مــخـتـصــر

اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم

لشيخ الإسلام ابن تيمية



- مـقـدمـة -

مُصنف الكتاب : هو شيخ الإسلام الإمام العالم الرباني المجاهد الصابر أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني مولداً الحنبلي مذهباً المتوفي سنة 728 هـ بسجن دمشق، وله في مقاومة البدع ودحضها وقمع أصحابها الفضل الأعظم الذي شَهِدَ له به كل مُصنف.

موضوع الكتاب والغرض منه : ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه كتب قبل تصنيف هذا الكتاب ما يَسره الله تعالى له في بيان نهي الشرع عن التشبيه بالكفار في أعيادهم، وبين أن مخالفة الكفار قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة كثيرة الشُعَب وأصل جامع من أصولها كثير الفروع، ولكن بعض الناس استغرب ذلك واستبعده لمخالفته للعادة التي نشأ عليها، وأنهم تمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الناس قد عم كثيراً منهم الابتلاء بذلك حتى صاروا في نوع جاهلية، وأنه كتب ما حضره في تلك الساعة، وأنه استوفى ما في ذلك من الدلائل وكلام العلماء واستقراء الآثار لكتب أكثر مما كتبه.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذه القاعدة قطعية لا شك فيها عند من وقر الإيمانُ في قلبه وخَلُص إليه حقيقة الإسلام، ثم تعوذ بالله من رَين القلوب وهوى النفوس اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه، ثم ذكر فصلا في بيان حال البشر قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد بعثته والغرض من الكتاب بين نهي الشرع عن التشبه بالكفار عموماً والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع ثم بيان نهي الشرع عن التشبه بهم خصوصاً في أعيادهم والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار وتعرض في أثناء ذلك لكثير من القواعد الهامة وتفرع إلى بعض المسائل كما هي عادة شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.

أصل كفر اليهود والنصارى: وصَفَ الله تعالى اليهود بالغضب منه سبحانه وتعالى عليهم في قوله تعالى: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت}، والضمير عائد على اليهود كما دل عليه سياق الكلام، وكذلك في قوله: {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم؟} وهم المنافقون الذين تولوا اليهود باتفاق المفسرين وذلك كثير في كلامه تعالى، فدائماً يصف الله اليهود بأنهم مغضوب عليهم، أما النصارى فَوَصفُهُم بالضلال ملازم لهم في كتاب الله تعالى فهم المعنيون بقوله: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلُوا من قبل وأضلوا كثيراً عن سواء السبيل}، ولهذا يتعوذ المسلم كل يوم من سلوك سبيل المغضوب عليهم والضالين ويسأل الله الثبات على سبيل الذين أنعم الله عليهم حين يقرأ في فاتحة الكتاب: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، وهم النصارى، فاليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به فغضب الله عليهم، والنصارى اجتهدوا في أصناف العبادات بغير علم فضلوا، ولهذا قال بعض السلف ((من فسد من علمائنا شبه من اليهود ومن فسد من عُبادنا شبه بالنصارى)).


الـفـهرس


الباب الأول: في النهي عن التشبه بالكفار عمومًا:
 
*الفصل الأول: في ذكر أدلة الكتاب العزيز الدالة على النهي عن التشبه بهم
 
*الفصل الثاني: في ذكر أدلة السنة المطهرة الدالة على النهي عن التشبه بالمشركين
 
*الفصل الثالث: في وجوه تقرير إجماع الصحابة فمن بعدهم على تحريم التشبه بالمشركين
 
*فصل: أعمال المشركين ثلاثة أقسام


الباب الثاني: في النهي عن التشبه بالكفار في أعيادهم خصوصًا:
 *مقدمة: موافقة المشركين في أعيادهم لا تجوز من طريقين
 *الفصل الأول: في أدلة الكتاب العزيز الدالة على النهي عن التشبه بهم في اعيادهم
 
*الفصل الثاني: في ادلة السنة الدالة على النهي عن التشبه بهم في أعيادهم
 
*الفصل الثالث: في وجوه الاجماع على مخالفة الكفار في اعيادهم وبعض اقوال السلف في ذلك


الباب الأول : الفصل الأول
في ذكر أدلة الكتاب العزيز الدالة على النهي عن التشبه بهم

1- قال الله تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات . . .} إلى قوله {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} (الجائية).

ووجه الدلالة في هذه الآيات أن الله تعالى أخبر عن إنعامه على بني إسرائيل بنعم الدنيا والدين، ولكنهم اختلفوا بعد مجئ العلم بغيا بينهم، ثم أخبر سبحانه أنه جعل محمداً صلى الله عليه وسلم على شريعة من الأمر، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وهم كل من خالف شريعته صلى الله عليه وسلم، وأهواء الذين لا يعلمون هي ما يهوونه ويحبونه من الهدي الظاهر أو الباطن على السواء.

2- قوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق} (الرعد).

ووجه الدلالة في هذه الآية أن الضمير في ((أهواءهم)) عائد على ما تقدم ذكره في الآية التي قبلها وهم الأحزاب الذين ينكرون بعض الكتاب، فنهانا جل ذكره عن اتباع أهواءهم.

3- قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} (البقرة).

ووجه الدلالة في هذه الآية أن الله سبحانه أخبرنا أن اليهود والنصارى لا يرضون إلا باتباع ملتهم، ثم زجرنا سبحانه عن اتباع أهواءهم في قليل أو كثير لئلا نوافقهم في شئ من ملتهم الباطلة.

4- قوله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضعم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين} إلى قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} (البقرة)

ووجه الدلالة في هذه الآيات أن الله تعالى بين أن الحكمة من تغيير القبلة هي أن لا يكون للناس على المسلمين من حجة إلا الظالمون منهم أي لكيلا يقول اليهود: وافقونا في قبلتنا فيوشكون أن يوافقونا في ديننا والظالمون هم أهل قريش في هذه الآية، فبين سبحانه أن حكمة نسخ القبلة هي مخالفة المشركين في قبلتهم، لأن مخالفتهم أقطع لما يطمعون فيه من الباطل.

ومعلوم أن هذا المعنى يتعدى أمر القبلة إلى سائر أمور الشريعة، فكلما ازددنا من مخالفتهم كان ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل.

5- قوله تعالى لموسى وهارون: {فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} (يونس).

