتزكيةً، ولم يقعوا في الشرك الظاهر، أو التأويل الباطل، أو ظلال السلوك، وترهات التصوف: هم القدوة بعد الصحابة والتابعين.

وبهذا يتحدد المنهج السلفي في التزكية. إنه امتثال حقيقي لا ظاهري صوري لكلام الله وكلام رسوله.

ونعني بالامتثال الحقيقي: الذي يكون باطناً وظاهراً، حقيقة لا تصنعاً، إيماناً لا نفاقاً، وزكاةً وطهراً لا خبثاً ولؤماً، وطيبة يستحق المرء معها أن تسلم عليه ملائكة الله على باب الجنة: ( طبتم فادخلوها خلدين ) .

فنسأل الله أن يجعلنا من أولئك الأبرار الصالحين.


الباب الثالث

أهداف الدعوة السلفية

ليست الدعوة السلفية - كما أسلفنا القول - دعوة إلى شعبة من شعب الإيمان، ولا لقضية واحدة من قضايا الإسلام، وليست هي دعوة إصلاحية اجتماعية، ولا دعوة سياسية حزبية، وإنما هي دعوة الإسلام... الإسلام بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني العزة والسيادة والإصلاح والعدل والفلاح في الدنيا والآخرة.

والإسلام دين الله للعالمين؛ فليس هو دين وطن بعينه، ولا شعب بالذات، وإنما هو دين الأرض كلها والناس جميعاً.

ولذلك؛ فالدعوة السلفية كذلك ليست دعوة وطن بعينه، ولا شعب بعينه، وإنما هي المنهج المنضبط لفهم الإسلام والعمل به؛ كما أسلفنا هذا في تعريف هذه الدعوة.

وينبني على القضية السابقة: أن أهداف الدعوة السلفية هي أهداف دعوة الإسلام، وذلك أنها ليست حزباً دينياً بمفهوم العصر، ولا حزباً سياسياً... إنها منهج ودعوة وطريق لفهم الإسلام والعمل به.

وها هي أهداف هذه الدعوة التي هي نفسها أهداف الدعوة الإسلامية:

أولا: إيجاد المسلم الحقيقي:

جاءت شريعة الإسلام أول ما جاءت لصناعة المسلم، إن صح هذا التعبير، وهو صحيح؛ لقوله تعالى لموسى:

( ولتصنع على عيني ) .

فصناعة الرجال هي مهمة الدعوة الإسلامية... الرجال بمفهوم الرجولة الكامل...

والإنسان بمفهوم الإنسان الكامل... والمرأة المسلمة بالمفهوم الصحيح أيضا...

والمسلم الحق والمسلمة الحق يشترط فيهما هذه الشروط، وهي: التوحيد، والامتثال، والتزكية.

المسلم الحق هو الذي يشهد لله بالوحدانية، ويمتثل أوامره، ويبتعد عن نواهيه ما استطاع، ويزكي نفسه بهذا الدين ما استطاع.

ومناهج هذه التربية هي مناهج الدعوة السلفية التي أسلفنا فيها القول تحت عنوان: ( الأصول العلمية للدعوة السلفية ).

وإذا قلنا: المسلم الحق؛ فإنما نعني التفريق بين هذا الغثاء المنسوب للإسلام زوراً وبهتاناً وبين المسلم بمفهومه الصحيح الآنف.

فالذين ينسبون إلى الإسلام، وهم يمارسون الشرك قولاً واعتقاداً، ويبدلون آيات الله ويحرفونها، ويتحاكمون إلى غير شرعه، ويعادون سنة نبيه، ويستهزئون بها؛ كل أولئك لا يجوز الحكم لأحد منهم بالإسلام.

وقد فصلنا هذا بحمد الله تفصيلاً سهلاً موجزاً في كتابنا: (( الحد الفاصل بين الإيمان والكفر )).

والمهمة الأولى للدعوة السلفية هي مهمة التعليم والتربية والصناعة بعد التعريف والبيان بالمفهوم الحقيقي للإسلام.

وهذه مهمة عظيمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )) .

فهداية فرد واحد للإسلام نعمة عظيمة وعمل جليل، أيا كان هذا الفرد: سيداً أو عبداً، فقيراً أو غنياً، عاجزاً أو قوياً، وحسبنا أن الله سبحانه وتعالى عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه انصرف عن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى إلى سيد من سادات قريش؛ يدعوه، ويلح عليه؛ منصرفاً عن هذا الذي جاء يطلب الهداية. قال تعالى: ( عبس وتولى، أن جاءه الأعمى، وما يدربك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى) . يعني الله عز وجل هذا الأعمى. ثم قال: ( أما من استغنى، فأنت له تصدى ) . أي: هذا القرشي الذي رأى نفسه مستغنياً عن دعوة الله، فتتصدى أنت له ؟!

قال: ( وما عليك ألا يزكى ) (3). أي: ما يضيرك لو لم يتزك هذا المستكبر المستغني. ثم قال: ( وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى، فأنت عنه تلهى ) (4). أي: لا تفعل ! لا تتلهى عن هذا الذي جاءك يخاف الله ويطلب مرضاته !

ويعنينا الآن أن نفهم أن هذه المهمة الأولى والهدف الأول للدعوة الإسلامية هو مقصود الرب جل وعلا، وهو بذل الهداية؛ ليهتدي من يوفقهم الله، ويشرح صدورهم، أياً كان هؤلاء.

ثانياً: المجتمع المسلم الذي تكون كلمة الله فيه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى:

الهدف الثاني للدعوة السلفية هو إيجاد المجتمع المسلم الذي يقوم بتآلف تلك اللبنات التي ربيت على أساس الإسلام عقيدة ومنهجاً.

وذلك أن لله أحكاماً في المعاملات، والحدود، والسياسات العامة، والحكم؛ لا يمكن تطبيقها؛ إلا بأن يدين المجتمع بدين الله، ويذعن لشريعته.

وكذلك لا يجد المسلم بالمفهوم الحقيقي لمعنى الإسلام متنفسه وراحته وأمنه وطمأنينته إلا في ظل مجتمع مسلم؛ يحكم بشرع الله، ويعظم حرماته، ويحي شعائره.

ومنذ أن غلب الكفار على أرض الإسلام فمزقوها وأحلوا كفرهم وأنظمتهم وشرائعهم محل شريعة الله ونظامه، والمسلمون في جميع أمصارهم يعانون من هذا البلاء، ويحنون في شوق ولوعة إلى العيش في ظل نظام إسلامي صحيح، تشيع فيه المحبة بين الحاكم والمحكوم، وتختفي فيه المظالم، ويأمن الناس على أموالهم وأعراضهم، وتسود فيه المحبة والإيثار والإخلاص، ويرجع به للمسلمين عزهم ومجدهم الغابر، ويرتفع به الظلم والحيف والفتنة الواقعة على المسلمين في أغلب البلاد.

ولكن مناهج الدعوات للوصول إلى هذه الغاية قد تشعبت وتشتت، وكل منهج في الإصلاح والتربية يحتكر الوصول إلى الهدف وحده؛ غير مقدر للعقبات الهائلة التي وضعت في هذا السبيل.

ومن هذه العقبات على طريق المثال لا الحصر: تلك الردة الجماعية الهائلة في الشعوب الإسلامية، وذلك بعد الصياغة الرهيبة التي صيغت بها عقول أبناء المسلمين، وذلك بالثقافة والقيم المنافية للإسلام، وقد ساعد على هذه الصياغة وسائل الإعلام الضخمة التي تملكها أيدي غير إسلامية، ومناهج التعليم التي وضعت بأمر المستعمر وتخطيطه.

أقول: لم يقدر أصحاب مناهج الإصلاح والدعوات الإسلامية ضخامة العبء الواقع في طريق إقامة مجتمع إسلامي، وتصوروا قيامه بين عشية وضحاها، وبجهود مئة فرد أو مئتين، أو ألف أو ألفين، ولم يدروا أن الأمر أصبح أعظم من هذا } إذ يحتاج إلى جهاد وصبر طويل وسنين طويلة؛ في التربية، والتعليم، ونشر الإسلام الصحيح، والتعاون الكامل بين جميع العاملين في حقل الدعوة إلى الله؛ طبقاً للأصول العلمية السلفية السابقة.

ومما يحيرك في أمر تلك المناهج المشار إليها آنفاً أنهم عندما يتخيلون مجتمعاً إسلامياً وحكماً إسلامياً؛ فإنهم لا يجعلون الحكم العثماني مثلاً نموذجاً له، ولا يتواضعون فيرضون أن يكون على مثال الحكم العباسي، ولا يعجبهم أيضاً أن يكون على طراز أموي... يردون أن تكون خلافة راشدة... وأيضا كحكم الشيخين أبي بكر عمر !!

وهذا التصور حسن في ذاته، ولكن هؤلاء المتشدقين بالحكم الإسلامي، الزاعمين الدعوة إليه؛ لا تجد في أخلاقهم وأعمالهم وسلوكهم وعلمهم ما يؤهلهم أن يكونوا أفراداً من هذا المجتمع؛ فضلاً عن أن يكونوا مسؤولين عن إقامته؛ فالأثرة، وحب النفس، والشح، والخوف، والاستبداد، والتعصب للرأي المخالف، والمجادلة بالباطل؛ كل هذه أمراض بلوناها في كثير من هؤلاء المتشدقين، وهي أمراض يسيرة إذا قيست بما هو أعظم منها مما لا يحسن ذكرها في هذه الخلاصة.

والمهم أن أولئك الحالمين بالحكم الإسلامي المتشدقين به بعيدون بعد المشرق والمغرب عن أهدافهم التي يدعونها، فضلاً عن تعجلهم وجهلهم الفاضح بمجريات الأمور من حولهم، ولذلك تتبدد طاقتهم، وتذهب جهود العاملين معهم أدراج الرياح.

ومما يجعل تلك المناهج بعيدة كل البعد عن أهدافها: عدم وضع أصول محددة لفهم الإسلام والعمل به.

وبذلك يصطدم أفراد الدعوة بالاجتهاد الفردي الذي لا يحتكم إلى أصول واحدة، أو بالواقع المرير الذي تحياه أمة الإسلام، فيقع التمزق والضياع، أو اليأس ثم الانحراف.

وقد ظهرت جماعات كثيرة، كثر أفرادها، ولكن سرعان ما تشتت وتمزقت وحدتها؛ لأن أصول فهم العقيدة والشريعة والعمل بالإسلام لم تكن واضحة محددة.

والمنهج السلفي يراعي هذا كله؛ فيؤسس بنيانه على أصول ثابتة لفهم الكتاب والسنة وتوحيد الكلمة والوصول إلى الحق، ويربي أفراده تربية سليمة وفق الأصول العلمية السابقة: التوحيد، الاتباع، التزكية، ويراعي حاضر العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، والعقبات العظيمة التي وضعت في سبيل استئناف المسلمين لحياة إسلامية كاملة في ظل حكم إسلامي كامل، فيصلح ما استطاع، ويوحد جهود العاملين للإسلام ما أمكن، والملك كله بيد الله وحده.

( قل اللهم ملك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير ) .

ثالثا: إقامة الحجة لله:

كان من أهداف بعثة الرسل أن ينذروا الكافرين والمعاندين حتى لا يكون لهم عذر عند الله يوم القيامة؛ كما قال تعالى:

( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمن وءاتينا داود زبوراً، ورسلاً قد قصصنهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً، رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً ) .

وأتباع الرسل يقومون بهذه المهمة بعد لحوق الرسل بربهم، وهي أن يبشروا الناس وينذروهم حتى لا يكون للمعاندين منهم حجة أمام الله يوم القيامة؛ كما قال سبحانه وتعالى: ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحن الله وما أنا من المشركين ) .

فأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم خلفاؤه في مهماته - إلا النبوة والرسالة - فجهاد الكافرين، وتنفيذ أحكام الله، والدعوة إليه، والتبشير، والإنذار؛ كل هذه من مهمات الرسل وأعمالهم، وهي واجبة أيضاً في حق أتباعهم والسائرين على منهاجهم.

والمدعو إما أن يستجيب للدعوة، فيهتدي، فيتحقق بذلك الهدف الأول من أهداف الدعوة، وهو بذلك الهدف الثالث للدعوة، وهو ما نحن بصدده الآن؛ أي: تقوم عليه الحجة، وينقطع عذره عند الله تبارك وتعالى.

وفي هذا من الأمر ما فيه؛ لقوله تعالى: ( ليس عليك هدـهم ولكن الله يهدى من يشاء ) .

وقوله تعالى: ( إن عليك إلا البلغ ) .

وقوله تعالى: ( إنما أنت منذر ) (3).

فعلم من هذا أن الأمر موكول بالدعوى ليس إلا، وأما الهداية؛ فإنها من فعل الله سبحانه وتعالى، والله يجريها على من شاء من عباده؛ توفيقاً وإحساناً، نسأل الله أن يجعلنا ممن يجري الخير على يديه؛ إنه هو السميع العليم.

وخلاصة هذا الهدف من أهداف الدعوة هو أن الداعي إلى الله إن لم يتحقق هدفه الأول ويهتدي من يدعوه إلى الله تبارك وتعالى؛ فلا يظنن أن عمله قد ذهب سدى، بل قد أدى واجبه الحقيقي، وهو إقامة الحجة لله، وقطع عذر هذا المعاند أمام ربه يوم القيامة.

وإقامة الحجة تكون في أصل الإسلام - وهو الشهادتين - كما تكون في أركانه.

فمن أقر بالشهادتين، وادعى أنه ناج يوم القيامة؛ دون الصلاة؛ أقيمت عليه الحجة في ذلك بالآيات والأحاديث.

وكذلك الشأن في أركان الإسلام م، بل وفي الواجبات والمحرمات عامة.

فإقامة الحجة على مسلم معاند - وليس من شأن المسلم أن يعاند في ترك واجب أو فعل حرام - واجبه أيضاً؛ لأنها من الدعوة إلى دين الله تبارك وتعالى.