6- وقوله تعالى: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} (الأعراف).

7- وقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم} (النساء).

ومَا أشبه هذه الآيات التي فيها الأمر باتباع سبيل المؤمنين والنهي عن اتباع سبيل المشركين.

ووجه الدلالة منها أن ماهم عليه -أي المشركون- من العمل ليس من سبيل المؤمنين بل من سبيل المفسدين، ومن سبيل الذين لا يعلمون فيجب علينا أن نجانب سبيل المشركين، ونحرص على سلوك سبيل المؤمنين في الهدى الظاهر والباطن على السواء.

8- قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (آل عمران).

ووجه الدلالة من هذه الآية أن الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ماجاءهم البينات هم اليهود والنصارى، الذين افترقوا على بضع وسبعين فرقة، والآية خاصة في النهي عن مشابهتهم في التفرق والاختلاف، وعامة في النهي عن مشابهتهم في عامة أمورهم، وإلا لما كان لذكرهم فائدة في الآية، ولنهانا سبحانه عن التفرق مباشرة، ولكن لما ذكر الله تعالى اليهود والنصارى، وأنهم اختلفوا ثم أمرنا بمخالفتهم، تبين من ذلك أن الآية عامة في النهي عن مشابهتهم في عامة أمورهم.

9- قوله تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} (المائدة).

ووجه الدلالة من هذه الآية أن الله تعالى بين بعد ما نهانا عن مشابهة المشركين، واتباع أهوائهم، أن لكل منا ومنهم شريعة ومنهاجاً غير شريعة الآخر ومنهاجه، فعلينا أن نلزم شريعتنا ومنهاجنا ولا نشاركهم في شريعتهم ولا في منهاجهم.

10- قوله تعالى بعد ماذكر صنيعه بأهل الكتاب، الذين حرفوه وبدلوه من كونهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين قال تعالى عقب ذلك: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر).

ووجه الدلالة هو أن الاعتبار أن نقيس حالنا بحالهم وأننا لو فعلنا مثل فعلهم لا ستحققنا من العذاب مثل الذي استحقوه.

11- قوله تعالى بعدو ذكر صفات المنافقين، وأنه وعدهم جهنم ولعنهم: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم . . . . . . الآية} (التوبة).

والمعنى يحتمل أن يكون وعد الله المنافقين النار كوعد الذين من قبلكم، ولهم عذاب مقيم كعذاب الذين من قبلكم، أو يكون المعنى إن فعلتم كما فعل الذين من قبلكم من استمتاعهم بخلاقهم، أي اتباعهم شهواتهم وخوضهم، أي في الشبهات لعنكم الله كما لعنهم ووعدكم النار كما وعدهم.

12- قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ} (الأنعام).

ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى وصف نبيه بالبراءة من المشركين، وأنه ليس منهم في شئ فكل من شابه المشركين في شئ فإنه يبعد عن مشابهة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر مشابهته للمشركين، ومن كان متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسمه فلا بد أن يتبرأ من المشركين كتبرئه صلى الله عليه وسلم منهم.

13- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} (المائدة).

14- وقوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} (المجادلة).

15- وقوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} (الأنفال).

16- وقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} (التوبة).

- والآيات التي تتحدث في الموالاة كثيرة جداً في كتاب الله تعالى، وفيها يثبت الله الموالاة بين المؤمنين بعضهم لبعض وبين الكافرين بعضهم لبعض، وينهى عز وجل أشد النهي، ويتوعد من يتولى الكافرين، ويصفه بأنه منهم وبأنه من الظالمين، وينفي عنه الإيمان.

- والموالاة والموادة وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر سبب يؤدي إلى قطع هذه المودة الباطنة وهي الطريق المؤدية إلى بغضهم وبغض موالاتهم.

وكذلك فإن مشاركتهك في الظاهر تؤدي إلى نوع مودة وموالاة في الباطن ونحن منهيون عن ذلك.

17- قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} (الحديد).

وفي هذه الآية أمر الله المؤمنين بالخشوع لذكره سبحانه، ونهاهم عن مشابهة الكافرين في طول الأمد وقسوة القلب، ولكنه سبحانه لم ينه عن طول الأمد وقسوة القلب مباشرة، بل ذكر أنها من صفات أهل الكتاب، ونهانا عن مشابهتهم فعلمنا من ذلك قبح سبيلهم عموماً، وأن مشابهتهم في أي شئ تؤدي إلى طول الأمل وقسوة القلب والعياذ بالله تعالى. [استطرد شيخ الإسلام في شرحه لهذه الآية فتحدث عن قسوة القلب وأنها من ثمرات المعاصي، وتحدث عن الرهبانية وأنها ليست من الإسلام، وأن الإسلام ينهى عن الغلو وعن التفريط في كل الأمور لا سيما في العبادات].

18- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} (البقرة).

وسبب نزولها مشهور في كتب التفاسير، وهو أن اليهود كانوا يقولون (راعنا) استهزاءً، وكان المؤمنون يقولونها يقصدون بها (انظرنا)، ولا يقصدون إلا المعنى الحسن فكره الله تعالى للمؤمنين أن يتلفظوا بها، ولو كان قصدهم حسناً إمعاناً في مخالفة اليهود وأمرهم أن يستبدولوا بها لفظة أخرى.

19- قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض . . . . . . .} (البقرة).

ووجه الدلالة من هذه الآية أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اصنعوا كل شئ إلا النكاح)).

وكان اليهود إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجالسوها ولم يجامعوها في البيوت فلما بلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ((ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه)). وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول اليهود فلم يعترض عليه صلى الله عليه وسلم فهذا دليل على كثرة ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم من مخالفات لليهود ولسائر المشركين، والحديث كاملاً رواه مسلم في صحيحه.

الـفـهرس


الباب الأول : الفصل الثاني
في ذكر أدلة السنة المطهرة الدالة على النهي عن التشبه بالمشركين

1- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((سمعت رجلاً قرأ آية سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها، فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال: ((كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) (رواه مسلم).

أفاد هذا الحديث شيئين:

الأول: تحريم الاختلاف الذي يكون كل من طرفيه محسناً وعلى حق.

والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا، والحذر من مشابهتهم في اختلافهم خصوصاً وفي سائر أمورهم عموماً، فيكون ذلك سبباً في هلاكنا كما كان سبباً في هلاكهم من قبلنا. [تعرض شيخ الإسلام أثناء شرحه لهذا الحديث لمسألة الاختلاف وأسبابه وأنواعه، وقسمه إلى اختلاف تنوع وهو إما أن يكون اختلافاً في اللفظ والمعنى واحد، أو يكون كل أطرافه على حق كالاختلاف في القراءات، وفي صفة الأذان، وتكبيرات العيد ونحوها، وإلى اختلاف تضاد وهو إما في الأصول وإما في الفروع، وهو استطراد خارج موضوع الكتاب لذا اكتفينا بالتنبيه عليه].

2- عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن))]. (رواه البخاري).

ووجه الدلالة من الحديث أنه خرج مخرج النهي والتحذير من مشابهتهم، ويدل على ذلك تشبيهه صلى الله عليه وسلم أفعالهم القبيحة بجحر ضب، وهو مشهور بنتن ريحه.

فيستفاد من الحديث العمل على مخالفة المشركين، وترك مشابهتهم في القليل والكثير، لكيلا نصل إلى الحالة التي أخبر عن وقوعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- قوله صلى الله عليه وسلم ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم))، وفي لفظ ((غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود))، قال الترمذي حسن صحيح.

هذا الحديث نص صريح في الأمر بمخالفة اليهود والنصارى عموماً، ولا سيما في صبغ اللحية الذي هو سبب اللفظ العام، ويستفاد العموم من عدة وجوهٍ؛ منها: العدول بالأمر بالصباغ عن لفظ الفعل الخاص به إلى لفظ أعم منه وهو المخالفة، وذلك لأن العلم بالعام يقتضي العلم بالخاص المندرج تحت هذا العموم، فإذا عرفت أن مخالفة المشركين مطلوبة، عرفت أن مخالفتهم بصياغ اللحية مطلوب، لأنه داخل في عموم المخالفة ومنها أنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء، فيدل هذا الترتيب على أن علة الأمر بهذه المخالفة كون اليهود والنصارى لا يصبغون، فبالتالي كل فعل فعله المشركون تحققت فيه هذه العلة التي كانت سبباً في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصباغ مخالفة لهم.

ومنها أنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة ولا حسن تعقبه به، وهذا -وإن دل على أن مخالفتهم أمر مقصود للشرع-فذلك لا ينفي أن تكون في نفس الفعل الذي خولفوا فيه مصلحة مقصودة، مع قطع النظر عن مخالفتهم. وسيأتي -إن شاء الله- تفصيل هذه المسألة فيما بعد.

4- حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعاً وفيه ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد)) (رواه البخاري).

وبالجملة فإن الكفر هو أشد أمراض القلوب فبالتالي تصير سائر أجساد المشركين وما يترتب عليها من أفعالهم في فساد كبير نتيجة لفساد قلوبهم، ولا يجوز لصحيح القلب أن يشابه فاسد القلب في أي فعل من أفعال الجسد لئلا يجر ذلك إلى مشاركته في فساد القلب.

5- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خالفوا المشركين: أخفوا الشوارب وَأعفُوا اللحى)) ) (متفق عليه).

فأمر صلى الله عليه وسلم بمخالفة المشركين مطلقاً، ثم أمر بإعفاء اللحى، فلفظ (خالفوا المشركين) دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع.

6- عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) ) (رواه أبو داود).

وفيه أمر صريح بمخالفة اليهود.

7- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه مرفوعاً: ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب إكلَةُ السحر)) (رواه مسلم).

وفيه أن الفصل بين عبادتنا وعبادة أهل الكتاب أمر مقصود للشارع.

8- عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) (رواه أبو داود).

وهذا صريح في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر سببه مخالفة اليهود والنصارى، أي أن مخالفتهم سبب لظهور الدين، وهو المقصود بإرسال الرسل فيُعلَم من هذا أن نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة.

9- عن عبد الرحمن الصنابحي مرفوعاً: ((لا تزال أمتي على مُسكَة مَالم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية، وما لم ينتظروا بالفجر محاق النجوم مضاهاة للنصرانية)) (رواه الإمام أحمد).

ومعنى الحديث أن الناس لا يزالون على تمسكهم بما هم عليه ما داموا حريصين على ترك مشابهة اليهود في تأخيرهم المغرب والنصارى في تأخيرهم الفجر.

ويستفاد من الحديث أن مشابهة اليهود والنصارى تصرف الناس عن تمسكهم بدينهم.

10- حديث عمرو بن عبسة بطوله في مواقيت الصلاة عند المسلم، وفيه تعليل كراهية الصلاة في بعض الأوقات بأن المشركين يسجدون لأصنامهم فيها.

ومعلوم أن المسلم حين يصلي لا يقصد السجود إلا لله، ولكن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الأوقات حسماً لمادة المشابهة بكل طريق.

11- حديث جابر رضي الله عنه عند أبي داود وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالساً، فأراد بعض الصحابة أن يصلي خلفه صلى الله عليه وسلم وهم قائمون، فأشار إليهم أن اجلسوا ثم قال عقب الصلاة: ((إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً وإن صلى قائماً فصلوا قياماً ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)) (رواه أبو داود وغيره).

فعلل صلى الله عليه وسلم أمره بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة بترك مشابهة أهل فارس.

12- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللحد لنا والشق لغيرنا)) ) (رواه أهل السنن الأربعة) وفي رواية أحمد ((والشق لأهل الكتاب)).

وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب، حتى في وضع الميت في أسفل القبر.

13- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية ومُحل دم امرئ بغير حق له ليريق دمه)) ) (رواه مسلم).

والشاهد من الحديث هو الصنف الثاني من الثلاثة الذين يبغضهم الله، وهو الذي يبتغي في الإسلام سنة جاهلية، والسنة هي العادة التي كان عليها الجاهليون، ولفظ الجاهلية يشمل كل شريعة غير الإسلام والآيات والأحاديث في ذم الجاهلية وأخلاق أهلها والنهي عن التشبه بهم، والأمر بمجانبة طريقهم كثيرة في الكتاب والسنة. [استطرد شيخ الإسلام في الكلام عن الجاهلية ومعناها في الشرع وذَكَرَ بعض النصوص التي وردت فيها لفظة الجاهلية موضحاً للمقصود بها في كل نص من النصوص].

14- عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئارها ولا يستقوا منها، فقالوا قد عجنا منها واستقينا فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا الماء)) (رواه البخاري).

- وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم)).

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم، ونهى عن الانتفاع بمياههم والعجين الذي عجنوه به رغم أنهم كانوا في غزوة تبوك التي تسمى غزوة العسرة، وكانت أشد غزوة على المسلمين، وكذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ديارهم في في أحاديث أخر، فإذا كانت الشريعة قد جائت بالنهي عن مشاركة الكفار في أماكنهم التي حل بهم فيها العذاب، خشية أن يصيبنا الذي أصابهم فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها، واستحقوا عليها العذاب؟

15- حديث -ركانه- الذي صرعه النبي صلى الله عليه وسلم -قال رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: ((فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس)) (رواه أبو داود).

وهو حسن عند أبي داود، وهذا الحديث بَين في أن مفارقة المسلم للمشرك في اللباس أمر مطلوب في الشرع، إذ الفرق بالاعتقاد الباطن حاصل قطعاً ولو بدون عمامة، ومع ذلك حث الشرع على المفارقة في الظاهر والباطن أيضاً.

16- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صام عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: ((يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)) (رواه مسلم).

وفي رواية سعيد بن منصور قال صلى الله عليه وسلم: ((صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود))، فلما كان صيام عاشوراء مشروعاً للمسلمين، وعَلِمَ صلى الله عليه وسلم بأن اليهود تعظمه أمر بمخالفة اليهود في صفة هذا الصيام بأن يصام معه يوم قبله إمعاناً في مخالفة اليهود.

17- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن له إلا ثوب فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود)) ) (رواه أبو داود وغيره بسند صحيح).

فإضافة المنهي عنه إلى اليهود دليل على أن لهذه الإضافة تأثيراً في النهي.

18- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد -يحذر ما صنعوا-)) (متفق عليه). وله لروايات كثيرة عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم.

فيه دلالة على أن اتخاذ اليهود والنصارى القبور مساجد كان سبباً لنهينا عن ذلك، وتحذيره صلى الله عليه وسلم من صنيعهم يشمل عامة أمورهم.

19- عن جابر رضي الله عنه قال في حديثه الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: (وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال حين خطب في يوم عرفة: ((ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)) ) (رواه مسلم).

فقوله صلى الله عليه وسلم كل شئ من أمر الجاهلية يشمل كل ما كانوا عليه من عبادات وعادات.

20- حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين في صفة الأذان والرؤيا التي رآها عبد الله بن زيد.

وفي معنى هذا الحديث كره النبي صلى الله عليه وسلم الإعلان عن الصلاة بالناقوس لأنه من فعل النصارى، وكره استعمال البوق لأنه من فعل اليهود، وكره استعمال النار في الإعلان عن الصلاة لأنه من فعل المجوس، ففيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يكره أفعال المشركين من سائر الملل.

21- حديث عمرو رضي الله عنه أن أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون من جَمع حتى تطلع الشمس، قال عمر: ((فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأفاض قبل طلوع الشمس، وكانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإفاضة بعد الغروب))، ففي الحديث بيان قصد النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة المشركين في هديهم.

22- حديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) (متفق عليه).

وفيه تعليل النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة، بأنها لهم أي للمشركين في الدنيا.

23- حديث جبير بن نفير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الله ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار لا تلبسها)) (رواه مسلم).

24- روى أبو داود بإسناد على شرط الشيخين عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: ((من تشبه بقوم فهو منهم)).

قال شيخ الإسلام: (وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) أ هـ.

قال شيخ الإسلام: (ولو تتبعنا ما في هذا الباب مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ما دل عليه كتاب الله لطال بنا القول) أ هـ.

ومن تأمل بعض ما أرودنا من الأحاديث، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلل النهي عن كل قبيح بأنه من فعل أهل الكتاب، ويأمر في غير موطن بمخالفتهم حتى صاروا علامة على الفساد والقبح -اتضح جلياً من موجوع الأدلة، وتكرر وجه الدلالة فيها تحريم التشبه بهم في سائر أمورهم، وإن على المسلم أن يجانب طريقهم بقدر استطاعته.

الـفـهرس


الباب الأول : الفصل الثالث
في وجوه تقرير إجماع الصحابة فمن بعدهم على تحريم التشبه بالمشركين

1- الوجه الأول : هو الشروط التي اشترطها أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على أهل الذمة، ووافقه عليها سائر الصحابة، وعامة الأئمة بعدهم، وسائر الفقهاء الذين تكلموا عن عهد الذمة ذكروا هذه الشروط، وألزموا بها كل إمام أراد معاهدة الذميين، ولم ينقل عن أحد من العلماء أو الصحابة الاعتراض على هذه الشروط في الجملة، بل هي مجمع عليها، وهي أشهر شئ في كتب الفقه والعلم، وهذا يقتضي إجماع الصحابة وسائر الأئمة على العمل بهذه الشروط؛ ومنها: على لسان النصارى الذين وقعوا هذه الشروط: ((أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شئ من ملابسهم: قلنسوة أو عمامة أو نعلين أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا . . . إلى آخر الشروط)).

فهذه الشروط المذكروة المقصد منها تمييز المسلم عن الكافر لئلا يشتبه أحدهما بالآخر، ولم يرض عمر رضي الله عنه بأصل التميز بل بالتمييز في عامة الهدى في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام وغير ذلك، ولقد كان أمراء الهدى بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرصون ويبالغون في الحرص على تطبيق هذه الشروط، كما روى أبو الشيخ بإسناده أن عمر بن عبد العزيز دخل عليه الناس من بني تغلب، وعليهم العمائم كهيئة العرب، فقال: ((من أنتم))، قالوا: ((نصارى))، فقال: ((علي بجلم)) -أي مقص- فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم وشق رداء كل واحد منهم شبراً يحتزم به، وقال: ((لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكُف، ودلوا أرجلكم من شق واحد))، ثم أرسل عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأمصار يأمرهم بمتابعة النصارى، لأن بعضهم ترك التقصيص ولبس المناطق على أوساطهم، وقال في خطابه ((ولعمري إن كان يُصنَعُ ذلك فيما قبلَك إن ذلك بك ضعف وعجز فانظر كل شئ نهيتُ عنه وتقدمتُ فيه إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه ولا تعد عنه شيئاً)).