وبهذا ينفرد المنهج السلفي ببيانه لأصول الإسلام وفروعه وآدابه ومستحباته.

وبذلك يظل العمل بالإسلام كاملاً على مدار الزمن؛ لأن إهمال السنن يؤدي إلى إهمال الواجبات، وإهمال الواجبات يؤدي إلى نقض التوحيد... وهكذا.

والمحافظة على شريعة الإسلام كاملة في العلم والتطبيق هو أحد غايات المنهج السلفي لفهم الإسلام والعمل به.

ولذلك؛ فنحن في المنهج السلفي لا نبرم بإيضاح سنة مهملة، ولا ببيان واجب؛ لأننا نرى أن كل هذه الفرعيات تلتقي مع الأصل الأصيل، وهو إبراز الإسلام دائماً في صورته الكاملة النقية على مدار العصور، وذلك لتبقى شخصية المسلمين واضحة جلية مميزة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وأصحاب المناهج الأخرى يهتمون بقضايا بعينها من الدين، ويهملون سائره، بل ويضيقون ببيانه لهم وحثهم عليه، وما هذا إلا لجهلهم بحقيقة الدين، وذلك أن ترك نصيب وحظ وقسم مما أمر الله به يورث العداوة والبغضاء؛ كما قال تعالى: ( ومن الذين قالوا إنا نصـرى أخذنا ميثـقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيـمة ) .

وهكذا عاب الله على اليهود إيمانهم ببعض آيات الكتاب وكفرهم بالبعض، وما كان كفرهم إلا تركهم العمل به.

وهكذا يحل بالمسلمين إن هم نسوا بعض ما وعظهم الله به وذكرهم وبعض ما أوجبه عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولذلك؛ فالدعوة السلفية دعوة شمولية لأركان الإسلام ومناهجه جميعا: ( يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافةً ولا تتبعوا خطوات الشيطن إنه لكم عدو مبين ) .

فالعمل بجزء من الشريعة وترك جزء آخر من اتباع خطوات الشيطان، الذي يبرر لبعض العاملين في الحقل الإسلامي ترك الواجبات وفعل كثير من المحرمات بدواعي المصلحة المزعومة للدعوة...

والخلاصة: أن إقامة الحجة تكون بالبيان الدائم لأصول الإسلام وفروعه... هذا البيان الذي لا يترك في الحق لبساً حتى ينقطع العذر، ولا يكون لأحد العدول عن فعل الواجب وترك الحرام.

رابعاً: الإعذار إلى الله بأداء الأمانة:

الدعوة إلى الله تبارك وتعالى واجب حتم في الإسلام وأمانة في عنق كل مسلم حمل علماً وأمكنه الله من نشره وإبلاغه، وذلك لأدلة كثيرة جداً؛ منها قوله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). ومعنى الآية أن المسلمين لم يكونوا خير أمة إلا بذلك.

وقوله تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) . ومعنى ( منكم ) هنا: البدء لا التبعيض؛ أي: لتكونوا أمة داعية إلى الخير؛ كما أقول: ليكن منك رجل صالح؛ أي: لتكن أنت رجلاً صالحاً.

وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه... )) الحديث . إلى أدلة كثيرة لا تحصى كثرة.

والمسلم عندما يدعو إلى الله؛ فإنما يقوم بأداء هذه الأمانة، ويخلي مسئوليته أمام الله تبارك وتعالى؛ كما قال تعالى عن الذين وعظوا إخوانهم من بني إسرائيل، حيث اعتدوا على حرمة السبت، فصادوا السمك محتالين على شرع الله: ( قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون ) .

فإن الناهين عن المنكر قال لهم بعض الناس: ( لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ) . أي أنهم لن يرجعوا عن غيهم وضلالهم، فقالوا المقالة السابقة: ( قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون ) .

أي: نقوم بالدعوة إعذاراً إلى الله، حتى نعذر عند الله بأننا قمنا بأداء الأمانة، ثم لعل هؤلاء الذين آيستم منهم يرجعون إلى الله سبحانه، والعلم عنده وحده.

وبهذا؛ فالداعي على المنهج السلفي لا بد وأن يجعل نصب عينيه أنه سيتحقق له هدفان ولا بد:

الأول: أن يعذر إلى الله بأداء الأمانة.

الثاني: أن يقيم الحجة لله على المعاندين من خلقه.

وأما الهدفان الباقيان؛ فالأمر فيهما بيد الله سبحانه وتعالى وحده، إن شاء أن يعجل بهما؛ فعل، وإن شاء أن يؤجل ذلك؛ فعل، وهما: هداية الناس، وإقامة شرعه في الأرض.

فالأولى يقول الله فيها: ( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) .

والثانية يقول الله فيها: ( وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحـت ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) .

فالاستخلاف فعل الله: ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

والعجلة في تحقيقه من الذين يجهلون سنن الله في الناس.

ولهذا؛ فإن السائر في طريق الدعوة السلفية لا ييأس أبداً، ولا يذهب عمله سدى؛ لأنه لا بد أن يحقق نصف مراده على الأقل، ويبقى دائماً مترقباً فضل الله بهداية الناس إلى طريقه وتمكين أهل الإيمان في الأرض، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم، وهذا هو النصف الآخر، وهو من فعل الله لا من فعل العبد، وما النصر إلا من عند الله؛ كما قال تعالى: فلننصر الله عز وجل بأن نكون أولاً مؤمنين حقاً، وذلك باتباع المناهج السابقة في الإيمان والعمل، ثم ندعو إلى الله على بصيرة؛ باذلين النفس والمال في سبيل الله، ولنعلم أن من جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين.

ونحن ندعو الناس في مشارق الأرض ومغاربها إلى الإيمان بهذه الدعوة بعد تمحيصها والتثبت من قضاياها والتعرف على منهجها، وسيعلمون كما علمنا أنها المنهج الوحيد لفهم الإسلام والعمل به، سيذوقون حلاوة الإيمان ولذته؛ لأن إيمانهم سيكون إيمان يقين وعلم، لا تقليداً وحمية وجهلاً، وسيكون اندفاعهم للعمل اندفاع الواثق العالم المطمئن، لا اندفاع العاطفة وفورة الحماس الموقوتة، التي سرعان ما تتبدد وتضمحل.


الباب الرابع

مميزات الدعوة السلفية

- أولا: تحقيق التوحيد.

- ثانياً: تحقيق الوحدة.

- ثالثاً: تيسير فهم الإسلام.

مميزات الدعوة السلفية

أولا: تحقيق التوحيد:

من الحقائق الأساسية لفهم الدين أن ندرك أن غاية الدين وهدفه النهائي هو توحيد الله سبحانه وتعالى؛ فالتوحيد هو خلاصة الدين، وغايته.

فإذا جئت إلى مسائل الإيمان؛ وجدت أن أصلها ( لا إله إلا الله )، ووجدت أن الإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر والرسل والقضاء والقدر، وهي الأركان الباقية؛ كل هذه الأركان الخمسة تعود إلى الركن الأول:

- فالملائكة هم جند هذا الإله الواحد، الذين يعبدونه ويوحدونه ويطيعون أمره.

- والرسل هم الداعون إليه.

- والكتب هي التي تضمنت أمره ونهيه ووعظه وصفته وأعماله بأهل طاعته وأهل معصيته.

- واليوم الآخر هو اليوم الذي حدده هذا الإله ليحاسب فيه خلقه.

- والقضاء والقدر هو فعله وتقديره.

وكل ما يتعلق ويتصل بهذه الأركان الخمسة من مسائل العقيدة فهو راجع إلى ذلك:

فالجنة هي دار أوليائه، والنار هي الدار التي أعدها لأعدائه، وكذلك القبر والحساب والميزان... الخ كل أمور الغيب هي من خلقه وتدبيره وتصريفه ووفق مشيئته سبحانه؛ فالعقيدة كلها والإيمان كله راجع إلى شيء واحد هو الإيمان بالإله الواحد سبحانه وتعالى.

هذا في العقيدة، وأما الأعمال؛ فهي كذلك أيضاً تعود كلها في النهاية إلى التوحيد:

- فأشرف الأعمال على الإطلاق هي العبادات، وأشرف العبادات وأعلاها منزلة هي أركان الإسلام الأربعة بعد التوحيد، وأشرف هذه الأركان بعد التوحيد هي الصلاة...

والعبادات كلها ما سميت عبادات إلا لأنها يتقرب بها إلى الإله الواحد سبحانه وتعالى.

- وأشرف التقرب هو الصلاة، وذلك أنه خطاب ومناجاة بين العبد والرب، وفيها تظهر العبودية ظاهرة جلية، وخاصة وقت السجود الذي يصور كمال ذل المخلوق نحو ربه وخالقه ومولاه سبحانه وتعالى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد).

وذلك أن العبد لما ذل لله وخضع على هذا النحو؛ تقرب الله منه وأحبه وآواه.

- وهكذا سائر الأركان؛ فالصوم تذكير بالله وتعليم لتقواه، والزكاة كذلك رأفة وإعانة للفقير ابتغاء مرضاة الله، والحج ما قصد به إلا تعظيم الخالق سبحانه وتعالى وتوحيده.

وإذا تركت العبادات وأتيت إلى حدود الإسلام؛ وجدت أن الحدود هي شرع الله، وهي الفواصل التي وضعها للتفريق بين ما يجوز وما لا يجوز، وأنها العقوبات التي رتبها على أهل معصيته في الدنيا، ولذلك كانت الحدود توحيداً، أو هي من أجل التوحيد وعبادة الإله الواحد.

وهكذا سائر المعاملات هي من حدوده وشرعه سبحانه، الذي ارتضاه لخلقه، والذي يأبى أن ينازعه فيه منازع؛ كما قال سبحانه: ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) .

وكذلك الأخلاق لا تكون أخلاقاً صالحة إلا إذا كانت وفق شرعه، ولا يثاب عليها صاحبها إلا إذا أديت ابتغاء مرضاته.

فالإحسان إلى الوالدين والأقارب والزوجات والأولاد والجيران والأصدقاء والخلان، والعدل بين الناس، ورحمة المسكين، والعطف على الفقير، والصدق، والشجاعة، وكل هذا من الأخلاق الطيبة: لا يكون طيباً إلا إذا كان في حدود أمر الله.

فالإحسان إلى الوالدين له حدود في الشرع، ولا يكون الإحسان إحساناً إلا إذا وافق شرع الله وحدوده، ولا يثاب عليها صاحبها إلا إذا عملها ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى؛ كما قال جل وعلا: ( لا خير في كثير من نجواـهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلـح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ).

فبعد أن بين سبحانه وتعالى أن الصدقة والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس من الخير؛ بين تعالى أنه لا ينال ثواب هذا الخير إلا من فعله ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.

وبهذا العرض السريع الكامل لعقائد الإسلام وعباداته ومعاملاته وأخلاقه؛ يتبين لنا أن الهدف والغاية من وراء ذلك كله هو توحيد الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن التوحيد هو أعظم قضية في الدين، وأنه يجب فهمها فهماً سليماً، وتعلمها تعلماً كاملاً، وربط جميع فروع الدين صغيرها وكبيرها بها...

وهكذا كان الرسل صلوات الله عليهم جميعاً ما بعثوا إلا بالتوحيد؛ قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطـغوت).

وقال تعالى: ( قل إنما يوحى إلي أنما إلـهكم إلـه وحد ) .

وقد جعلها الله بصيغة الحصر؛ أي: لا يوحى إلي إلا هذا، فكأن دعوة الرسول ما كانت إلا من أجل التوحيد، بل ليس الموحى به إلا التوحيد...

ولذلك؛ فالدعوة السلفية المعاصرة والسالفة لا هم لأصحابها وحاملي لوائها - ولا يجوز أن يكون لهم هم - إلا إخلاص الدين لله، وتحرير قضية التوحيد، وتفهيمه على وجهه الصحيح... التوحيد بكل معانيه.

فمعرفة الرب كما وصف نفسه ووصفه رسوله هو أصل التوحيد وبدايته؛ فلا بد من معرفة الرب معرفة صحيحة، ولا طريق لهذه المعرفة إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن آمن برب ما، ولكنه لا يعرف هذا الرب؛ فما وحد الله كما ينبغي له، بل لا بد أن يشهد لله بما شهد لنفسه سبحانه من الصفات الجليلة؛ كالرحمة، والعلم، والسمع، والبصر، والعلو عن خلقه، ومحبته للطائعين، وبغضه للعاصين الكافرين، واستوائه على عرشه الذي هو سقف مخلوقاته، وكلامه لرسله، ورؤية المؤمنين له في الجنة، وإرادته النافذة في أحبابه وأعدائه... الخ صفاته الجليلة الكريمة التي وصف بها نفسه مادحا لها، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

ويأتي بعد هذا الأصل من أصول التوحيد أصول أخرى؛ من محبة هذا الإله، والتقرب إليه وحده، ونبذ جميع أصناف الشرك؛ من دعاء غيره، والرغبة إلى سواه، والخوف مما عداه، ونبذ الخرافات والأوهام.

ومن أصول التوحيد نسبة الفضل إلى الله وحده؛ فمنه الخير لا من سواه، وهو الذي يدفع الضر ولا يدفعه أحد غيره.

ويأتي بعد ذلك من أصول التوحيد إقامة شرعه في الأرض، والتحاكم عند الخلاف إلى ما أنزله وإلى ما حكم به رسوله لا إلى شيء غير ذلك.

ويأتي بعد ذلك من أصول التوحيد إخلاص النيات له في التقرب والطاعة ورجاء المثوبة منه والخوف من عقابه... إلى أصول وفرعيات كثيرة للتوحيد؛ من جمعها وعلمها وعمل بمقتضاها؛ عرف الله حقاً وعبده حقاً...

والدعوة السلفية تجعل كل هذا نصب عينها، فتدعو الناس أولاً إلى هذه القضية الكلية ( توحيد الله )، ثم تبدأ بعد ذلك في تفصيل فرعياتها وجزئياتها، فلا يزال الفرد الذي يسير في الطريق السلفي يرقى كل يوم درجة من درجات سلم التوحيد، ويضيف كل يوم مسألة من مسائله، فلا يمر عليه وقت يسير حتى يكون بحول الله وتوفيقه وحمده موحداً خالصاً، كل يوم في زيادة من دينه.