2- الوجه الثاني : هو ما نقل عن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وكثير من الصحابة في أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة في مواقف متعددة يأمرون فيها بمخالفة المشركين، ويعللون نهيهم عن أشياء بمخالفة المشركين، فكان ذلك إجماعاً منهم على لزوم مخالفتهم، لا سيما ولم ينقل عن أحد ممن حضر تلك المواقف أو ممن لم يحضرها اعتراض على ذلك أو إنكار له، بل كل ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم جميعاً هو التحذير من مشابهة المشركين، وحرصهم رضي الله عنهم على مخالفتهم.

وإليك أمثلة من كلام بعض الصحابة رضي الله عنهم:

1- دخل أبو بكر الصديق -رضي اله عنه- على امرأة في الحج فرآها لا تتكلم، فقال: ((مالها لا تتكلم))، فقالوا: ((حجت مصمتة))، فقال لها: ((تكلمي فإن هذا لا يحل. هذا عمل الجاهلية))، روى الحديث بطوله البخاري فأخبر أبو بكر رضي الله عنه أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله هذا من عمل الجاهلية قاصداً بذلك عيب هذا العمل وذمه، وتعقيب الحكم بالوصف دليل على أن الوصف علة فدل ذلك على أن كون العمل من عمل الجاهلية يوجب النهي عنه والمنع منه.

2- كتب عمر -رضي اله عنه- إلى أهل فارس-المسلمين منهم- يقول: ((إياكم وزي أهل الشرك)) رواه البخاري. فهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي أهل الشرك.

3- روى الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: ((قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتباً نصرانياً فقال ما لك قاتلك الله أما سمعت الله يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهَود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} ألا اتخذت حنفياً؟ قال قلت: ((يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه)) فقال عمر: ((لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله))، فغضب عمر رضي الله عنه غضباً شديداً حين اتخذ أبو موسى رضي الله عنه كاتباً نصرانياً، وذلك لأن هذه الوظيفة تنافي الذلة التي فرضها الله عليهم والصغار الذي أوجبه الله عليهم.

- وقد كان لعمر رضي الله عنه في باب إذلال المشركين ماهو مناسب لسيرته المرضية التي أعزت الإسلام والمسلمين، وكان رضي الله عنه وقافاً عند كتاب الله ممتثلاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مستشيراً في كل صغيرة وكبيرة للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم جميعاً

3- أما عثمان رضي الله عنه فقد أقر ما كان قرره عمر رضي الله عنه من السنن، والأحكام، والحدود، وجرى على سننه فقد عُلم موافقة عثمان رضي الله عنه في هذا الباب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

5- روى سعيد بن منصور بسنده أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج فرأى قوماً قد سدلوا فقال: ((ما لهم؟ كأنهم اليهود قد خرجوا من فورهم -أي مدارسهم-)) رواه ابن المبارك وغيره، والغرض هنا أن علياً رضي الله عنه شبه السادلين باليهود مبيناً بذلك كراهة فعلهم، فعُلم أن مشابهة اليهود أمر قد استقر عنده كراهته.

6- في الصحيح أن معاوية رضي الله عنه حين قدم المدينة خطب الناس، فكان مما ذكر في خطبته، أنه أخرج كبة من الشعر فقال(( ما كنت أرى أحداً يفعله إلا اليهود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه الزور)).

فقول معاوية فيه دليل على أن ما كان من زي اليهود فليس من زي المسلمين، وفيه نهيه رضي الله عنه عن مشابهة اليهود في زيهم.

7- ورى الخلال بسنده إلى ابن عباس أنه قال لرجل سأله عن الاحتقان فقال رضي الله عنه: ((احتقن، لا تبد العورة ولا تستن بسنة المشركين))، وهذا عام في كل ما عليه المشركون من الهدي الظاهر والباطن.

8- روى أبو داود بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل عليه غلام، وله قصتان فمسح رأسه، وبرك عليه، وقال: ((احلقوا هذين أو قصوهما فإن هذا زي اليهود))، فنهى أنس بن مالك رضي الله عنه عن التشبه باليهود في زيهم.

9- روى أبو داود بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة فقال له: ((لا تجلس هكذا فإن هكذا يجلس الذين يعذبون))، وفي رواية ((تلك صلاة المغضوب عليهم))، فعلل ابن عمر رضي الله عنه نهيه عن هذه الجلسة بأنها جلسة المعذبين وهذه مبالغة في مجانبة هديهم.

10- روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تكره أن يجعل المصلى يده في خاصرته وتقول: ((إن اليهود تفعله)) فعُلمَ بذلك أن فعل اليهود قبيح عندها، ولا يجوز للمسلمين فَعله.

11- روى ابن أبي عاصم بسنده إلى معاوية رضي الله عنه أنه قال: ((إن تسوية القبور من السنة وقد رفعت اليهود والنصارى فلا تشبهوا بهم))، فنهى رضي الله عنه عن التشبه بهم.

12- روى البيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ((من بني ببلاد المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم حتى يموت، حشر معهم يوم القيامة)). قال شيخ الإسلام: ((وهذا يقتضي أنه جعلها من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية)).

13- روى سعيد بن منصور بسنده إلى ابن مسعود أنه كان يكره الصلاة في الطاق وقال: ((إنه من الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب))، وهذا نهي من ابن مسعود رضي الله عنه عن التشبه بهم.

14- روى البخاري عن القاسم -من أئمة التابعين وفقهاء المدينة السبعة- أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، ولا يقوم لها، ويخبر عن عائشة أنها قالت: ((كان أهل الجاهلية يقومون لها))، فاستدل بقول عائشة رضي الله عنها أنه من فعل الجاهلية على كراهة القيام للجنازة.

تنبيه:

هذا الباب فيه نقول كثيرة عن الصحابة وهذه القضايا بعضها في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحداً من الصحابة ولا التابعين خالف ما ذكرناه من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة سواء كانت المخالفة في الهيئة واللباس وغيرها، فعلم إجماع الصحابة على ذلك.

- وإن كان بعض هذه المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل وليس هذا موضعه.

كما أنهم متفقون على اتباع الكتاب والسنة، وقد يختلفون في بعض أعيان المسائل لتأويلات ونحوها.