وبهذا تفترق الدعوة السلفية عن كل ما عداها من دعوات الإصلاح الجزئية التي تنسب إلى الإسلام، وذلك أن هذه الدعوات تبدأ من جزئية من جزئيات الدين، كأن تحاول تصحيح الحكم والسياسة، وهذه جزئية من جزئيات الدين، وترى أن الوصول إلى تحقيق هذه الجزئية لا يكون إلا بتجميع الناس وعدم تنفيرهم، حتى يساعدهم الناس في الوصول إلى الحكم، ويرون أن تجميع الناس لا يتأتى لهم إلا بالسكون عن أخطائهم العقائدية، وبذلك يندس فيهم المشركون، والذين يدعون غير الله، ويندس فيهم أيضاً أهل الأهواء من طلاب الرياسات والزعامات؛ لأنهم يرون أن طريقهم موصل لذلك، ويسكتون عن كثير من البدع العقائدية والخرافات، حتى لا ينفروا الناس من دعوتهم في زعمهم.

ويخترعون لهذا ما يسمونه بـ (مصلحة الدعوة)، فيحلون كثيراً من المحرمات، ويحرمون كثيراً من الطاعات، وقد يكون هذا في مصلحتهم كحزب يسعى إلى الحكم والرياسة، ولكنه حتماً ليس في مصلحة الدعوة الإسلامية التي يقوم أساسها على التوحيد الكامل، وليس أساسها على الحكم والرياسة؛ فتصحيح الحكم والسياسة من الدين، ولكنه ليس أصل الدين ومنطلقه، ولذلك نص الذين ينتهجون هذا النهج في الدعوة (إصلاح الحكم والسياسة أولاً) أقول: نصوا في كتبهم أن عمل البر من إحسان وزيارة وعبادات وبناء مساجد وغير ذلك إنما هو ظاهر غير مراد لدعوتهم، وأن هدف دعوتهم الأساسي هو إقامة السياسة والحكم، وشتان بين أن يكون هدف الدعوة هو التوحيد وأن يكون هدف الدعوة هو الرياسة والزعامة وإن لبس هذا بلباس الإسلام.

والدعوة السلفية تسعى فيما تسعى إليه إلى إصلاح السياسة والحكم، ولكنها تعتقد أنه جزئية ينزل منزلته من أوامر الذين من حيث الأهمية والأولوية، ويسعى إليه بالقدر السليم الصحيح الذي يتناسب مع القائمين بالدعوة وجهودهم، وهي تدعو الله لكل سلطان صالح يريد الخير للناس، وتدعو جميع السلاطين القائمين إلى تحكيم شرع الله في أنفسهم وما خولهم الله إياه.

وأما أولئك الآخرين؛ فإنهم يشرقون ويغصون لو أن حاكماً دعا إلى شيء من الإسلام، وطبق شيئاً من أحكامه، وذلك أنهم يريدون أن يبقى التناقض قائماً بين الحاكم والإسلام؛ لتستمر دعوتهم، ويكون هناك الإسلام نهاية لوجودهم، وسرقة لدعوتهم، وقد يشعرون بهذا، ويحاربون هذا عن علم، وقد لا يشعر بهذا كثير منهم.

ولذلك حملهم هذا أيضاً على العصبية في الدعوة، وحب الظهور، والرغبة في ألا يأتي الخير للناس إلا من طريقهم، ولذلك عادوا إخوانهم في الدعوة، وذلك كما تعادي الأحزاب السياسية بعضها بعضاً، يسوؤهم أن يصل آخرون إليه، ولو كانوا مسلمين مثلهم وخيراً منهم، أو أن يصلح القائمون في الحكم أنفسهم...

وكذلك الشأن في كل دعوة اتخذت جزئية من جزئيات الإسلام مراداً ومنطلقاً وغاية لها؛ كالدعوات إلى الإصلاح الاجتماعي؛ من محاربة شرب الخمر، والاختلاط، وأندية الفسق والفجور... ونحو ذلك.

وكذلك دعوات البر والإحسان والعطف على الفقراء واليتامى، هذه الجمعيات والدعوات التي تتوقف عند جزئية من جزئيات الدين يضل سعيها، ولا تصل إلا إلى أقل القليل من النتائج، وقد يبقى أفرادها في دوائر ضيقة من العلم والعمل، ثم يتفرقون ويتمزقون، بل قد يجتمع معهم أهل النيات الفاسدة ومحبي الظهور والمدح.

وهذه الأمور من جزئيات الإسلام، وإن كانت مطلوبة مرادة؛ إلا أنها يجب أن تبقى في الإطار العام من دعوة الإسلام الشاملة العامة، وأن تكون أجزاء في هيكل التوحيد وإخلاص الدين لله سبحانه وتعالى.

ولذلك كان المنطلق السلفي في إخلاص الدين لله أولاً، وتحقيق التوحيد، ثم إنزال جميع تكاليف الإسلام منازلها بعد ذلك؛ من إصلاح الحكم والسياسة والقضاء، وإقامة الحدود، وتطهير المجتمعات من الفساد، وتربية الرجال والنساء على الدين الحق من عبادات ومعاملات وأخلاق.

أقول: هذا المنطلق السلفي هو المنطلق الصحيح السليم، وهي دعوة الرسل، وعلى رأسهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي دعا إلى التوحيد أولاً وأخيراً، ثم أنزل الأعمال منازلها حيث مناسباتها، فنزل تحريم الأطعمة بمكة، حيث يستطيع المسلمون تنفيذ ذلك... وكذلك نزلت الصلاة والأخلاق والدعوة والصبر على الأذى وبعض المعاملات في المجتمع المكي، ثم تدرج التشريع من قتال وزكاة وحج وغير ذلك في مجتمع المدينة...

ونحن نرى أن الدين قد كمل بعد حياة الرسول، ولا يجوز تعطيل فرضية من فرضياته، ولكن يقوم أهل الدعوة والجهاد من أوامر الدين بما يستطيعون وما يطبقون تحقيقاً لقوله تعالى: ( فاتقوا الله ما استطعتم ).

ويجب أن يكون ذلك على نهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ووفق سنته، فيحقق التوحيد في أفراد الدعوة أولاً، ثم يدعون إلى العمل الصالح حسب القدرة والاستطاعة والأولوية والمناسبة، ووفق سياسة تحقق للمسلمين أن يقوموا بالدين كله في جميع شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية، وكل هذا في إطار التوحيد الذي هو غاية العمل الإسلامي ومراده.

وهذه الميزة للدعوة السلفية هي من أعظم مميزاتها.

وباختصار؛ إذا أردنا أن نعرف الدعوة السلفية؛ قلنا: إنها دعوة التوحيد، والتوحيد يعني هذا الفهم الشامل للدين الذي شرحناه آنفاً... رأفة وإعانة للفقير ابتغاء مرضاة الله، والحج ما قصد به إلا تعظيم الخالق سبحانه وتعالى وتوحيده.

ثانيا: تحقيق الوحدة:

الدعوة الإسلامية دعوة عامة للناس جميعاً. قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ( قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ) . وقال تعالى: (وما أرسلنك إلا كافةً للناس).

وقال صلى الله عليه وسلم في بيان ما امتاز به عن غيره من الرسل: (( وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة )). والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.

ولما كان الناس مختلفين في شأن هذه الرسالة العظيمة، ويكون منهم المؤمن ومنهم الكافر؛ كما قال تعالى: ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) (3).

فإن الله سبحانه وتعالى أوصى عباده الذين آمنوا بأن يكونوا إخوة؛ قال تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة ) .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )).

ويعني هذا انتفاء الإيمان عند انتفاء الأخوة. ولذلك كان من علامات النفاق الفجر في الخصومة، وهو المبالغة فيها.

وقد جاءت الأوامر القرآنية الكثيرة والأحاديث الصحيحة الكثيرة بالحرص على هذه الأخوة وتشييد بنائها والنهي والوعيد الشديد على الفرقة والتفرق؛ كما قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تهتدون) .

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تدعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقابَ بعض )).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر )).

وحث الله ورسوله على كل ما يقرب المسلم من أخيه المسلم، وأجزل الله العطاء لذلك؛ فقد جاء في الحديث: أن رجلاً غفر الله له عندما خرج ليزور أخاً له في الله في قرية غير قريته، وأن الله عجب من رجل وامرأة أطعما ضيفهما وباتا جياعاً مع أولادهما.

والحق أن الإسلام لم ينشر إلا بهذه الأخوة العجيبة، التي ربطت بين الصحابة رضوان الله عليهم في صدر الإسلام، فلولا إيواء الأنصار لإخوانهم المهاجرين، وحب المهاجرين وعفتهم مع إخوانهم الأنصار؛ لما كانت هذه الفتوح العظيمة وهذا الانتشار السريع للإسلام شرقاً وغرباً.

ولذلك كان من أعظم البلاء على أمة الإسلام ما وقع بينهم من فرقة وخلاف وشقاق جعل السيف بينهم بعد أن كان على أعدائهم، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة: ((خذ هذا السيف؛ فقاتل به، حتى إذا وجدت أمتي قد اختلفت وضرب بعضها بعضاً؛ فحطمه على صخرة من صخور سلع )). أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وهكذا فعل محمد بن مسلمة. ولذلك قال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

أي أن الفشل وغياب النصر سببه الفرقة، وهذا هو شأن المسلمين في العصر الحاضر: أمة عظيمة العدد، واسعة الإمكانيات، غنية التراث، ولكنها مع ذلك أمة ضعيفة مشتتة مهزومة، وما ضعفها إلى بفرقتها وتنازعها.

وقد دخل التنازع والفرقة على المسلمين من أبواب كثيرة، وأهم هذه الأبواب ما يلي:

أولا: الاختلاف في العقائد ومسائل الإيمان:

وقد بدأ هذا الاختلاف يسيراً في مسائل قليلة؛ كالحكم على مرتكب الكبيرة الذي مات ولم يتب منها؛ أكافر هو أم مسلم ؟ وهل يجب قتاله أم لا ؟ وفي سبيل ذلك نشأت بدعة الخوارج ثم المعتزلة.

ثم بدأ الخلاف حول صفات الله سبحانه وتعالى وأسمائه.

ثم توسع الخلاف العقائدي ليشمل مسائل كثيرة، ويمزق المسلمين إلى نحل وعقائد شتى.

ونظرة سريعة إلى كتاب من كتب الفرق؛ كـ (( الملل والنحل )) للشهرستاني، و (( الفرق بين الفرق )) لعبد القادر الجرجاني، أو (( اختلاف المسلمين وعقائد المصلين)) لأبي الحسن الأشعري؛ يريك كم من الفرق العقائدية ظهر قبل تمام القرن الثالث الهجري.

واختلاف العقائد بالطبع يؤدي إلى اختلاف القلوب والأعمال.

والدعاة السلفيون منذ الصدر الأول دعوا الناس إلى التمسك في أمور العقائد بالكتاب والسنة، وترك التأويل الباطل والهوى والتعصب، وكان لدعوتهم من البركة أن بقي جمهور المسلمين وعامتهم على سنن الحق متمسكين في عقائدهم بالكتاب والسنة.

والدعاة السلفيون في هذا العصر، السائرون على منهج السلف الأول في دعوتهم وجهادهم، يدعون الأمة كذلك إلى أخذ عقائدها من الكتاب والسنة فقط، ونبذ جميع البدع العقائدية، والاجتهادات والتصورات الغيبية، التي جاء بها المشعوذون والدجالون والمتكلمون على الله بلا علم، وذلك لجمع شمل الأمة على كلمة سواء، فيكون إيمانهم واحداً، وبذلك تكون قلوبهم واحدة.

ثانيا: الاختلافات العملية:

وهذه الاختلافات في أمور العمل من عبادة ومعاملة ونحو ذلك، وإن كان ضرره أخف من أضرار الاختلاف في العقائد؛ إلا أنه يجر أحياناً إلى الشقاق والخلاف.

ولذلك كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاف مطلقاً، حتى في هذه الأمور العلمية الفقهية.

وهدد عمر بالضرب على خلاف يسير، وقال في مسألة الغسل؛ هل يجب من الإنزال أم من مجرد التقاء الختانين: اسألوا عائشة، فلما ذكرت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إذا التقى الختانان؛ فقد وجب الغسل )). قال عمر: لو سمعت أن أحكم أفتى بغير ذلك؛ لجعلته نكالاً !!

ولما كان الاجتماع على رأي واحد في كل المسائل الفرعية العملية متعذراً؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمر برد الاختلاف إلى كتابه وسنة رسوله، وقد أمر أيضاً بأن يعذر بعضنا فيما لم نستطع التوصل فيه إلى رأي واحد.

وكان هذا هو منهج الصدر الأول من سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم؛ يختلفون أحياناً، ولكن يعذر بعضهم بعضاً، ولا يتعصبون لأقوالهم، ويردون ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله.

وكان هذا أيضاً شأن أئمة الإسلام الأعلام وفقهاء الإسلام في جميع الأقطار - ومن هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم -: يفتون ولا يتعصبون، ويدعون تلاميذهم إلى نبذ التعصب لأقوالهم إذا خالفت الدليل، ولذلك استمرت وحدة الأمة التشريعية الفقهية زماناً طويلاً.