3- الوجه الثالث : من وجوه تقرير الإجماع على مخالفة المشركين -ما ذكره علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين، وأصحابهم في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه.

قال شيخ الإسلام: (وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل والنظر يورث علماً ضرورياً باتفاق الأئمة على النهي عن موافقة الأعاجم والأمر بمخالفتهم).

فمن ذلك على سبيل المثال -وليس المراد أعيان المسائل وإنما إثبات قاعدة المخالفة للمشركين- :

1- عند الأحناف: تكلم كثير من أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم.

- الأصل المستقر في مذهب أبي حنيفة أن تأخير الصلوات أفضل من تعجيلها عموماً إلا صلاة المغرب، فيستحب تعجيلها لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود.

- قالوا يكره السجود في الطاق لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب.

- قالوا إن صام يوم الشك ينوي أنه من رمضان كره، لأنه تشبه بأهل الكتاب الذين زادوا في صومهم.

- أباح الإمام أبو حنيفة افتراش الحرير، وتعليقه، والستر به، فاحتج عليه أبو يوسف ومحمد بأن ذلك من زي الأكاسرة، والتشبه بهم حرام.

2- عند المالكية: قال بعض أصحاب مالك من ذبح بطيخة في أعيادهم فكأنما ذبح خنزيراً.

- قالوا يكره ترك العمل يوم الجمعة لما فيه من التشبه باليهود الذين يتركون العمل يوم السبت.

- روى ابن القاسم في المدونة عن الإمام مالك أنه قال: لا يُحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف.

- قال الإمام مالك قيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة.

3- عند الشافعية: تكلم الشافعية عن شروط أهل الذمة، وفيها منعهم من التشبه بالمسلمين، ومنع المسلمين من التشبه بهم في لباسهم وغيرها تفريقاً بين علامة المسلمين وعلامة الكفار.

- وبالغ طائفة من الشافعية فنهوا عن التشبه بأهل البدع مما كان شعاراً لهم، وإن كان في الأصل مسنوناً، فعلى الرغم من أن مذهب الشافعي أن الأفضل تسطيح القبور، وغيره من الأئمة مذهبهم أن الأفضل تسنيمها، فاستحب طائفة من الشافعية تسنيم القبور لأن تسطيحها صار شعار الرافظة.

وقالت طائفة أخرى بل نحن نسطحها فإذا سطحناها لم يكن التسطح شعاراً لهم، فاتفقت الطائفتان على ذم التشبه بأهل البدع وإنما تنازعوا في عين المسألة هل هي تشبه بهم أم لا؟

4- عند الحنابلة: أما الحنابلة فكلامهم في ذلك كثير جداً أكثر من أن يحصر.

- كره الإمام أحمد حلق القفا لأنه من فعل المجوس، وكره شد الحبل على القميص لأنه من فعل اليهود، وكره تسمية الشهور بالأعجمية والأشخاص بالفارسية، وكره النعال السندية لأنها ليست من زي المسلمين، وكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك، وقال إنما يعتم بمثل ذلك اليهود والنصارى، ودعي الإمام أحمد إلى وليمة فلما دخل رأى في الدار كرسياً عليه فضة فخرج، ونفض يده في وجه صاحب الدار، وقال زي المجوس، زي المجوس، وسائر الحنابلة في ذلك على هدي إمامهم فمن ذلك قول القاضي أبي يعلى: ((إذا امتنع أهل الذمة من لبس الغيار لم يجز لأحد من المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم)).

بعدما ذكر شيخ الإسلام أدلة الكتاب والسنة والإجماع على حرمة التشبه بالمشركين عقد ثلاثة فصول في التشبه بالشياطين والأعاجم والأعراب لما في التشبه بهم من نوع مشابهة للتشبه بالكفار؛

فأما التشبه بالشياطين فلأنهم من رؤوس الكفر فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم.

- كما روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها)) فعلل صلى الله عليه وسلم النهي عن الأكل والشرب بالشمال بأنه من فعل الشياطين فعُلم قبح التشبه بهم.

وأما الأعراب فليسوا مذمومين بنفس الأعرابية بل أخبر تعالى أن منهم مَن يتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، وأخبر تعالى أنه سيدخلهم في رحمته، وقد كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب الذين وفدوا عليه، وكانوا أفضل من كثير من القرويين.

ولكن الأعراب الذين لم يهاجروا إلى المدينة في دينهم نقص مع ما يغلب على طبعهم من الجفاء ، والغلظة ، وعدم الادب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكثير من الأخلاق الفاسدة الناشئة من طبيعة معيشتهم بعيدا عن المدن ، وهؤلاء الذين عناهم الله بقوله : (( الأعراب اشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله )) فلذا نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم في تسمية ( العشاء ) بالعتمة و( المغرب ) بالعشاء . كما في صحيح البخاري وغيره ، فكره النبي صلى الله عليه وسلم موافقتهم في التسمية لأنها تجر إلى مشابهتهم في أخلاقهم .

وكذلك الأعاجم وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبشة وغيرهم ، منهم المؤمن ومنهم الكافر ، وهم ليسوا مذمومين بنفس الأعجمية بل لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ، وقد كان كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من اصل غير عربي كسلمان الفارسي وبلال الحبشي كانوا رضي الله عنهم أفضل من كثير من العرب ، وصح في فضل بلاد فارس بعض الأحاديث في فضل المؤمنين من أهلها ، ولذا كان كثير من أئمة التابعين فمن بعدهم من بلاد فارس وغيرها .

ولكن كان قول عامة أهل العلم تفضيل العرب في الجملة على جنس العجم في الجملة ، وعدوا تفضيل العجم على جنس العرب ، نفاقا والعياذ بالله تعالى ، وكذلك تفضيل جنس القرشيين على جنس العرب وتفضيل جنس الهاشميين على جنس القرشيين قال به جماهير العلماء .

فلهذا ينبغي على المسلم أن يوالي العرب ويحبهم ماداموا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم محافظين ، ويحرص على التشبه بهم والبعد عن التشبه بالعجم ، وهيآتهم ، وافعالهم ، ويجب عليه قبل ذلك أن يوالي المؤمنين سواء كانوا عربا ، أو عجما ، ويعادي المشركين عربا كانوا أو عجما ، فالمؤمن يحب أخاه المؤمن ولو كان في أقصى بلاد الأرض ويبغض الكفار ولو كانوا آباءه أو إخوانه أو بنيه .