ولكن نشأ في المسلمين من حرم الاجتهاد والرجوع إلى الكتاب والسنة، وحرم استخدام الدليل؛ زاعماً أن فهم الدليل والحجة قد ولى، وحرم على الناس العمل إلا بأقوال الأئمة الأربعة، وانتشرت هذه البدعة المقيتة في زمان ضعف الأمة، بزوال ملك العباسيين، وغلبة ملوك من العجم والمماليك الذين لا يحسنون العربية ولا يفقهون في الدين، فنشأ التقليد والتعصب، والتف المقلدون المتآكلون بالدين حول أولئك السلاطين الجهلة، وأغروهم بحرب أهل السنة ودعاة السلفية الداعين إلى الاجتهاد ونبذ التقليد والتعصب، فأصاب أهل الدعوة السلفية من هؤلاء شر مستطير، وذلك لأن هؤلاء المقلدين الملتفين حول سلاطين السوء أغروا عامة الناس بأن من يطلب الدليل والحجة ويأمر بالاجتهاد؛ فإنه يرفض علم الأئمة الأربعة، ويمقتهم، ويزدريهم، ولما كان عامة الناس يحبون الأئمة ويحترمونهم ولا يستطيعون أن يميزوا بين دعوة التقليد وبين الدعوة إلى الاجتهاد والأخذ بالدليل؛ فإن هؤلاء العامة ركبهم أولئك السفهاء، ووجدت الدعوة السلفية العظيمة من هذا البلاء: بلاء السلاطين الأعاجم الجهلاء، وبلاء علماء السوء المتآكلين بالدين الموالين الطواغيت، وبلاء العامة الذين لا يميزون ولا يعرفون معنى التقليد ومعنى الاجتهاد.

وظل الأمر هكذا حتى تهدمت الخلافة العثمانية، وغلب الرنجة من أهل أوروبا على أرض الإسلام، ووجد المسلمون أنفسهم في مؤخرة الأمم، فصرخوا يريدون العودة إلى الكتاب والسنة.

وبالرغم من هذه الصحوة وهذا التنادي من كل مكان بوجوب تنظيم معاملاتنا وفق الكتاب والسنة؛ فإن هناك من لا يزال يعيش بعقلية التقليد والجمود، ويأبى إلا أن يظل المسلمون في فوضى تشريعية، ويزعم أن كل قول في الدين جوز الأخذ به، ومن يزعم أن الاجتهاد باطل، وأن الدين محصور فيما دونه الأئمة الأربعة فقط، ومن يتهم الدعاة السلفيين بمعاداة الأئمة، بل ومن يوجب على المسلمين أن يتبع كل منهم إماماً من الأئمة الأربعة، وأن من أخذ بالدليل ورجع إلى الكتاب والسنة؛ فهو مبطل مبتدع.

أقول: ما زال في المسلمين من يعتقد هذا ويدعو الناس إلى ذلك.

ومعلوم يقيناً أن لكل إمام الرأي والرأيان المختلفان في المسألة الواحدة؛ كما نقول: قال الشافعي في القديم وقال في الجديد، بل والثلاثة والأربعة، وأن كثيراً من المسائل الفقهية العملية فيها اختلاف واضح، ومعلوم أن القوانين العملية يجب أن تكون واحدة، وإذا كان هناك اختلاف بين الفقهاء في هذه المسائل؛ فكيف تضمن الوحدة التشريعية ؟!

إن قلنا: نختار قول إمام واحد؛ كان هذا من التعصب، وليس هذا الإمام الواحد معصوماً حتى نأخذ جميع أقواله في جميع معاملاتنا.

وإن قلنا بجميع الأقوال؛ كان هذا تناقضاً واختلافاً؛ فكيف يحكم القاضي فيمن تزوجت دون إذن وليها ؟! فبعض المذاهب يجيز ذلك، ويرى العقد مع هذا صحيحا، وآخرون يرون العقد مع عدم إذن الولي باطلاً يجب فسخ الزواج؛ سواء قبل الدخول أو بعده؛ فما العمل ؟!

وإن قلنا: نرجح بين الأقوال؛ فكيف نرجح ؟!

إن كان بالهوى والتحكم؛ فليس الهوى من الدين.

وإن كان الترجيح بالدليل والحجة؛ فهذه هي السلفية، وهو الحق: الترجيح بين أقوال الأئمة المتعارضة، وأخذ أقربها إلى الحق في نظرنا، والبحث عن الدليل دائماً، وهذا هو الميزان الضابط لوحدة الأمة في أمورها التشريعية.

وهذا جانب من جوانب الدعوة السلفية: الدعوة إلى وحدة الأمة التشريعية في أمورها العملية، وذلك بحب الأئمة الأربعة جميعاً، والنظر إليهم نظرة سواء، وأخذ الأقوال المؤيدة بالدليل، والتي نرى أنها الحق، وعدم التعصب لواحد منهم دون الآخر، مع الاعتراف بفضلهم وعلمهم وجهادهم، والتتلمذ على كتبهم، ودراسة مناهجهم في الفقه، وأخذ أقوالهم، والعمل بها؛ ما لم تخالف الدليل من كتاب أو سنة، وبهذا أمرونا هم ودعونا إلى ذلك.

وهذا هو المخرج الحقيقي من تمزق الأمة التشريعي وفرقتها العملية، ومعنى ذلك أنه لا بد وأن ينشأ في الأمة العلماء المجتهدون العالمون، الذين يستوعبون مرحلتهم الراهنة، ويفقهون أوضاع المسلمين الحاضرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والخلقية، ويشرعوا للمسلمين في هذه الأحوال جميعاً وفق الكتاب والسنة؛ مسترشدين بعلم الأئمة الأعلام والفقهاء الكرام؛ غير معصبين لأحد منهم دون الآخر، وإنما يكون ولاؤهم للحق، وتمسكهم بالدليل؛ فهم مع الحق لا مع الرجال، يعرفون الحق بدليله، ولا يعرفون الحق بقائله.

وهذا أبرز جوانب الدعوة السلفية، وأكثرها وضوحاً ولمعاناً.

إنهم طلاب حق، يطلبونه بالدليل، ومع تقديرهم واحترامهم لأهل الفضل والعلم؛ فإنهم مع ذلك لا يقبلون أقوالهم إذا تحقق لديهم أنها تخالف الدليل.

ولما كان الحق واحداً لا يتعدد، وكان السلفيون طلاب حق لا عباد رجال؛ لذلك حافظوا على وحدة الأمة؛ فالرجال المتبعون كثيرون، ولو كان كل رجل سيتبعه من الأمة جماعة؛ لتعددت الجماعات، وإذا كان الرجال يختلفون؛ فمعنى هذا أن الجماعات ستختلف، وبذلك تتمزق الأمة وتتشتت، أما إذا كان الارتباط بالحق وللحق، وكان الرجال يقاسون بالحق ولا يتعصب لأقوالهم؛ كان هناك جماعة واحدة هي جماعة الحق، وكان هناك رجال يحترمون ويقدسون وتؤخذ أقوالهم بقدر اتباعهم وتقديسهم وأخذهم بالحق.

ولذلك؛ فإننا نقول: الدعوة السلفية دعوة وحدة للأمة في نظام تشريعي عملي واحد، مستند إلى الكتاب والسنة، يأخذ بأقوال الأئمة، ولا يتعصب لرأي منهم.

فهل على هذه الدعوة يا قوم من غبار ؟!

ثالثاً: تيسير فهم الإسلام:

أنزل الله سبحانه وتعالى الدين الإسلامي للناس كافة، وبعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للعالمين، وبما أن الناس متفاوتون في الذكاء وسرعة الإدراك والفهم، فإن الله جعل هذا الدين سهلاً ميسراً، ليس في العمل فقط، بل في الفهم والإدراك.