الـفـهرس


الباب الأول : فصل
أعمال المشركين ثلاثة أقسام

أعمال المشركين ثلاثة أقسام : قسم مشروع في ديننا وهم يفعلونه ، وقسم كان مشروعا لهم فنسخه شرع القرىن ، وقسم لم يكن مشروعا بحال وإنما أحدثوه ، وكل قسم من هذه الاقسام إما في العبادة ، وإما في العادة ، وغما فيهما معا :

1- فما هو مشرع في ديننا والكفار يفعلونه ونخالفهم في صفة الفعل لا في أصله ( كصوم عاشوراء ، نصوم يوما قبله ، وصلاة المغرب نعجلها ، والسحور نؤخره ، ونصلي في النعلين ) .

2- وما كان مشروعا لهم ثم نسخ في شرعنا فلا يجوز لنا فعله قطعا ( كترك العمل يوم السبت ، وانواع صلواتهم ، وصيامهم ، وكتحريم كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم ) .

3- ما أحدثوه فهو اقبح واقبح فإنه لو فعله المسلمون لكان بدعة ، وحراما فما بالك بما لم يشرعه نبي قط بل أحدثه الكافرون فلا شك أنه ظاهر القبح .

الـفـهرس


الباب الثاني : مقدمة
موافقة المشركين في أعيادهم لا تجوز من طريقين

الطريق الأول : وهو الطريق العام فبعدما تقدم ان مشابه المشركين عموما في أي فعل من أفعالهم لا تجوز ، فموافقتهم في أعيادهم - وهي ليست ديننا ولا عادة سلفنا - لا تجوز لذلك .

أولا : لو كانت موافقة المشركين امرا اتفاقيا وليس فيه تعمد مشابهة لكان المشروع لنا مخالفتهم لان نفس مخالفتهم مصلحة لنا ، فمن وافقهم فقد فوت على نفسه تلك المصلحة ، وإن لم يكن قد اتى بمفسدة فكيف إذا جمعهما معا ؟

ثانيا : أعيادهم من البدع المحدثة في الدين ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، وكذلك التشبه بالمشركين دلت كثير من الآثار على تحريمه كقوله صلى الله عليه وسلم : (( من تشبه بقوم فهو منهم )) فهذا يقتضي تحريم التشبه بهم .

فإذا اجتمعت مشابهة المشركين والإحداث في الدين كان ذلك في غاية القبح ، وأعياد المشركين من هذا القبيل فلا يجوز الاحتفال بها لذلك .

الطريق الثاني : وهو الطريق الخاص في نفس أعياد المشركين من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار .

الـفـهرس


الباب الثاني : الفصل الأول
في أدلة الكتاب العزيز الدالة على النهي عن التشبه بهم في أعيادهم

1- قوله تعالى : (( والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما )) ( الفرقان ) .

فمدح الله تعالى عباده الذين يمتنعون عن شهود أعياد المشركين فهذا يقتضي الندب غلى ترك شهودها ، وتسمية الله تعالى لها زورا تقتضي تحريم فعلها ، ولأن الله تعالى ذم الزور ، وقول الزور فه غير موضع من القرآن فلا شك أن فعل الزور أشد في الذم .

الـفـهرس


الباب الثاني : الفصل الثاني
في أدلة السنة الدالة على النهي عن التشبه بهم في أعيادهم

1- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ((ما هذان اليومان؟)، قالوا: ((كنا نلعب فيهما في الجاهلية))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر)) (رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، ورواه الإمام أحمد والنسائي).

ووجه الدلالة من الحديث أن اليومين الجاهلييَن لم يقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تركهم يلعبون فيهما على عادتهم بل قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين، والإبدال عن الشئ يقتضي الإقلاع عن المبدل منه، فلا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما كقوله تعالى: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}.

وأيضاً لفظ الإبدال يدل على النهي عن هذين العيدين، لأن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا ليتركوا الأعياد الشرعية، ولكن أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله أبدلهم بأيامهم أياماً خيراً منها، خشية أن يُجَوَزَ مَن بعدهم الجَمعَ بين الأعياد الشرعية والأعياد الجاهلية.

2-عن ثابت بن الضحاك بن خليفة رضي الله عنه قال: (( نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلاً ببُوَانَة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إني نذرت أن أنحر إبلاً ببُوَانَة))، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد))، قالوا: ((لا))، قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟))، قالوا: ((لا)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)). (رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم، وأصله في الصحيحين.

وهذا الحديث يدل على أن الذبح بمكان عيدهم معصية لله من وجوه:

أحدها: أن قوله ((فأوف بنذرك)) تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أن الوصف هو سبب الحكم فيكون سبب الأمر بالوفاء هو خُلو النذر من هذين الوصفين، فيكون وجود أحدهما مانعاً من الوفاء بالنذر ولو لم يكن النذر في نفسه معصية.

ثانيها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا وفاء لنذر في معصية الله))، دليل على أن الذبح بمكان فيه عيد للمشركين معصية لله، لأنه هذا اللفظ العام ورد على سبب مخصوص فلا بد من اندراج هذا السبب تحته.

ثالثها: لو كان الذبح بمكان فيه عيد للمشركين جائراً لسوغ النبي صلى الله عليه وسلم للسائل أن يذبح هناك، ولما كان هناك داع للسؤال عن أعياد المشركين التي تقام في هذا المكان.

* وهذا النهي عن الذبح بالبقعة التي يقيمون فيها عيدهم إما من أجل تخصيص بقعة عيدهم وهذا تعظيم لها فكيف بنفس عيدهم؟

وإما أن يكون لأن الذبح هناك موافقة لهم في عيدهم، وموافقتهم في عيدهم لا تجوز لأن النذر ليس فيه محذور آخر سوى كونه في بقعة فيها عيد.

(فائدة) العيد: اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد إما بعود السنة، أو الأسبوع، أو الشهر، وقد يختص العيد بمكان معين فيكون عيداً زمانياً ومكانياً وقد يكون زمانياً فقط.

3- عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخَل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان -وليستا بمغنيتين- وذلك يوم عيد فنهاهما أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)) (رواه البخاري ومسلم).

والدلالة من هذا الحديث من وجوه:

أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم ((إن لكل قوم عيداً فهذا عيدنا))، يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم.