فحقائق الدين الأساسية سهلة ميسرة، سواء كانت حقائق عقائدية إيمانية، أو حقائق علمية تشريعية.

فتوحيد الله سبحانه وتعالى من الممكن أن يعلم بكلمات قليلة وبمجالسات يسيرة لأهل العلم الحقيقي المستند إلى الكتاب والسنة.

وكذلك فرائض الإسلام الخمس يستطيع الفرد الذي أوتي نصيباً قليلاً من الفهم أن يلم بأحكامها في وقت يسير: فالوضوء والصلاة يمكن تعلم أصولها في وقت لا يتعدى الساعة أو الساعتين، وكذلك الصوم، وصاحب المال يستطيع معرفة زكاة ماله في وقت يسير إذا بين له ذلك رجل من أهل العلم، وكذلك الحج أيضاً.

والخلاصة: أن الإسلام دين ميسر في الفهم والعلم، وكذلك هو دين ميسر في التطبيق والعمل، فلا مشقة فيه بوجه من الوجوه.

ومصداق هذا قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر) .

وهذه الآية دليل واضح على أن القرآن - وهو أساس الإسلام الذي حوى جميع علومه - ميسر للذكر، والذكر يتضمن العلم والعمل.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدُ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا)).

وهذا دليل على يسر الإسلام في العمل والفهمأيضاً.

ولكن؛ هذا الدين الميسر قد جاء من الناس من عقده، وضيق طرق الوصول إليه، وحجب الناس عن الاستفادة من الكتاب ومن السنة، وجعل الإسلام أشبه بالأحاجي والألغاز، وذلك بإكثار المصطلحات الخاصة في كل فرع من فروع العلوم الإسلامية، ونشأت علوم ومعارف ليست من الإسلام في شيء، وقد أسميناها علوماً ومعارف تجاوزاً، وحدث التغالي بعد ذلك في علوم الآلات الموصلة إلى فهم القرآن والسنة، فنشأ التغالي في علوم النحو والصرف وأصول الفقه، إلى الحد الذي أعجز المتخصصين فيه عن أن يصلوا إلى غاية ذلك من فهم القرآن والحديث، بل من فهم الفروع الإسلامية الأخرى، حتى إننا نجد العالم المتخصص في علوم العربية لا يفقه من الكتاب والسنة إلا قليلاً، وقد يكون عالماً بأصول الفقه لا يسن التوحيد، بل لا يحسن الوضوء ولا استنباط حكم صحيح من كتاب الله وسنة نبيه، بل الأدهى والأمر من ذلك أن تخرج الجامعات الإسلامية علماء يعتلون المنابر ويخطبون في الناس وهم لا يميزون بين حديث صحيح ثابت عن الرسول وبين الأقوال الموضوعة المرذولة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم زوراً وبهتاناً.

وهكذا ساهم تعقيد الدراسة الإسلامية في نشأة أشباه العلماء، الذين يعرفون فرعاً من فروع الدين ولا يملكون رؤية شمولية له.

وكذلك ساهم هؤلاء في نشأة كهانة دينية، جعلت الدين الذي أنزله الله للعالمين محجوباً عن الناس بعلماء ادعوا أنهم الأوصياء عليه، وإذا جئت تناقش حجتهم في قول ما لتفهم وتعي عن الله وتتدبر قوله؛ قالوا لك: لا تناقشنا ! خذ قولنا ولا تسألنا عن الدليل! وذلك ليغمضوا عينيك، وليحولوا الناس إلى سائمة يسيرون وراءهم وهم لا يدرون.

والدعوة السلفية تجعل همها الأول تذليل فهم الإسلام للناس؛ فهي تفتح الطريق أمام الناس جميعاً لدراسة الكتاب والسنة دراسة علمية سهلة واضحة، وبذلك يكون العلم مشاعاً للجميع، ويرتبط الناس بالقرآن فيتدبرونه، وبالسنة فيفقهونها، ويصبح فهم الدين والعمل به ليس حكراً على طائفة معينة تلبس لباساً خاصاً وتتكلم بلهجة خاصة، وإنما يصبح الإسلام للناس جميعاً علماً مشاعاً كالهواء الذي نتنفسه.

وقد وجدنا أثر ذلك بحمد الله في إخواننا؛ فما أن درسوا الإسلام بالمنهج السلفي؛ حتى كانوا علماء فيه في مدة يسيرة جداً، هذا مع امتلاك الرؤية الواضحة لمجمل هذا الدين؛ عقيدة، وشريعة، وسلوكياً، ومع الاستزادة اليومية من علومه؛ استزادة لا تشغل الطبيب عن طبه، ولا المهندس عن هندسته، ولا التاجر عن تجارته، وذلك لأن المنهج السلفي في فهم الإسلام يعطي الدارس مفاتيح فهم الدين؛ فالطالب في المنهج السلفي يعرف أصول الإسلام، ومراجع معرفة العقائد والأحكام، ويعرف كيف يكون ذا فكر مستقل غير مقلد، وكيف يحترم العلماء ولا يتعصب لأقوالهم، وكيف يأخذ الحق أنى وجده ما دام مؤيداً بالدليل، وكيف يترك الباطل مهما كان مصدره إذا وجد دليل بطلانه، وبذلك يفهم الإسلام في سهولة ويسر.

وإذا كان هذا التيسير مطلوباً في الأزمان الماضية؛ فهو أشد ضرورة ونحن أكثر حاجة إليه في أزماننا هذه، التي يستغرق فيها التعليم الدنيوي كل عمر الإنسان، وتستهلك فيها الحضارة الحديثة كل وقته، ويركض الناس فيه خلف الحياة بكل طاقاتهم وجهدهم.

ولذلك كان المنهج السلفي لتعليم الإسلام وتعلمه هو المنهج الأكمل الأسلم؛ لأنه يأخذ من الفرد أقل الأوقات، ويعطيه أعظم الفوائد، فلا يفني الفرد عمره في معرفة حواش وجزئيات وفرعيات وخزعبلات لا تغني عنه في دينه ولا دنياه شيئاً، وإنما ينصرف إلى حقائق الدين رأساً، فيتعلم أصول التوحيد ليصحح إيمانه وعقيدته، وأصول العبادات ليصح عمله ويكون صالحاً، وأصول التزكية والأخلاق لتزكو نفسه وتطهر، وكل ذلك من الكتاب والسنة، حيث يتعامل السلفي مع كلام الله الذي سماه روحاً ونوراً، ومع كلام الرسول الذي هو الحكمة والهداية.

وهذه هي الفائدة الثالثة والميزة الأولى للسير في الطريق السلفي، طريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي علم أمة كاملة بأيسر الجهود وأقل التكاليف.

وهكذا كان صحابته كما قال ابن مسعود: (( أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأقلهم تكلفاً )).

وهكذا نريد الجيل السلفي الحديث، على نحو الرعيل الأول: أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأقلهم تكلفاً.

انتهى، نقلا عن الشبكة السلفية،،،



رجوع