ثانيها: قوله صلى الله عليه وسلم ((وهذا عيدنا))، يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيدٌ سواه.

ثالثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في لعب الجواري بالدف وغنائهن معللاً بأن لكل قوم عيداً، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد المسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار فلا يرخص في اللعب في أعياد الكفار كما يرخص باللعب في أعيد المسلمين.

4- عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أضل الله عن الجمعة مَن كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدنا ليوم الجمعة)) (رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم).

وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة عيداً في غير موضع.

وفي هذا الحديث ذكر أن الجمعة لنا، والسبت لليهود والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص فكل فريق مختص بيومه لا يشركه فيه غيره فإذا نحن شاركناهم في الاحتفال بعيدهم الأسبوعي كنا مخالفين لهذا الحديث فكيف بالعيد الحولي؟، لا شك أنه لا فرق بينهما إن لم يكن العيد الحولي أعظم في الإثم ولا سيما إذا كان يحسب بالشهور القبطية.

5- حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((كان صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم)) (رواه أحمد والنسائي وصححه بعض الحفاظ). وهذا نص في شرع مخالفتهم في عيدهم.

وليس الغرض بيان حكم صيام السبت والأحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى في حديث آخر عن صيام السبت والأحد، وعلل النهي بمخالفة أهل الكتاب. ولذا اتفق العلماء على شرع مخالفتهم في عيدهم، وإنما اختلفوا هل مخالفتهم في عيدهم بالصوم، فيه أو بإهماله حتى لا يقصد بصوم ولا فطر، أو بالتفرقة بين العيد العربي والعيد العجمي على ثلاثة أقول.

الأحاديث السابقة وغيرها تدل على أن للناس في الجاهلية أعياداً كانوا يحتفلون بها، ويجتمعون فيها، وكذلك كان في الجزيرة العربية يهود ونصارى حتى أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، وكانت لهم أعياد.

ومعلوم أن هذا الأعياد لم يبق منها شئ بل محاها الله تعالى فلم يعد لها ذكر بعد الإسلام، ومعلوم أن المقتضي لفعل هذه الأعياد وما فيها من الأكل، والشرب، واللباس، والزينة، واللعب، والراحة، ونحو ذلك قائم في النفوس كلها إذا لم يوجد مانع خصوصاً في نفوس الصبيان والنساء والفارغين من الناس، فلولا المانع القوي لما درَسَت تلك الأعياد

وهذا يوجب العلم اليقيني بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمنع أمته منعاً قوياً عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها وطموحها بكل سبيل.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن كثير من المباحات، وبعض صفات الطاعات لئلا يكون ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، فلا شك أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن أعيادهم كان أقوى وأشد، واعلم أنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أهل الجحيم كان أبعد لك عن أعمال أهل الجحيم. وهذا بعد التأمل بين جداً.

الـفـهرس


الباب الثاني : الفصل الثالث
في وجوه الإجماع على مخالفة الكفار في أعيادهم وبعض أقوال السلف في ذلك

الوجه الأول : وجود اليهود والنصارى والمجوس الذين كانوا في امصار المسلمين يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون ، ومعلوم أن هؤلاء كانت له اعياد يحتفلون بها والمقتضى لبعض ما يفعلونه قائم في نفوس كثير من الناس ، ثم لم يكن على عهد السلف من المسلمين من يشاركهم في شيء من ذلك ، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهة ونهيا لوقع ذلك كثيرا .

الوجه الثاني : ما تقدم في شروط عمر رضي الله عنه التي اتفقت عليها الصحابة وسائر الفقهاء بعدهم ، وفيها أن اهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام ، فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها فكيف يسوغ للمسلمين فعلها ؟

الوجه الثالث : ما جاء من الآثار وأقوال السلف في مواضيع متفرقة ، وحوادث متعددة ينهون فيها عن مشاركة المشركين في أعيادهم ، تدل على أنه أمر متقرر عندهم ، ولم ينقل عن أحدهم خلاف هذا ، ولا أنكر عليهم أحد ممن سمع كلامهم فدل على اتفاقهم على ذلك ، فمثلا :

1- روى البهيقي بسند صحيح عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار عن عمر رضي الله عنه قال : (( لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم )) .

2- وروى بالسند السابق عن الثوري عن عوف عن الوليد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : (( من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة )) .

3- وروى البهيقي بسنده إلى الإمام البخاري بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : (( اجتنبوا أعداء الله في عيدهم )) .

4- وروى البهيقي بسند صحيح إلى هشام بن محمد ابن سيرين قال : (( أتي علي بن أبي طالب بمثل النيروز - لعله طعام يصنعونه يوم النيروز أو ما شابه ذلك - فقال : ماهذا ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين هذا يوم النيروز ، قال : فاصنعوا كل يوم نيروزا )) قال ابو اسامة : (( كره رضي الله عنه أن يقول النيروز ، قال البهيقي : وفي هذا الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصا به .

قال شيخ الغسلام ابن تيمية عقب هذه الأحاديث ما ملخصه : أما قول عمر : (( فإن السخطة تنزل عليهم )) .
فإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم في بعض العمل أليس يعتعرض للعقوبة ؟
وأما قوله : (( اجتنبوا أعداء الله في عيدهم )) فكيف بمن عمل عيدهم ؟
وأما قول عبد الله بن عمرو فإنه يقتضي أنه جعله كافرا بمشركتهم في مجموع أمورهم .
فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية .
واما علي رضي الله عنه فكره موافقتهم في اسم العيد الذي ينفردون به فكيف بموافقتهم في العمل ؟

ذكر شيخ الإسلام أن المنع من حضور اعياد المشركين هو المنصوص عن الإمام أحمد بن حنبل وعن أصحابه ، قال القاضي أبو يعلي : (( مسألة في المنع من حضور أعيادهم )) ، وقال الخلال : (( باب كراهة خروج المسلمين في أعياد المشركين )) ، وقال الحسن الآمدي : (( فصل : لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود )) .

ثم ساق شيخ الإسلام فصلا في التكلم بالأعجمية لمن يقدر على التكلم بالعربية محصله أنه لا يشرع لأنه تشبه بهم ، ونحن قد نهينا عن ذلك إلا أنه يجوز التلفظ بكلمة أو كلمتين لتفهيم المخاطب ونحوه .

 


رجوع